مدن المستقبل بين أحلام الشباب وأعباء التغير المناخي
التخطيط الحضري المستدام.. ضرورة لإنقاذ المدن من أعباء الفقر والتلوث والمناخ
يمثل التوسع الحضري أحد أبرز التحولات التي أعادت تشكيل البيئة المبنية خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين، إذ يحمل في طياته إمكانات كبيرة لتعزيز التنمية المستدامة عبر توفير فرص اقتصادية واجتماعية جديدة.
غير أن غياب التخطيط العمراني السليم قد يحوّل هذه الفرص إلى تحديات خطيرة، تتمثل في تفاقم الفقر، وتدهور البيئة، وتصاعد الاضطرابات الاجتماعية.
يوجد حاليًا نحو 2000 منطقة متروبولية تضم مدينة رئيسة وضواحٍ محيطة، يعيش فيها ثلث سكان العالم.
ومن المتوقع بحلول عام 2035 أن يعيش غالبية سكان العالم في مثل هذه المناطق.

وتُعد العشوائيات من أبرز العوائق أمام التنمية المستدامة؛ لما تسببه من ندرة في الخدمات الأساسية وضعف في التوثيق الإحصائي للسكان، وهو ما يؤدي إلى تفاقم التلوث والازدحام وانعدام الأمن الحضري.
هذه التحديات تؤكد الحاجة الملحّة إلى نماذج تخطيطية جديدة لتحسين جودة الحياة في المدن الحالية وتوجيه النمو المستقبلي نحو الاستدامة.
اليوم، يعيش أكثر من نصف سكان العالم في المدن، ويواجه نحو ثلاثة مليارات شخص صعوبة في الحصول على سكن مناسب، فيما يعيش أكثر من مليار في أحياء فقيرة تفتقر إلى الخدمات الأساسية.
وتُشكّل القدرة على تحمّل تكاليف السكن أزمة عالمية تمسّ ما بين 1.6 و3 مليارات شخص. وفي عام 2023، بلغ متوسط عبء تكلفة السكن 31% من دخل الأسرة عالميًا.
ورغم أن المدن تُسهم بأكثر من 80% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتساعد الملايين على الخروج من الفقر، فإنها تواجه تحديات متزايدة، من بينها: اتساع فجوة الدخل، وتدهور البنية التحتية، وارتفاع معدلات التلوث، ما يعوق قدرتها على تلبية احتياجات سكانها.

ويزيد تغير المناخ من تعقيد هذه التحديات. فبحلول 2030، قد يكلف المدن نحو 314 مليار دولار سنويًا ويدفع 77 مليون شخص إلى الفقر.
ورغم أن المدن في الدول منخفضة الدخل لم تسهم سوى بـ14% من انبعاثات الكربون عام 2015، فإنها تواجه معضلة الجمع بين النمو الاقتصادي والاجتماعي وتجنب الانبعاثات العالية.
من هنا، يبرز التخطيط الحضري المستدام كحل ضروري، إذ يركز على تعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتطوير بنية تحتية مرنة، وضمان وصول الجميع إلى السكن والنقل والمياه والطاقة، مع الحد من الأثر البيئي.
وتشمل استراتيجياته: الطاقة المتجددة، البنية التحتية الخضراء، التنمية الموجهة نحو النقل العام، والنمو الذكي.
هذه الاستراتيجيات لا تساهم فقط في خفض الانبعاثات وتحسين جودة الهواء، بل تخلق أيضًا فرص عمل خضراء وتدعم الاقتصاد المحلي، مما يجعلها ضرورة لتحقيق مدن عادلة ومستدامة وقادرة على الصمود.

اليوم يعيش أكثر من 4 مليارات شخص في المدن، ومن المتوقع أن يرتفع العدد إلى 70% من سكان العالم بحلول 2050.
وبينما تستمر الهجرة نحو المدن بحثًا عن حياة أفضل، تتسارع الجهود العالمية لوضع خطط تنموية مستدامة.
فقد أقرّ مؤتمر الموئل الثالث عام 2016 جدول الأعمال الحضري الجديد، الذي أصبح مرجعًا عالميًا للتنمية المستدامة للمدن.
ويعمل البنك الدولي بالتعاون مع الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني على دعم الهدف 11 من أهداف التنمية المستدامة، لبناء مدن شاملة وآمنة ومرنة وصديقة للبيئة، بما يضمن اقتصادًا تنافسيًا يخلق وظائف جديدة خاصة للفقراء.





