وجهات نظر

مصطفى مكي السنباطى: الاقتصاد الأخضر ومحاربة البطالة والفقر وخلق فرص عمل

دكتوراة الاقتصاد الأخضر -كلية الدراسات الأسيوية العليا- جامعة الزقازيق

ما يحدث من التدهور للبيئة الطبيعية والتغيرات المناخية مع الرغبة فى الانتقال إلى اقتصاديات ذات مستويات كربونية منخفضة، فكل ما سبق له تأثير مباشر على العمالة، علاوة على التهديد بوجود مشاكل ومخاطر تؤثر على نوعية الحياة للأجيال الحالية والمستقبلية وعلى التنمية الاجتماعية وتوفير فرص العمل للجميع.

وهذا يأتي بتضافر الجهود من قبل الحكومات والمنظمات الدولية وأصحاب الأعمال ومنظمات المجتمع المدني لذلك يجب اتباع استراتيجيات تراعى البعد الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على حدِ سواء وهى تتمثل فى الوظائف الخضراء التى تقلص مستويات البطالة، وبالتالي تخفيض معدلات الفقر، وفى نفس الوقت يتم حماية النظم البيئية والحفاظ على الموارد وترشيد الاستهلاك للطاقة والمياه مع إرساء دعائم اقتصاديات خالية من الكربون مع تفادى إنتاج الأنواع المختلفة من النفايات.

وفى تأكيد لمنظمة العمل العربية، حيث أوضحت أن التحولات الجارية من الاقتصاديات التقليدية أو ما تسمى الصناعية إلى الاقتصاد الأخضر أصبح هام جداً وضروري، وذلك بسبب أن الإنتاجية قد تتراجع بنسبة 2.4 % خلال عام 2030 م ويكون تدهور البيئة والتغيرات المناخية هى المتسبب الوحيد فى ذلك.

فنجد أنه في ظل الكساد والأزمة المالية العالمية، وما نتج عنها من فقد للوظائف في أماكن كثيرة على مستوى العالم كانت هناك تقارير للأمم المتحدة و منظمة العمل الدولية تشير إلى أن عمليات تخضير الاقتصاد كمخرج من هذه الأزمة وخلق لفرص عمل خضراء وقد طبقت هذه السياسة كل من كوريا والصين، كما أن الاستثمارات في القطاعات الخضراء قد يخلق عدداً مماثلاً لمجموع الوظائف المتاحة حالياً، لأن الاستثمارات الخضراء تميل للتوظيف بكثافة نتيجة لتشعب الوظائف وظهور أنواع جديدة منها على سبيل المثال في الزراعة ظهور وظائف تخص الزراعة العضوية والحراجة وإعادة تدوير مياه الصرف الزراعي وكذلك الصرف الصحي … الخ، وفى مجال الصناعة الوظائف التى تخص إنتاج المنتجات الخضراء علاوة على ما يتم احتياجه من وظائف إعادة التدوير والفرز والجمع …الخ .

ومما سبق نجد أنه عند تبنى سياسات الاقتصاد الأخضر فان هذه السياسات تتيح التوسع فى خلق فرص العمل بل دخول فرص عمل جديدة فى سوق العمل وذلك نتيجة للأنشطة الجديدة التى لم تكن من قبل فى القطاعات المختلفة وعلى سبيل المثال:

فى قطاع الزراعة

الاقتصاد الأخضر يسعى دائما إلى خلق فرص متنوعة للتنمية الاقتصادية دون القيام بعمليات استنزاف للموارد الطبيعية , ويعتبر ما يحدث من تخضير لقطاع الزراعة والاهتمام بصغار الملاك من الآليات المهمة فى توفير فرص العمل فى هذا القطاع علاوة على أنه نوع من محاربة الفقر أيضا , واستخدام أساليب الزراعة المستدامة التى يدعمها الاقتصاد الأخضر يمكن أن تجعل قطاع الزراعة والذى يعتبر من أكبر القطاعات إنتاجا لغازات الاحتباس الحرارى يصل إلى مستوى التعادل وذلك بسبب التقليل من عمليات إزالة الغابات التى تساعد في إمتصاص غازات الاحتباس الحرارى , كما يدعم زيادة عمليات الاسثمارات فى الأصول الطبيعية التى يستخدمها الفقراء لإنتاج الدخل , وبهذا تجعل من الاقتصاد الأخضر وسيلة من أهم الوسائل فى تحسين مستوى المعيشة فى المناطق الفقيرة .

وفى ظل تخضير قطاع الزراعة ينتج عن ذلك تزايد الطلب على العمالة وبالتالي فإنها تعالج مشاكل البطالة الموسمية والتي ترتبط بقطاع الزراعة , وعلى معالجة أنوع أخرى من البطالة مثل البطالة الإجبارية .

فى قطاع الصناعة

يتم استحداث الوظائف الخضراء والتي تهدف إلى التخفيف من الأثر البيئي للقطاعات الاقتصادية المختلفة للوصول إلى مستويات قابلة للتحمل ومثال لهذه الوظائف إعادة التدوير للمخلفات والنفايات علاوة على المباني والتشييد وكل هذه الوظائف تسعى إلى التخفيف من حدة الانبعاثات والتخلص من جميع أنواع النفايات والملوثات مع محاولة إصلاح نظم البيئية علاوة على الاقتصاد فى استخدام الموارد. وتعمل هذه الوظائف على التالي :

  •  الحد من استخدامات الطاقة و المواد الخام
  •  تقليل معدل الانبعاثات للغازات الدفيئة
  •  الحد من إنتاج النفايات والملوثات
  •  حماية النظام الإيكولوجي
  •  تساعد المجتمع و المؤسسات على التأقلم مع التغيرات المناخية .

وبهذا نجد أن هذه الوظائف تتميز بأنها توفر حماية بيئية واجتماعية مع الحفاظ على حقوق العمال ومساهمتهم فى اتخاذ القرارات مما يؤدى إلى قيام مؤسسات اقتصادية مستدامة .

فى قطاع الطاقة

يمكن خلق العديد من الوظائف في هذا القطاع في ظل الاقتصاد الأخضر وخصوصاً عند استخدام الطاقات البديلة والمتمثلة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية والأنواع الأخرى مثل إنتاج الهيدروجين الأخضر, وما يتبعها من وظائف جديدة لخدمة هذه المشروعات ففي مجال تحسين الطاقة وحدها في المبانى يمكن لها أن تتيح ملايين الوظائف الجديدة في مجال الطاقة البديلة .

أساليب الاقتصاد الأخضر فى محاربة الفقر

أن الاستراتيجيات التى تخص الاقتصاد الأخضر يمكن لها أن تساعد فى عمليات النمو الأخضر مما يجعلها ذات مردود نفعى على البيئة عن طريق ما تم استحداثه من وظائف خضراء تلعب دوراً أساسياً فى تحديث لرأس المال الطبيعي والحفاظ عليه مما ينتج عنه التخفيف من حدة الفقر .

فنجد أن ثلاثة أرباع العالم يحصلون على دخل أقل من دولارين يوميا وتكون اعتماداتهم الرئيسية على البيئة فى تحصيل معيشتهم , ولكن التغيرات المناخية تلعب دوراً كبيراً فى تفاقم مستويات البطالة, والتي كان يتوقع أن يصل عدد الشباب العاطلين عن العمل فى العقد الثالث من هذا القرن إلى أكثر من مليار شخص كما يسبب الفقر عدم العدالة الاجتماعية والمتمثلة فى إضمحلال فرص التعليم والرعاية الصحية والدخل و حقوق الملكية .

والاقتصاد الأخضر يمتاز بالعديد من الخصائص حيث يعمل على توفير الفرص المتنوعة للتنمية الاقتصادية والتخلص من الفقر دون عمليات استهلاك الموارد الطبيعية، والتي تمثل السلع والخدمات الخاصة بالنظام الطبيعي من أهم والوسائل المعيشية فى المجتمع الريفي الفقير كما توفر الاستثمارات الخضراء فى العديد من القطاعات فرص عمل كثيرة ويأتي على رأسها قطاع الزراعة ومصايد الأسماك والغابات والنقل،أي أنه يقدم العديد من الخيارات المختلفة للتنمية الاقتصادية ومكافحة الفقر وتوفير فرص العمل .

لذلك اعتبر التخفيف من حدة الفقر قضية محورية للأهداف الإنمائية للألفية ومنها تم الاهتمام بالقطاع الريفي والزراعي لأن هذا القطاع محرك اقتصادي أساسي، حيث ينتج الغذاء والأعلاف والوقود والألياف وهى منتجات تقوم عليها أنشطة القطاعات الأخرى علاوة على أن هذا القطاع يوفر الغذاء للأسر الفقيرة الريفية ويساهم أيضا في الناتج المحلى الإجمالي ومصدر من مصادر الصادرات وقد استطاع قطاع الزراعة فى العقود الأخيرة أن ينقذ مئات الملايين من الفقراء حول العالم بسبب الإنتاج المتزايد للحاصلات الزراعية , وفى تجارب دول شرق آسيا حول زيادة الإنتاجية للأيد العاملة فى قطاع الزراعة أدى إلى التوسع فى استغلال الأيدي العاملة الفائضة فى قطاعات أخرى مما أثر على الحد من معدلات الفقر مع المساعدة فى توفير أمن غذائي وتخفيض التكلفة الإنتاجية للغذاء و تنشيط القطاع الزراعي وتدعيمه بروابط أمامية وخلفية مع القطاعات الأخرى.

ويوجد ارتباط وثيق بين إدارة الموارد بطريقة ناجحة وبين التخفيف لحدة الفقر , فنجد في البرازيل والهند وإندونيسيا أن القطاعات الخاصة بالموارد الطبيعية والمتمثلة فى الزراعة والغابات ومصائد الأسماك قد ساهمت بما يقدر بحوالي( 6% و 17 % و 11 % ) على التوالي من الناتج المحلى الإجمالي, علاوة على أنه عند القياس للجزء الكامل من المساهمات لخدمات النظام الإيكولوجي والتي تخص إجمالي الدخل للفقراء كان يمثل ( 90%و 75%و 47% ) على الترتيب من إجمالي حجم النشاطات الاقتصادية التى تخص الفقراء والتي تتمثل فى الأنشطة النقدية وغير النقدية فى تلك الدول، كما أن الاستثمار فى رأس المال الطبيعي يدعم النمو الاقتصادي ويستطيع معالجة مشاكل الفقر بشتى صوره سواء فى الدخل مع تقديم الرعاية الصحية وتوفير الغذاء.

وهناك إضافة أخرى للاقتصاد الأخضر يمكن تقديمها للفقراء وهى إمكانية حصولهم على طاقات نظيفة والتي لها أثر إيجابي عليهم فهي تعطى العديد من الفوائد ذات الأبعاد المتعددة وينتج عنها نتائج تتعلق بالدخل و العمليات التعليمية والصحية إضافة إلى رفاه المرأة, كما تعتبر أنظمة توليد الطاقة المتجددة والتي تعمل خارج نطاق شبكات التوزيع والتي تستخدم المواد المتجددة من الحلول الناجعة لإمداد المناطق الريفية بالطاقة وخصوصا فى الدول النامية والتي تلعب الدور الفعال فى الربط بين الأنشطة الاقتصادية مثال الزراعة وغيرها مما يدعم من عمليات التنمية ويحد من مستويات الفقر , كما يمكن للقيام بالاستثمارات فى تخضير قطاع الزراعة مع تحسين في الإنتاجية وأن تكون له آثار على مستوى الرفاهية حيث يعتمد ما يقارب من (2,6 ) مليار نسمة على الزراعة لتوفير الدخل ونجد أن غالبية هؤلاء الأشخاص يعيشون فى مزارع ريفية صغيرة وذلك على دخل أقل من دولار يومياً .

فإن عمليات التخضير للاقتصاد يعتبر من المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي والذي يترتب علية خلق لأنواع مختلفة من الوظائف الجديدة كما أنه يعد من الاستراتيجيات المهمة فى الحد من الفقر المستديم بما له من قدرة على توفير الفرص المختلفة للتنمية الاقتصادية والحد من موجات الفقر دون عمليات الاستهلاك للأصول الطبيعية للدولة ويظهر ذلك بوضوح فى البلدان ذات الدخل المنخفض وذلك لأن السلع والخدمات فى المجتمعات الفقيرة تعتبر بمثابة خط دفاع في مقابل الكوارث الطبيعية والصدمات الاقتصادية .

وبصفة عامة يوجد بعض الآليات للاقتصاد الأخضر للتخفيف من حدة الفقر كما يلي:

– يحافظ على النمو الاقتصادي, ويدعم عمليات توفير فرص العمل فى القطاعات الاقتصادية المختلفة وخاصة ما تخص الفقراء .

– توفير جزء كبير من الإيرادات العامة لاستثمارها فى شبكات الحماية الاجتماعية حتى يمكن الوصول إلى الطبقات الفقيرة .

 

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading