كيف بنت الصين اقتصاد المعرفة؟ 550 مليار دولار سنويًا تحول الجامعات إلى مصانع للابتكار
الصين تتحدى هارفارد.. كيف تحولت الجامعات إلى سلاح اقتصادي وتكنولوجي؟
الجامعات الصينية استحوذت على 9 من المراكز العشرة الأولى و17 من المراكز العشرين الأولى
لم تعد الجامعات في الصين مجرد مؤسسات لتخريج الملايين من الطلاب، بل تحولت إلى واحدة من أهم أدوات الدولة لبناء اقتصاد قائم على التكنولوجيا والمعرفة.
هذا التحول لم يحدث خلال سنوات قليلة، ولم يكن نتيجة طفرة مفاجئة في تصنيف جامعي، وإنما جاء بعد عقود من إعادة بناء منظومة التعليم العالي وربطها بصورة مباشرة بالبحث العلمي والصناعة واحتياجات الاقتصاد.
وتكشف أحدث مؤشرات «نيتشر إندكس» حجم التحول؛ إذ تصدرت جامعة تشجيانغ الصينية قائمة أفضل المؤسسات الجامعية عالميًا في التصنيف، متقدمة على جامعة هارفارد الأمريكية، في سابقة هي الأولى منذ إطلاق التصنيف عام 2014.
والأكثر دلالة أن الجامعات الصينية استحوذت على 9 من المراكز العشرة الأولى و17 من المراكز العشرين الأولى، مقابل 3 جامعات أمريكية فقط ضمن العشرين الأولى.
لكن الرقم الأهم في قصة الصعود الصيني لا يوجد في التصنيف نفسه، بل في حجم الأموال التي ضختها بكين في إنتاج المعرفة.
فالصين رفعت إنفاقها على البحث والتطوير من نحو 5.5 مليارات دولار عام 1995 إلى نحو 550 مليار دولار سنويًا في 2025، أي ما يعادل قرابة 2.8% من اقتصادها.

البداية لم تكن من القمة
من الصعب فهم هذا الصعود من دون العودة إلى نقطة البداية.
فالصين التي تنافس اليوم الجامعات الأمريكية في إنتاج الأبحاث كانت تعاني في سبعينيات القرن الماضي أزمة عميقة في التعليم العالي.
خلال «الثورة الثقافية» بين 1966 و1976، تعرض النظام التعليمي لاضطرابات واسعة، وتوقفت مؤسسات تعليمية عن العمل، وتراجع مستوى الطلاب والأساتذة بصورة كبيرة.
وكشفت دراسة أجرتها السلطات الصينية عام 1972 على 11 مؤسسة للتعليم العالي في بكين عن صورة شديدة التراجع؛ إذ كان 20% فقط من الطلاب الذين شملهم التقييم يتجاوزون المستوى الإعدادي، بينما كان 60% دون هذا المستوى، وبلغ مستوى 20% آخرين المرحلة الابتدائية.
أدركت القيادة الصينية أن بناء اقتصاد حديث لا يمكن أن يبدأ من المصانع وحدها، وأن التكنولوجيا التي ستقود هذه المصانع تحتاج أولًا إلى علماء ومهندسين وباحثين قادرين على إنتاجها.
وهنا بدأ التغيير الحقيقي.

امتحان واحد غيّر مسار الجامعات
في 1977، أعادت الصين النظر في نظام اختيار الطلاب للجامعات، بعد أن خلصت مناقشات شارك فيها كبار الأكاديميين، برئاسة دينغ شياو بينغ، إلى ضرورة العودة إلى الاختبارات الوطنية للقبول الجامعي.
كانت الخطوة أكثر من مجرد إصلاح تعليمي؛ فقد أعادت تأسيس قاعدة اختيار الكفاءات التي ستصبح لاحقًا جزءًا من مشروع اقتصادي طويل المدى.
وبعد عام واحد، ترسخت رؤية جديدة داخل الدولة الصينية: العلم والتكنولوجيا ليسا نشاطًا منفصلًا عن الاقتصاد، وإنما قوة إنتاج.
هذه الفكرة شكلت أحد الأسس التي قامت عليها سياسة الصين خلال العقود التالية.
الاستثمار لم يكن موزعًا بالتساوي
بدلًا من محاولة رفع مستوى جميع الجامعات بالوتيرة نفسها، اتخذت بكين قرارًا أكثر تركيزًا.
في 1995، أطلقت مشروع «211» بهدف تطوير 100 جامعة لمواجهة متطلبات القرن الحادي والعشرين.
ثم جاء مشروع «985» عام 1998، مستهدفًا مجموعة محددة من الجامعات القادرة على التحول إلى مؤسسات بحثية من الطراز العالمي، ووصل عدد الجامعات المشمولة به لاحقًا إلى 38 جامعة.
الفكرة كانت واضحة: إذا كانت الموارد محدودة، فيجب توجيه الجزء الأكبر منها إلى المؤسسات القادرة على إنتاج معرفة تنافس عالميًا.
وهكذا أصبحت الجامعة المستهدفة بالاستثمار ليست مجرد مكان للتدريس، بل مختبرًا لتطوير التكنولوجيا ومركزًا لتكوين العلماء والباحثين.

الصين لم تعد تريد من يصنع المنتج فقط
مع نمو الصناعة الصينية، تغيرت طبيعة السؤال الاقتصادي.
لم تعد الأولوية توفير ملايين العمال للمصانع، وإنما امتلاك العقول التي تستطيع تصميم خطوط الإنتاج، وتطوير المواد، وكتابة البرمجيات، وبناء الروبوتات، وتصميم الرقائق، وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ومن هنا ارتبطت الجامعات بالصناعة بصورة أكثر مباشرة.
وفي رسالة بعث بها الرئيس الصيني شي جين بينغ في أبريل 2026 إلى طلاب وأساتذة أربع جامعات بمناسبة مرور 130 عامًا على تأسيسها، دعا الجامعات إلى توجيه البحث العلمي نحو الاحتياجات الاستراتيجية للدولة، وتعزيز الابتكار المستقل، وتطوير المواهب، وتعميق التعاون بين الجامعات ومؤسسات البحث والقطاع الصناعي.
هذه الرؤية تختصر فلسفة صينية أوسع: الجامعة جزء من منظومة الإنتاج الوطني.
550 مليار دولار وراء الطفرة
أحد أهم مفاتيح التحول الصيني كان الاستمرارية.
فالإنفاق على البحث والتطوير لم يتوقف عند حدود إنشاء الجامعات أو توسيع أعداد الطلاب، بل ارتفع بصورة متواصلة.
وبين عامي 1995 و2025، قفز الإنفاق الصيني على البحث والتطوير من نحو 5.5 مليارات دولار إلى قرابة 550 مليار دولار سنويًا.
ويعادل هذا الإنفاق نحو 2.8% من حجم الاقتصاد الصيني، ما يعكس انتقال البحث العلمي من هامش السياسة الاقتصادية إلى قلبها.
وفي الوقت نفسه، عملت بكين على استعادة الكفاءات الصينية الموجودة في الخارج، عبر برامج لاستقطاب العلماء والباحثين، من بينها «مبادرة الألف موهبة».
والهدف لم يكن زيادة عدد الباحثين فقط، وإنما جذب خبرات قادرة على بناء مختبرات ومدارس بحثية جديدة ورفع جودة الإنتاج العلمي الصيني.
المعركة انتقلت إلى البراءات
يمكن قياس نتائج هذا الاستثمار من خلال براءات الاختراع والقطاعات التي تتركز فيها.
وفي يوليو 2026، حلل باحثون من جامعات هارفارد ونورث وسترن وستانفورد نحو 14 مليون براءة اختراع صينية، ووجدوا أن جزءًا كبيرًا منها يتركز في مجالات تكنولوجية تعتبر استراتيجية وحساسة.
وتشمل هذه المجالات الذكاء الاصطناعي، والأنظمة ذاتية التشغيل، والتكنولوجيا الحيوية، والإلكترونيات الدقيقة، والتقنيات الكمومية، والفضاء، والحوسبة المتقدمة وغيرها.
واللافت أن الجامعات والشركات الخاصة الصينية مسؤولة عن أكثر من 58% من هذه الأبحاث، بينما لا تتجاوز مساهمة الشركات الحكومية 4%.
أما الجامعات الخاصة الصينية وحدها فتشارك بنحو 26.6% من الأبحاث المتعلقة بهذه القطاعات، مقارنة بأقل من 3% للجامعات الأمريكية، وفق النتائج التي أوردتها الدراسة.
وهذا يعني أن السباق لم يعد يدور فقط حول عدد الأبحاث المنشورة، وإنما حول من يملك المعرفة التي ستصبح تكنولوجيا ومنتجًا وصناعة في المستقبل.

من الجامعة إلى المصنع
هنا تكمن النقطة الأكثر أهمية في التجربة الصينية.
بكين لم تتعامل مع البحث العلمي باعتباره نشاطًا أكاديميًا ينتهي عند نشر ورقة بحثية، وإنما حاولت بناء سلسلة كاملة تبدأ من الجامعة وتنتهي في السوق.
العالم يطور المعرفة، المختبر يحولها إلى تقنية، الشركة تختبرها، والمصنع يحولها إلى منتج.
كلما أصبحت هذه الدورة أسرع، زادت قدرة الاقتصاد على المنافسة.
ولهذا ارتبط صعود الجامعات الصينية بالتوسع في صناعات التكنولوجيا المتقدمة، بدلًا من أن يبقى التعليم العالي قطاعًا منفصلًا عن النشاط الاقتصادي.
لماذا أصبحت الجامعات الصينية قوة اقتصادية؟
الإجابة لا تكمن في ضخ الأموال وحده.
الصين جمعت عدة عناصر في مشروع واحد: إصلاح نظام القبول الجامعي، تركيز التمويل في جامعات بحثية محددة، استقطاب العلماء، إنشاء بنية تحتية علمية ضخمة، زيادة الإنفاق على البحث والتطوير، وربط الجامعات باحتياجات الصناعة والدولة.
وبمرور الوقت، أنتجت هذه السياسة قاعدة ضخمة من الباحثين والمهندسين والبراءات والتقنيات.
وهذا ما يفسر لماذا أصبح ظهور جامعة صينية في صدارة تصنيف عالمي للبحث العلمي أكثر من مجرد خبر عن جامعة.
إنه مؤشر على تحول أوسع في موازين إنتاج المعرفة عالميًا.
الرهان الصيني على العقود المقبلة
تدرك الصين أن التفوق الصناعي الذي حققته خلال العقود الماضية لن يكون كافيًا لضمان موقعها في الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
فالمنافسة تتحول بسرعة إلى مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة والكم والتكنولوجيا الحيوية والفضاء والإلكترونيات الدقيقة.
وفي هذه المعركة، تصبح الجامعات جزءًا من البنية التحتية الاستراتيجية للدولة مثل المصانع وشبكات الطاقة والموانئ.
لذلك فإن الـ550 مليار دولار التي تنفقها الصين سنويًا على البحث والتطوير لا يمكن النظر إليها باعتبارها تكلفة تعليمية أو أكاديمية فحسب.
إنها، في جوهرها، استثمار في القدرة على إنتاج التكنولوجيا بدلًا من شرائها، وفي امتلاك المعرفة بدلًا من استيرادها.

وربما تكون صدارة جامعة تشجيانغ أمام هارفارد هي العنوان الأكثر وضوحًا لهذه الرحلة، لكن القصة الحقيقية أعمق بكثير: الصين أمضت نحو نصف قرن في بناء منظومة تجعل الجامعة مصنعًا للعلم، والعلم محركًا للصناعة، والصناعة رافعة للقوة الاقتصادية.





