ملفات خاصةأخبارتغير المناخ

مئات الملايين قد يعيشون قرب مستوى البحر أكثر مما نعتقد.. تقديرات ارتفاع البحار أقل من الواقع

العلماء يحذرون: تقديرات ارتفاع البحار أقل من الواقع في كثير من المناطق

تشير دراسة علمية حديثة إلى أن مستويات البحار في العديد من مناطق العالم قد تكون أعلى مما تظهره الخرائط الساحلية المستخدمة حاليًا لتقييم المخاطر.

ففي معظم خرائط مخاطر السواحل حول العالم، يبدأ الحساب من افتراض بسيط مفاده أن مستوى سطح البحر يساوي «الصفر». غير أن أبحاثًا جديدة تشير إلى أن هذا الافتراض الأساسي قد يكون غير دقيق في كثير من الحالات.

وقام علماء بتحليل مئات الدراسات المتعلقة بالمخاطر الساحلية، ليكتشفوا أن العديد من الخرائط تقلل من تقدير الارتفاع الحقيقي لمستوى المياه على طول السواحل. وفي كثير من المواقع، كان مستوى المياه المستخدم في إعداد تلك الخرائط أقل من المستوى الفعلي.

ويعني هذا الخطأ غير المرئي أن مساحات أكبر من الأراضي، إضافة إلى ملايين البشر، قد تكون بالفعل أقرب إلى مستوى سطح البحر الحالي مما كان يُعتقد على نطاق واسع.

وقد نُشرت هذه الدراسة في مجلة Nature العلمية.

تقييم توثيق بيانات مستوى سطح البحر وارتفاع السواحل واستخدامها ومواءمتها بشكل صحيح

نقطة البداية الخاطئة لمستوى البحر

شملت المراجعة العلمية 385 دراسة منشورة حول تقييم المخاطر الساحلية. وأظهرت النتائج أن معظم هذه الدراسات اعتمدت على مرجع عالمي مفترض لمستوى سطح البحر، بدلاً من استخدام قياسات فعلية للمياه على المستوى المحلي.

وتبين أن مستوى المياه الساحلية المقاس فعليًا كان أعلى باستمرار من ذلك المستوى المرجعي المفترض، ما يعني أن كثيرًا من التقييمات بدأت من نقطة انطلاق أقل من الواقع.

ويؤثر هذا الخطأ في كيفية تقدير العلماء للمناطق والسكان الأكثر عرضة لخطر ارتفاع مستوى البحر.

فجوات في رسم خرائط السواحل

خارج أوروبا ومعظم السواحل المطلة على المحيط الأطلسي، اتسعت الفجوة بين مستوى البحر المفترض والمقاس بسرعة ملحوظة.

ففي جنوب شرق آسيا والعديد من جزر المحيط الهادئ، أظهرت التصحيحات أن ارتفاعات الأراضي الساحلية أقل بنحو متر واحد تقريبًا مقارنة بما كانت تشير إليه الخرائط القديمة.

أما في شرق أميركا الشمالية وغرب أوروبا، فقد كان التوافق بين القياسات الفعلية والتقديرات السابقة أكبر نسبيًا، ويرجع ذلك إلى كثافة شبكات القياس وتوافر سجلات رصد طويلة في تلك المناطق.

ويعكس هذا التفاوت مشكلة أساسية في البيانات، إذ تعمل نماذج الجيود (السطح المرجعي للجاذبية) بكفاءة أكبر في المناطق التي تتوافر فيها قياسات جاذبية كثيفة. وقد وفرت السواحل الغنية في أميركا الشمالية وأوروبا هذه القياسات لعقود طويلة.

في المقابل، تعتمد مناطق واسعة من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وجزر المحيط الهادئ على بيانات أقل دقة، رغم أن كثيرًا منها يضم تجمعات سكانية كبيرة تعيش بالقرب من السواحل.

ونتيجة لذلك، تتركز أكبر «النقاط العمياء» العلمية في المناطق الساحلية الأكثر ازدحامًا بالسكان والأقل قدرة على تحمل المخاطر.

الفرق في عدد السكان الذين انخفضوا عن مستوى سطح البحر بعد ارتفاع مستوى سطح البحر

كيف تنتشر أخطاء تقدير مستوى البحر؟

يبدأ جزء كبير من المشكلة من الطريقة التي يمثل بها العلماء سطح المحيط. إذ تعتمد العديد من الدراسات الساحلية على سطح مرجعي عالمي ناعم يُعرف باسم «الجيود».

ويمثل هذا السطح تقديرًا لمستوى البحر اعتمادًا على الجاذبية الأرضية، إلا أن الواقع الساحلي أكثر تعقيدًا. فالتيارات البحرية والرياح والمد والجزر ودرجة الحرارة وملوحة المياه تؤثر جميعها في مستويات المياه المحلية.

وعندما تتجاهل الخرائط هذه العوامل، فإنها تعتمد نقطة «صفر» عالمية لا تعكس الواقع الطبيعي بدقة.

ومع مرور الوقت، انتقل هذا الافتراض المبسط إلى دراسات لاحقة، إذ لم توضح العديد من الأبحاث مستوى البحر المرجعي الذي اعتمدت عليه، ما سمح بانتشار الخطأ في الأدبيات العلمية.

وبحسب التحليل، فإن أكثر من 99% من الدراسات التي تمت مراجعتها تعاملت بشكل غير دقيق مع بيانات مستوى البحر وارتفاعات اليابسة.

كما أن نحو 90% من هذه الدراسات لم تستخدم قياسات فعلية لمستوى البحر، بينما لم تتجاوز نسبة الدراسات التي طابقت ارتفاعات اليابسة مع مستوى البحر الحقيقي 1% فقط.

الفرق في عدد السكان الذين انخفضوا عن مستوى سطح البحر بعد ارتفاع مستوى سطح البحر

ارتفاع حاد في تقدير التعرض للخطر

عند تصحيح نقطة البداية لمستوى البحر، تغيرت الصورة العالمية لمخاطر السواحل بشكل كبير.

فبعد مواءمة ارتفاعات اليابسة مع مستويات البحر المقاسة فعليًا، وإضافة ارتفاع متوقع يبلغ نحو متر واحد بحلول نهاية القرن، زادت مساحة الأراضي الواقعة تحت مستوى البحر بنسبة تتراوح بين 31% و37%.

أما عدد السكان المعرضين للخطر فارتفع بوتيرة أسرع، إذ قد يعيش ما بين 77 مليونًا و132 مليون شخص تحت مستوى سطح البحر وفق هذه التقديرات المصححة، بزيادة تتراوح بين 48% و68%.

ولا تعني هذه الأرقام تحديد الشوارع أو المناطق التي ستغمرها المياه أولًا، لكنها تعيد ضبط تقدير حجم الأراضي التي تقع بالفعل بالقرب من مستوى الخطر.

الفرق في عدد السكان الذين انخفضوا عن مستوى سطح البحر بعد ارتفاع مستوى سطح البحر

دلائل سابقة من دلتا ميكونج

ظهرت مؤشرات على هذا الخلل في وقت سابق من خلال دراسة أجريت عام 2019 في دلتا نهر ميكونغ، حيث أظهرت النتائج أن متوسط ارتفاع الدلتا يبلغ نحو 0.8 متر فقط فوق مستوى البحر، مقارنة بنحو 2.6 متر كانت تشير إليها الخرائط السابقة.

وما كان يُعتقد أنه حالة استثنائية محلية قد يكون في الواقع مؤشرًا لمشكلة أوسع تشمل العديد من دلتا الأنهار حول العالم.

ما الذي قد يغفله المخططون؟

بالنسبة لمسؤولي المدن والمهندسين وشركات التأمين، تعني هذه النتائج أن نقطة البداية للتخطيط الساحلي قد تكون مختلفة عما كان يُعتقد.

فالجدران البحرية ومسارات الإخلاء والبنية التحتية وخطط التكيف مع تغير المناخ غالبًا ما تعتمد على خرائط مخاطر مستمدة من الدراسات السابقة.

وإذا كانت تلك الخرائط قد بدأت من مستوى بحر أقل من الواقع، فقد يكون لدى بعض المجتمعات الساحلية وقت أقل للاستعداد لمخاطر الفيضانات وارتفاع المياه.

كما أن بعض الدراسات التي جرى تحليلها ساهمت في تقارير تقييم مناخية كبرى، ما يعني أن هذا الخطأ قد يؤثر أيضًا في النقاشات والسياسات المناخية.

وتشير التقديرات العالمية إلى أن مستوى البحر قد يرتفع بحلول عام 2100 بما يتراوح بين نحو 28 سنتيمترًا ومتر واحد تقريبًا.

لكن إذا كان مستوى البحر الحالي أعلى بالفعل في العديد من المناطق، فإن ذلك يقلص الفترة المتاحة للتكيف مع هذه التغيرات.

ارتفاع مستوى سطح البحر يهدد المدن الساحلية
ارتفاع مستوى سطح البحر يهدد المدن الساحلية

قاعدة بيانات جديدة لرسم خرائط مستوى البحر

لتجنب استمرار هذا الخلل، نشر الباحثون مجموعة بيانات مصححة لارتفاعات السواحل تجمع بين ارتفاع اليابسة ومستوى سطح البحر المقاس فعليًا.

ويمكن لهذه البيانات أن تساعد الدراسات المستقبلية على بناء خرائط مخاطر أكثر دقة، انطلاقًا من أساس مرجعي موحد بدلاً من الافتراضات المبسطة.

كما دعا الباحثون إلى وضع معايير أوضح في الأبحاث العلمية، إذ إن العديد من الدراسات السابقة لم توضح بدقة مستوى البحر المرجعي المستخدم، ما جعل المقارنة بين النتائج صعبة وكشف الأخطاء أكثر تعقيدًا.

ورغم أن مخاطر ارتفاع مستوى البحر ليست جديدة، فإن هذا التحليل يوضح أن كثيرًا من الخرائط العالمية ربما بدأت من مستوى بحر أقل من الواقع.

ارتفاع مستوى سطح البحر يهدد المدن الساحلية
ارتفاع مستوى سطح البحر يهدد المدن الساحلية

ولهذا يرى الباحثون أن إعادة تقييم الدراسات القديمة، خاصة في الدلتا المكتظة بالسكان والدول الجزرية المنخفضة، قد تكون ضرورية لفهم الحجم الحقيقي للمخاطر الساحلية في المستقبل.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading