لأول مرة في البيئة المصرية.. ظهور حشرات قد تسبب أمراض جديدة.. الحشرات تتنبأ بكوارث التغيرات المناخية
النحل والفراشات والخنافس والبعوض حشرات تهدد البيئة الزراعية بكارثة اقتصادية كبيرة
كتب محمد عبد السلام
الحشرات تلعب دورًا حيويًا ومهمًا في حفظ التوازن البيئي، إذ تقوم بتدوير العناصر الغذائية وتوزيع البذور ونقل حبوب اللقاح، ما يساعد في تلقيح النباتات، وهناك حشرات التربة التي تحفظ بنيتها، وتُعزز خصوبتها وتتحكم في أعداد الكائنات الحية الأخرى، لكن ماذا إذا تعرضت مجتمعات الحشرات لفوضى تُخل بالتوازن البيئي؟
ماذا لو تعرضت للانقراض، أو لتغير خريطة تواجدها من بيئة لأخري؟، بالتأكيد يومها سنعيش البداية الحقيقية لنهاية كوكب الأرض بالشكل الذي نعرفه اليوم.
مؤخرًا اكتشف علماء الحشرات تغيرًا ملموسًا لسلوك وطبيعة الحشرات، بعضها بدأ يقل في الأعداد والتكاثر، وبعضها هاجر إلي بيئات أخري بلا رجعة، والبعض الثالث اختفي أو تعرض للانقراض، والبعض الرابع وهو الأخطر ظهر لأول مرة في البيئة المصرية، وهو الأخطر لان البيئة المصرية وسكانها بيئة مجهولة بالنسبة لتلك النوعية من الحشرات، وبالتالي ستسبب أمراض او تنقل أمراض لم تكن موجودة، وهو ما سيؤدي بالطبع إلي خسائر اقتصادية فادحة.
ارتباك البيئة الطبيعية والزراعية
كل التقارير الدولية والعلمية تؤكد أن اختفاء حشرات مثل النحل والفراشات والسرعوف والصرصور والخنفساء والذباب، وغيرها من الحشرات بسبب التغيرات المناخية، سيؤثر ذلك علي البيئة الطبيعية والزراعية في العالم أجمع، فاﻟﺤﺸﺮات تلعب دوراً ﺣﻴﻮﻳﺎً ﻓﻲ اﻟﺒﻴﺌﺔ الطبيعية واﻟﺰراﻋﻴﺔ، خاصة وأنها تساعد في عملية تلقيح النباتات، فهي المسئولة بنسبة كبيرة تصل حوالي 80% من تلقيح الأشجار والنباتات الموجودة في أنحاء الأرض، وهناك بالفعل 150 نوع من النباتات يعتمد اعتماد كلي على الحشرات، والتي تساعدها على النمو والانتشار من دون حاجة لوجود الرياح، فيقوم النحل والنمل وبعض الفراشات بدورهم في نشر البذور.
وتقوم الحشرات أيضًا بدور رئيسي وفعال في عملية تحلل المواد الحيوانية والنباتية، وهو من الأمور الرئيسية لتوفير العناصر الغذائية اللازمة للزراعة، كما تقوم عملية التحلل بإزالة الكائنات الحية التي تتسبب في الأمراض، ومن أهم هذه الحشرات الخنافس، والتي تقوم بإزالة الروث، بالإضافة إلي حشرة النمل الأبيض التي تساعد علي إزالة روث الحيوانات ومن ثم تقوم بتحليلها، والذي بدورة يوفر تنظيفًا أمنا للتربة وحمياتها من التلوث عن طريق إزالة الفضلات والكائنات الضئيلة النافقة.

التنبؤ بالكوارث
“لا شك أن الحشرات بمختلف أنواعها يمكنها أن تساعد في التنبؤ بالكوارث التي قد بتعرض لها الانسان نتيجة التغيرات المناخية، بل أنها قد تكون هي احدي العوامل المساعدة في صناعة تلك الكوارث”.. عبارة قد تكون صادمة وردت في أحد أهم الأوراق البحثية للعالم الكندي “جاك رينيير”، المتخصص في ديناميكيات تجمعات الحشرات في مركز الغابات في جامعة لورينتيان بمدينة “كيبيك” الكندية، والتي جاءت تحت عنوان “التنبؤ بالتوزيعات القارية للحشرات من خلال فسيولوجيا الأنواع”.
“جاك رينيير” أثبت خلال ورقته البحثية، أنه من خلال حركة توزيع تجمعات الحشرات حول قارات العالم وبلدانه، سيكون لدي العلماء القدرة علي التنبؤ علي معدلات التغير المناخي في اي اقليم من الاقاليم، وأن الاستجابات التنموية لمختلف أنواع الحشرات للعوامل المناخية الرئيسية، وخاصة ارتفاع درجات الحرارة لأي سبب من الأسباب، ستجعلنا نتوقع طبيعة المناخ في تلك الاقاليم، حتي لو لم تتواجد في بيئته تلك النوعية من الحشرات، فقد أصبح لدي العلماء الكثير من الأدلة العلمية التي تؤكد أن توزيع الحشرات جغرافيا يتغير بطرق غير مسبوقة طبقا للتغيرات المناخية.

مرحلة خطيرة
الحقيقة أن الورقة البحثية للعالم الكندي “جاك رينيير”، خطيرة جدًا، حتي أن البعض وصفها بأنها مرحلة جديدة أكثر تطورًا من مراحل الانقراض السادس، لان النتيجة المباشرة لها تؤكد علي وجود تأثيرات كبير علي تغير المناخ على أنواع حشرات الغابات، ومختلف الحشرات بوجه عام، وأنها ستمكن العلماء من القدرة علي التنبؤ بتوزيعاتها بناءً على استجاباتها الفسيولوجية المعروفة لعوامل مناخية محددة.
لكن السؤال الأهم، لماذا الحشرات تحديدًا دونًا عن بقية الكائنات الأخرى؟، فالحشرات تشكل الشكل الأكثر تنوعًا للحياة الحيوانية في النظام البيئي لكوكب الأرض، وأغلب أنواعها هي مكونات غير ضارة، بل وأساسية للنظام البيئي وللطبيعية بشكل عام، ولأنها من ذوات الدم البارد، فإن معدلات العمليات الفسيولوجية الرئيسية في دورة حياة كل منها تحددها الظروف البيئية التي تعيش فيها، وتُعد درجات الحرارة ومعدلات هطول الأمطار أهم تلك الظروف البيئة، ما يعني أن اي تغيرات مناخية ستؤثر عليها بشكل مباشر، خاصة وأن الحشرات تعيش دورة حياة صغيرة جدًا، ولديها درجة خصوبة مرتفعة، ومساحات كبيرة للحركة.

وجود حياة بيئة جديدة
الكثير من الحشرات حساسة للظواهر الجوية القاسية، كالجفاف، موجات الحر، نوبات البرد، ونتيجة للتغيرات المناخية أغلب تلك الحشرات تتأثر وتؤثر علي البيئة المحيطة”.. هكذا علقت الدكتورة نهاد البرقي الأستاذ بقسم علم الحشرات بكلية العلوم بجامعة بنها في مصر، والتي أجرت عدد من الدراسات عن الوراثة الخلوية لبعض أنواع البعوض في مصر، وأوضحت أن التقلبات المناخية وحالة الإحترار التي يشهدها العالم ساهم بشكل كبير في زيادة أنواع من البعوض واختفاء أنواع أخري، وأن تلك الحالة المضطربة ساهمت في وجود حياة بيئة جديدة لم يعتاد عليها السكان الذين تعرضوا لذلك، وهو ما أوجد أمراض جديدة لم تكن معروفة او منتشرة بهذا الشكل.

حشرات وأمراض جديدة لأول مرة في البيئة المصرية
“التغيرات المناخية ليست مسئولة عن اختفاء وانقراض الحشرات داخل مصر فقط، ولكنها أيضا مسئولة عن ظهور حشرات جديدة وأمراض جديدو لأول مرة في البيئة المصرية”.. بتلك العبارة الحازمة بدء الدكتور أحمد عبد الرءوف الحفناوي، مدرس علم الحشرات الجنائي بجامعة بنها، حديثة عن أثر التغيرات المناخية علي الحشرات بشكل عام، وعلي الحشرات المصرية بشكل خاص، مبينًا أنه في الآونة الأخيرة، غزت نحلة العسل القزمة (DB)، Apis florea Fab، والتي تستوطن بشكل رئيسي جنوب شرق آسيا “تايلاند”، والجزء الشمالي الشرقي من الهند، والصين، أجزاء من شرق مصر، وأنه من المتوقع أن تغزو DB مناطق مصرية أخرى، وقد أثبت ذلك بحث مشترك بين جامعات الفيوم ودمنهور والعريش، نجاح عملية غزو هذا النوع من النحل لحوض النيل.
ضرب صناعة العسل في مقتل
“التغيرات المناخية تضرب صناعة العسل في مقتل”.. هكذا أكد الدكتور أحمد عبد الرءوف الحفناوي، أن أحد أهم الصناعات الغذائية، تواجه تهديد خطير نتيجة للتغيرات المناخية، ما يهدد صناعة غذائية مهمة جدا، فقد بلغت قيمة صادرات مصر من العسل لعام 2021 ما يقارب من 300 مليون دولار، وفقا لأرقام وزارة الزراعة، حيث تظهر الأرقام أن هذا يمثل نحو مليوني خلية نحل و30 ألف طن من العسل، تنتجها نحو 25 ألف أسرة تعمل في مجال تربية النحل، ولكن الاحصاءات كشفت تراجع الانتاج في عام 2022 بنسبة وصلت الي 50% عن معدلة المعتاد عن موسم 2021، واوضح أن النحل يلعب دورًا حاسمًا في الأداء الصحي لأنظمتنا الزراعية، ويشكل حلقة الوصل بين النظم البيئية الأرضية والزراعة الحديثة، ولكن التغيرات المناخية تؤثر على نشاط نحل العسل مما يؤدي في النهاية إلى تقليل الإنتاج وزيادة خطر الإصابة بالأمراض.






