شحنة مرتقبة بقيمة تتجاوز 60 مليون دولار عبر مجمع إدكو.. واستغلال فوائض الشتاء لدعم العائدات الدولارية وتحفيز الشركاء الأجانب على زيادة الإنتاج
تستعد مصر لاستئناف تصدير الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الأوروبية بنهاية نوفمبر 2026، من خلال شحنة مرتقبة عبر مجمع إدكو للإسالة، في خطوة تعكس عودة تدريجية للصادرات بعد أشهر من توجيه معظم إمدادات الغاز لتلبية احتياجات السوق المحلية.
وقال مسؤول مطلع إن وزارة البترول والثروة المعدنية استأنفت خلال الأيام الماضية ضخ الغاز الطبيعي إلى مجمع إدكو، بعد الاتفاق مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» على الكميات المخصصة للتصدير وخطط تسويق الشحنة المرتقبة.
وأضاف المصدر أن الشحنة ستتجه إلى الأسواق الأوروبية، على أن تتولى إحدى الشركتين العالميتين «شل» أو «توتال إنرجيز» شراءها من خلال ذراعها التجارية، باعتبارهما من أبرز الشركاء والمتعاملين على إنتاج المجمع.
وتأتي هذه الخطوة في توقيت تسعى فيه مصر إلى تحقيق عائدات من تصدير الغاز المسال، مع استغلال التراجع الموسمي في الطلب المحلي خلال فصل الشتاء، دون التأثير في احتياجات محطات الكهرباء والقطاعات الصناعية.
60 مليون دولار قيمة شحنة الغاز المصرية المرتقبة
وأوضح المصدر أن حمولة الشحنة الواحدة تبلغ نحو 150 ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، وهي سعة معتادة لناقلات الغاز المسال الكبيرة، مشيرًا إلى أن قيمتها قد تتجاوز 60 مليون دولار، وفقًا للأسعار العالمية وقت التصدير.
وتعكس هذه القيمة الأهمية الاقتصادية للشحنات المصرية، خصوصًا في ظل ارتفاع الطلب الموسمي على الغاز الطبيعي المسال في الأسواق الأوروبية خلال فصل الشتاء، مع زيادة احتياجات التدفئة وتوليد الكهرباء.
لكن العائد المالي لا يعني بالضرورة دخول كامل قيمة الشحنة إلى الخزانة العامة، إذ تعود عوائد عمليات الإسالة والتصدير إلى الشركاء وفق حصصهم والترتيبات التجارية والتعاقدية المنظمة للعملية.
وتستفيد مصر من هذه الترتيبات في إطار الحوافز الممنوحة للشركات الأجنبية، والتي تستهدف تشجيعها على ضخ استثمارات جديدة في أنشطة البحث والاستكشاف وتنمية الحقول وزيادة الإنتاج المحلي، إلى جانب المساهمة في تسوية المستحقات المالية للشركاء.
مجمع إدكو.. بوابة مصر الرئيسية لتصدير الغاز المسال
يعد مجمع إدكو للإسالة أحد أهم أصول البنية التحتية لقطاع الغاز الطبيعي في مصر، ويقع على ساحل البحر المتوسط بمحافظة البحيرة، على مسافة تقارب 50 كيلومترًا شرق الإسكندرية.
وتضم ملكية المشروع شركاء دوليين ومحليين، من بينهم «شل» و«بتروناس» الماليزية و«توتال إنرجيز» الفرنسية، إلى جانب الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» والهيئة المصرية العامة للبترول.
ويتكون المجمع من وحدتين لإسالة الغاز الطبيعي، تبلغ الطاقة التصميمية لكل منهما 3.6 مليون طن سنويًا، بإجمالي قدرة تصل إلى 7.2 مليون طن سنويًا.
وبدأ المجمع تشغيل وحداته وتصدير أولى شحناته عام 2005، مستفيدًا من موقعه على البحر المتوسط وشبكة خطوط نقل الغاز التي تربطه بمصادر الإنتاج المحلية.
وتتيح هذه البنية التحتية لمصر تحويل الغاز الطبيعي إلى غاز مسال يمكن نقله عبر الناقلات البحرية إلى الأسواق العالمية، بما يوفر مرونة في توجيه الإمدادات إلى الأسواق التي تقدم أسعارًا وعوائد أفضل.
صادرات موسمية.. من شحنة أو اثنتين شهريًا إلى استئناف التصدير
وأشار المصدر إلى أن مصر صدرت خلال الموسم الشتوي الماضي ما بين شحنة وشحنتين شهريًا عبر مجمع إدكو، خلال الفترة الممتدة من أكتوبر إلى مارس، مستفيدة من تراجع الطلب المحلي على الغاز الطبيعي مقارنة بذروة الاستهلاك الصيفية.
وتعتمد هذه السياسة على استغلال الفترات التي ينخفض خلالها استهلاك الغاز في محطات الكهرباء، بما يسمح بتخصيص كميات محدودة للتصدير بعد تأمين احتياجات السوق المحلية.
وأضاف أن اتفاق وزارة البترول والثروة المعدنية مع الشركاء الأجانب يتيح تصدير شحنات من الغاز المسال خلال فترات انخفاض الطلب الموسمي، باعتبار ذلك أحد الحوافز التي تساعد الشركات على تحصيل مستحقاتها المالية وتشجعها على مواصلة الاستثمار في قطاع الغاز المصري.
وتكتسب هذه الآلية أهمية خاصة في ظل تراجع إنتاج عدد من الحقول المصرية خلال السنوات الماضية، وما ترتب عليه من اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك والاعتماد بصورة أكبر على واردات الغاز.
3.7 مليار قدم مكعبة إنتاج مصر.. والاستهلاك يقترب من 7 مليارات
تكشف بيانات الإنتاج والاستهلاك الواردة على لسان المصدر عن حجم التحدي الذي يواجه قطاع الغاز المصري.
فمصر تنتج حاليًا نحو 3.7 مليارات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يوميًا، في حين يقترب الاستهلاك من 7 مليارات قدم مكعبة يوميًا خلال نوفمبر الجاري، ويرتفع إلى ما بين 7.2 و7.4 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال ذروة فصل الصيف.
وتعني هذه الأرقام أن الإنتاج المحلي يغطي نحو 53% فقط من الاستهلاك عند مستوى طلب يبلغ 7 مليارات قدم مكعبة يوميًا، بينما يتعين توفير النسبة المتبقية من مصادر الإمداد الأخرى.
وتسد الحكومة جانبًا كبيرًا من الفجوة من خلال واردات الغاز المنقول عبر خطوط الأنابيب وشحنات الغاز الطبيعي المسال، التي تمثل نحو 47% من الاستهلاك الحالي وفق تقديرات المصدر.
وتُوجه الإمدادات المستوردة بصورة رئيسية إلى قطاعات الكهرباء والصناعة، بما يشمل صناعات الأسمدة والبتروكيماويات، التي تعتمد على الغاز الطبيعي باعتباره وقودًا ومادة خامًا في عمليات الإنتاج.
وتؤكد هذه الفجوة أن استئناف تصدير شحنة من إدكو لا يعني عودة مصر إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي أو امتلاك فائض مستدام من الغاز، وإنما يرتبط بتوقيتات انخفاض الطلب وتوافر كميات يمكن تخصيصها للتصدير دون الإخلال باحتياجات السوق المحلية.
لماذا تصدر مصر الغاز بينما تستورد كميات كبيرة؟
قد يبدو تصدير الغاز المسال في الوقت الذي تستورد فيه مصر جزءًا كبيرًا من احتياجاتها متناقضًا، لكن الأمر يرتبط بطبيعة سوق الغاز وتوقيتات الطلب وترتيبات الشراكة مع الشركات الأجنبية.
فخلال فصل الصيف، يرتفع استهلاك الغاز بصورة كبيرة نتيجة زيادة الطلب على الكهرباء وتشغيل محطات التوليد، ما يدفع الحكومة إلى توجيه الجزء الأكبر من الإمدادات المحلية والمستوردة إلى السوق المصرية.
أما خلال الشتاء، فيتراجع الطلب على الغاز المستخدم في توليد الكهرباء مقارنة بأشهر الصيف، وهو ما قد يتيح ظهور كميات محدودة قابلة للتصدير، وفقًا لمستويات الإنتاج الفعلية والاحتياجات المحلية.
وتستفيد الحكومة من هذه الفرصة في تحقيق عائدات تصديرية، وفي الوقت نفسه تتيح للشركاء الأجانب الاستفادة من حصصهم وترتيباتهم التجارية، بما يعزز قدرتهم على استرداد مستحقاتهم ويشجعهم على مواصلة الاستثمار.
لكن تحقيق هذه المعادلة يظل مرهونًا بتوافر فائض حقيقي، وعدم اضطرار مصر إلى شراء كميات إضافية من الغاز المستورد لإعادة تصديرها، بما قد يحول العائد التصديري إلى عبء مالي إذا كانت تكلفة الاستيراد أعلى من سعر البيع.
عودة الإنتاج المحلي.. رهان مصر على عام 2027
تستهدف الحكومة المصرية استعادة إنتاج الغاز الطبيعي لمستويات أعلى خلال عام 2027، من خلال تطوير الحقول القائمة وتسريع برامج البحث والاستكشاف والتنمية، وربط الاكتشافات الجديدة بخريطة الإنتاج.
وتعمل وزارة البترول على تنويع مصادر إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء والقطاعات الصناعية، بالتوازي مع تحفيز الشركات الأجنبية على زيادة استثماراتها في الحقول المصرية.
ويظل رفع الإنتاج المحلي أحد أهم العوامل التي يمكن أن تساعد مصر على تقليص فاتورة واردات الغاز، وتوفير كميات أكبر للتصدير، وتعزيز قدرة قطاع الطاقة على توفير العملة الأجنبية.
لكن استعادة مستويات الإنتاج السابقة لن تتحقق بمجرد إعلان أهداف أو تنفيذ عمليات حفر جديدة، إذ ترتبط النتائج بمعدلات نجاح الاستكشافات، وسرعة تنمية الاكتشافات، وحجم الاستثمارات، وقدرة الحقول القائمة على تعويض التراجع الطبيعي في إنتاجها.
هل تعود مصر إلى تصدير الغاز بصورة منتظمة؟
تمثل الشحنة المرتقبة عبر مجمع إدكو خطوة إيجابية لقطاع الغاز المصري، لكنها لا تكفي وحدها للحديث عن عودة الصادرات إلى مستوياتها السابقة أو تحول مصر مجددًا إلى مصدر صافٍ للغاز الطبيعي.
فالقدرة التصميمية لمجمع إدكو البالغة 7.2 مليون طن سنويًا تعبر عن الطاقة التي يمكن للمنشأة التعامل معها، لكنها لا تعني أن هذه الطاقة متاحة بالكامل للتشغيل والتصدير في الوقت الحالي، إذ يتوقف ذلك على حجم الغاز المتاح ومصادر الإمداد والطلب المحلي.
وإذا نجحت الحكومة في زيادة الإنتاج خلال عام 2027، بالتزامن مع استمرار تراجع الطلب الموسمي خلال الشتاء، فقد تتاح فرص أكبر لتصدير شحنات إضافية وتحقيق عائدات دولارية.
أما إذا ظلت فجوة الإنتاج والاستهلاك عند مستوياتها الحالية، فستبقى الصادرات مرتبطة بفترات محدودة من انخفاض الطلب، مع استمرار الاعتماد على الواردات لتأمين احتياجات الكهرباء والصناعة.
وبذلك، لا تكمن أهمية شحنة إدكو المرتقبة في قيمتها المالية وحدها، بل في كونها اختبارًا لقدرة مصر على إدارة موارد الغاز المتاحة، وتحقيق التوازن بين أمن الطاقة المحلي، والتزامات الشركاء الأجانب، والحاجة إلى تدفقات نقد أجنبي من التصدير.





