مشاركة قياسية لأكثر من 300 لوبي زراعي في مفاوضات المناخ cop 30
لوبيات الزراعة الصناعية تتفوق على وفود دول كبرى.. الشركات المتسببة في ثلث الانبعاثات تتصدر
كشف تحقيق استقصائي جديد عن اتساع نفوذ لوبيات الزراعة الصناعية داخل مؤتمر المناخ “كوب30” المنعقد هذا العام في قلب غابة الأمازون بمدينة بيلم البرازيلية، حيث يجتمع أكثر من 56 ألف مشارك لبحث مستقبل الكوكب في ظل أزمة مناخية تتسارع بوتيرة غير مسبوقة.
ويؤكد التحقيق، الذي أجرته منصتا دي سموج والجارديان، أنّ أكثر من 300 ممثل عن كبرى الشركات الزراعية العالمية انخرطوا في أعمال المؤتمر، وهو رقم يفوق حجم وفود العديد من الدول، بما فيها كندا التي شاركت بـ220 مفاوضًا.
ويمثل هذا الرقم، الذي ارتفع بنسبة 14% مقارنة بقمة باكو في العام الماضي، مؤشرًا واضحًا على اتساع حضور الشركات الزراعية التي ترتبط أنشطتها مباشرة بالانبعاثات وقطع الغابات وتدهور النظم البيئية.
ويشارك 77 من هؤلاء الممثلين ضمن وفود رسمية للدول، بينما يتمتع ستة منهم بإمكانية الوصول المباشر إلى قاعات التفاوض المغلقة، حيث تُحدد السياسات المناخية المستقبلية.
الأمازون.. قلب الأزمة ومسرح النفوذ
تعد الزراعة الصناعية، وخاصة تربية الماشية وإنتاج فول الصويا والأعلاف، العامل الأكبر في إزالة الغابات بالأمازون.
وتمتد آثار هذا النهج الزراعي إلى دورة المياه الإقليمية، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد موجات الجفاف، وهو ما يهدد بتحويل ما يصل إلى نصف الغابة إلى نظام بيئي متدهور بحلول منتصف القرن، وفقًا لتقديرات علمية حديثة.
وفي هذا السياق، انتقدت فاندريا بوراري، إحدى قيادات سكان الأمازون الأصليين، النفوذ المتزايد للوبيات الزراعة، قائلة: “مساحة الشعوب الأصلية تُسلب لصالح الشركات، يتحدثون عن التنمية الخضراء بينما يلوّثون نهر الأمازون ويحوّلون مجراه لخدمة تجارتهم. ما يحدث ليس تقدّمًا، بل اعتداء على الأرض والإنسان”.
ويشير هذا التصريح إلى فجوة كبيرة بين الرؤية الرسمية للمؤتمر، الذي يُفترض أن يركز على حماية الغابات، وبين طبيعة المشاركين الذين تُتهم شركاتهم بالتسبب في الجزء الأكبر من الدمار البيئي.

قطاع غذائي يهيمن على أكبر قمة للمناخ
أرسلت شركات اللحوم والألبان وحدها 72 ممثلًا، وهو رقم يقارب ضعف الوفد الرسمي لجامايكا التي دمرها الإعصار “ميليسا” الشهر الماضي—إعصار وصفه العلماء بأنه مثال صريح على الأحداث المتطرفة التي يغذيها الاحترار العالمي.
وتكشف بيانات أصدقاء الأرض – الولايات المتحدة أن الانبعاثات الصادرة عن أكبر 45 شركة لحوم وألبان تعادل الانبعاثات السنوية للسعودية، أكبر دولة مصدّرة للنفط.
وتعد شركة JBS البرازيلية، أكبر شركة لحوم في العالم، نموذجًا صارخًا لهذه المفارقة، إذ تملك 8 ممثلين في المؤتمر، بينهم رئيسها التنفيذي، بينما تتهمها تقارير دولية بالضلوع في ممارسات ترتبط بإزالة الغابات والانبعاثات الضخمة.
أما قطاع الكيماويات الزراعية، الذي يشمل شركات إنتاج المبيدات والأسمدة الاصطناعية، فقد حضر بـ60 ممثلًا.
وعلى رأس هؤلاء شركة باير الألمانية التي أرسلت 19 ممثلًا، في حين حضر عن نستله 9 مشاركين يروجون لبرامج “الاستدامة الغذائية” التي ما زال العلماء يشككون في أثرها الحقيقي على البيئة.

وقود حيوي ليس أخضر كما يبدو
يشهد الوقود الحيوي حضورًا متزايدًا في مفاوضات بيلم، مع إرسال 38 ممثلًا، بزيادة هائلة بلغت 138% عن العام الماضي.
وتدعم الحكومة البرازيلية خطة لمضاعفة استخدام الوقود الحيوي أربع مرات خلال السنوات المقبلة، رغم تحذيرات علمية تشير إلى أن إنتاج بعض أنواعه—وخاصة تلك المعتمدة على الذرة وفول الصويا—قد يسبب انبعاثات أعلى بنسبة 16% من الوقود الأحفوري نفسه، بسبب خسارة الغطاء النباتي وتآكل التربة واستخدام الأسمدة.
تمويل المناخ.. سباق جديد للاستحواذ
لا يقتصر نفوذ الشركات الزراعية على ملفات الانبعاثات فقط، بل يمتد إلى ملف تمويل المناخ، وهو أحد أهم محاور كوب30. فمعظم هذه الشركات تحصل بالفعل على دعم حكومي ضخم في العديد من الدول، وتسعى الآن لضمان نصيب أكبر من التمويل المناخي المخصص للدول النامية والمجتمعات المتضررة.
وحذر خبراء اقتصاد وسياسات بيئية من أن تدفق التمويل إلى الشركات المتسببة في الأزمة قد يعني عمليًا حرمان المجتمعات الريفية والسكان الأصليين من الموارد الضرورية لحماية أراضيهم.
“مؤتمر مناخ أم مفاوضات رهائن؟”
يصف الباحث والكاتب العالمي راج باتل الوضع في كوب30 بقوله: “ما نشهده ليس مؤتمرًا للمناخ، بل مفاوضات رهائن يقودها أصحاب النفوذ الحقيقيون. يجلس الملوثون الذين يمسكون بمفاتيح التفجير على الطاولة كوسطاء نزيهين”.
ويعكس هذا الوصف حالة الإحباط المتزايدة داخل المجتمع المدني والمنظمات البيئية التي ترى أن نفوذ الشركات يفرغ مؤتمرات المناخ من مضمونها، خاصة بعدما فشلت القمم السابقة في تقرير إجراءات ملزمة لخفض الانبعاثات.

سياق أوسع لنفوذ الزراعة الصناعية
تشير بيانات اتحاد العلماء المهتمين إلى أن شركات الزراعة الأمريكية وحدها أنفقت أكثر من نصف مليار دولار للتأثير على التشريعات بين عامي 2019 و2023. كما لعبت الكونفدرالية الوطنية للزراعة في البرازيل (CNA) دورًا محوريًا في تمرير قوانين وصفت بأنها تقيّد حقوق السكان الأصليين وتضعف الرقابة على إزالة الغابات.
ورغم هذا النفوذ، تكتفي شركات مثل باير بإعلانات عمومية عن “الشفافية”، بينما تروّج شركة JBS لخططها في “رفع كفاءة الإنتاج وتقليل الهدر”، دون تقديم التزامات حقيقية لخفض الانبعاثات أو وقف التورط في إزالة الغابات.
ولم تصدر أي ردود رسمية من رئاسة كوب30 أو الأمانة العامة للاتفاقية الإطارية للمناخ بشأن وجود هذا العدد الضخم من جماعات الضغط داخل المؤتمر.

خلاصة المشهد
يرى مراقبون أن اتساع حضور لوبيات الزراعة الصناعية داخل القمة التي تُعقد في منطقة تُعد الأكثر حساسية مناخيًا على الكوكب، يعكس تناقضًا صارخًا بين أهداف حماية الأمازون، وبين مصالح الشركات التي تُتهم بإلحاق أكبر ضرر بها.
وبينما تتصاعد المطالب بضرورة وضع قواعد صارمة تحد من نفوذ هذه الشركات، يواصل ممثلوها المشاركة بعمق في المفاوضات التي ستحدد مستقبل الغابات والغذاء والمناخ خلال العقود المقبلة.






I really appreciate content like this—it’s clear, informative, and actually helpful. Definitely worth reading!