د.معتز محمد أبوزيد: العدالة المناخية وحقوق الأجيال الجديدة
قاض – محاضر مواد القانون العام – خبير تشريعات حقوق الانسان
تغيرت العديد من الأنظمة السياسية و الدستورية في العديد من الدول، أما بفعل التغيرات الدستورية الاستثنائية مثل الثورات و الانتفاضات والتعديلات الدستورية أو عن طريق النزاعات العسكرية والحروب وعمليات الاحتلال وحركات التحرر و الاستقلال وقد استتبع ذلك إصدار قواعد دستورية جديدة في هذه البلاد تعتبر نتيجة لما مرت به وترسم ملامح العهد الجديد الذي تقبل عليه هذه الأنظمة.
وربما كانت فكرة التغير المناخي وإشكاليته و في مقدمتها العدالة المناخية من الموضوعات التي تفرض نفسها على الساحة الدستورية و التشريعية للعديد من البلاد التي تقوم بتغيير أنظمتها والتي ربما لم تتمتع بتاريخ طويل في النصوص الدستورية الا أنه في طريق مواز تظهر مبادئ دستورية جديدة مثل حقوق الأجيال القادمة والتي قد تبدو موضوعا منفصلا عن موضوعات العدالة المناخية أو على الأقل أنهما ضعيفا الارتباط ببعضهما البعض إلا أن حقيقة الأمر ونظرا لأنهما يأتيان من مصدر مشترك و هي فكرة تحقيق أهداف التنمية المستدامة و التي تشمل مواجهة مشكلات التغير المناخي وتحقيق العدالة المناخية و كذلك فهي الطريق المتفق عليه عالميا لضمان حقوق الأجيال القادمة وضمان الأبعاد الاقتصادية و الاجتماعية والبيئية لضمان حقوق الإنسان واستمرار حياته على كوكب الأرض .
الترابط بين أساسيات العدالة المناخية و حماية حقوق الأجيال القادمة
إلا أنه ومن زاوية مغايرة فان العدالة المناخية تقوم على أساس من التشاركية والتعاون في تحمل المسئولية في مجابهة مخاطر التغير المناخي، وهو ما يتشارك مع حماية حقوق الأجيال القادمة في فكرة التساند في حماية هذه الحقوق على نحو من التشارك بين الأفراد والجهات الحكومية والخاصة ومنظمات المجتمع المدني، والتي أصبحت واجبا على الجميع، حيث أن حماية حقوق الأجيال القادمة هو مصطلح على قدر من الاتساع ليشمل جهود ومشاركات جميع الجهات و الأطراف.
ومما يؤكد الترابط بين أساسيات العدالة المناخية و حماية حقوق الأجيال القادمة أنها تستوي جميعا على أنها جميعا مفاهيم حقوقية متأصلة في الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والقانونية والسياسية فهي مسائل ترتبط بحقوق الإنسان في تطبيقها الحالي أو رسم خرائطها لمستقبل العالم وما يلي الجيل الحالي من أجيال، وما ينبغي القيام به لتوارث وتناقل هذه المسئولية و استمراريتها فقضايا المناخ قضايا مستمرة مرتبطة ببقاء جودة الحياة على كوكب الأرض وكذلك فان حقوق الإنسان هي نداءات مستمرة متجددة ومتطورة وكذلك فان العدالة المناخية وفقا لمبادئ توزيع الأدوار فمن الضروري أن تقدم كل الدول مشاركتها ودورها في تحقيق مبادئ هذه العدالة.
فكرة الالتزام
إن الداعي الأساسي لتعظيم النظرة الى حقوق الأجيال القادمة هي فكرة الالتزام ،وهي ذات الفكرة التي تؤسسها العدالة المناخية فهي ليست عدالة تحمل العقاب بل عدالة تحمل المسئولية و التزام الأدوار واستمراريتها، ومن ثم فهي وجه آخر لفكرة العدالة المناخية بل هي من أركانها، وربما هي الركن الذاتي من العدالة المناخية، والتي تنفصل عن فكرة العالمية او الدولية وإنما هي جانب الخصوصية و الحفاظ على الاستمرارية و سلامة النوع و حفظ السلالات.
وفي ذات الصدد فإن العدالة المناخية بجانب حفظ حقوق الأجيال القادمة، هي أفكار لم تتمتع بتاريخ تشريعي أو أصول متجذرة في التاريخ القانوني، وإنما هي ثمرة حركات التحديث والتحريك والتغيير القانوني والدستوري الذي ينفتح على الأفكار الجديدة و من ثم فان هذه الأفكار تتمتع بأبعاد أخلاقية أصيلة فهو دافع إنساني بالدرجة الأولى لحماية العنصر البشري، وتقدير دوره كذلك مواجهة مشكلات التغير المناخي، والدافع الأدبي بعيدا عن آليات المادة والخوف من العقاب و الملاحقة و تطبيق القواعد وإنما هي مسارات جديدة ترتبط بالأفكار الجديدة التي تحتويها التشريعات المحدثة أو الدساتير المعدلة، والتي تعلوها مظلة المنظومة الأخلاقية في بداية ظهور هذه القواعد و هو ما يتضح من مقدمات الدساتير ومواثيق التحرر و الاستقلال.
فكرة الضرورة
تتقارب مفاهيم العدالة المناخية كذلك مع حقوق الأجيال القادمة في أساس هام، وهي فكرة الضرورة والتي أصبحت من متطلبات بقاء الإنسان على سطح الأرض، ولما كانت العدالة المناخية هي أحد روافد مواجهة مشكلات العدالة المناخية و التي تصب في تعميم المسئولية لضبط حرارة الأرض والتعويض عن مسببات التغير المناخي بين دول العالم و تمويل حملات دفع الأضرار وحفظ التنوع البيولوجي والجيولوجي وتحسين وترشيد استخدامات الطاقة وضمان أمن وسلامة الماء والغذاء، فان حقوق الأجيال القادمة تمثل فكرة تأمين مستقبل الأفراد الذين قد لا يستطيعون تحمل المسئولية في وقت قريب أو أنهم يتم إعدادهم لحمل مسئوليات من نوع آخر وبحجم مختلف تتشكل وتظهر في أزمنة لم تأت بعد ومن ثم فهي فكرة استباقية لا تواجه مشكلات فقط مثل العدالة المناخية إنما تؤسس لسياسات مستقبلية وحقوق يتعين النظر إليها وتفعيلها والحفاظ عليها.
عمومية أفكار العدالة المناخية وكذلك حقوق الأجيال القادمة تجعلها ليست ببعيدة عن أي دولة أو تنظيم مجتمعي، وأن جميع المجتمعات قد وضعتها حاليا من ضمن الأولويات حتى وإن لم تتمكن من أداء هذه الأدوار، وتنفيذ هذه الخطط في الوقت الحالي، فالدول الفقيرة والدول الغنية تستهدف حماية الأجيال القادمة، وكذلك ووفقا لمفاهيم العدالة المناخية، فليست هناك دولة منها ببعيد، وأن الأمر وإن اعتمد على تمويلات ضخمة تدعمها الدول المتقدمة، إلا أنها كذلك ترتبط أدوار الدول الفقيرة أو الدول النامية، والتي تلتزم كذلك بدورها التشاركي في تحقيق العدالة المناخية ومواجهة مشكلات التغير المناخي.
ظهور الأفكار الجديدة مثل تفعيل العدالة المناخية وحماية حقوق الأجيال القادمة ليس وليد متطلبات التنمية المستدامة أو مستخلصات البحث والتجربة، والتنظير فقط، وإنما هو ظهور تطبيقي صاحبته نصوص في الدساتير والقوانين تدعمها أبعاد أخلاقية قوية، وذلك يشير الى الأهمية وصلاحية النفاذ لهذه الأفكار أو أنها ليست محض تجربة أن شئنا اعتنقناها، وإن شئنا تركناها، وإنما هي تحتل مساحات لا تنكر، ولا يمكن تجاهلها تدور مع فكرة بقاء واستقرار البشرية وجودا وعدما وتعطي هذه القضايا بعدا إنسانيا جديدا تجب مراعاته و العمل من خلاله، وأن وجود هذه النصوص الدستورية والقانونية يتعين أن نحسن استغلاله لسرجة وجودة تنفيذ هذه الأفكار و تهيئة المجتمعات لتبنيها و العمل من خلالها، حيث تتحد الجهود وتتوحد النتائج في إطار العدالة المناخية التي تعد بلا شك من أهم مداخل الحفاظ على حقوق الأجيال القادمة.





