كوارث المناخ في أمريكا تتجاوز 3.1 تريليون دولار.. 431 كارثة مليارية منذ 1980

فاتورة المناخ تتضخم في الولايات المتحدة.. 17 ألف وفاة وخسائر قياسية خلال 46 عامًا

في وقت تتسابق فيه الحكومات والشركات لتحقيق أهداف الحياد الكربوني، تكشف أحدث البيانات العلمية أن كلفة تغير المناخ لم تعد تُقاس فقط بدرجات الحرارة أو عدد الضحايا، بل باتت تُترجم إلى تريليونات الدولارات من الخسائر الاقتصادية.

فقد أظهرت قاعدة بيانات الكوارث المناخية الأمريكية، التي تديرها حاليًا مؤسسة Climate Central وفق المنهجية العلمية التي طورتها الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، أن الولايات المتحدة تكبدت منذ عام 1980 وحتى مارس 2026 نحو 431 كارثة مناخية وطقسية تجاوزت خسائر كل منها مليار دولار، بإجمالي خسائر يتجاوز 3.1 تريليون دولار (بعد احتساب التضخم حتى عام 2026)، إضافة إلى 17,370 حالة وفاة.

هذه الأرقام لا تعكس فقط تصاعد الظواهر الجوية المتطرفة، بل ترسم ملامح تحول اقتصادي عالمي يفرض على الحكومات والمستثمرين إعادة النظر في سياسات إدارة المخاطر، وتمويل التكيف المناخي، وحماية البنية التحتية، باعتبارها استثمارات اقتصادية وليست مجرد إجراءات بيئية.

كوارث المناخ في أمريكا

الكوارث المناخية تتحول إلى قضية اقتصادية

على مدار العقود الماضية، كان التعامل مع الأعاصير والفيضانات وحرائق الغابات باعتبارها أحداثًا طارئة تستوجب الاستجابة والإغاثة.

أما اليوم، فقد أصبحت الكوارث المناخية أحد أهم الملفات الاقتصادية، بعدما تجاوزت خسائرها في الولايات المتحدة وحدها ثلاثة تريليونات دولار، وهو رقم يعادل الناتج المحلي الإجمالي السنوي لعدد من أكبر اقتصادات العالم.

وتوضح البيانات أن هذه الخسائر لا تقتصر على تدمير المنازل والمنشآت، وإنما تشمل الأضرار التي تلحق بالطرق والجسور وشبكات الكهرباء والموانئ والمنشآت الصناعية، إضافة إلى خسائر الزراعة، وتعطل الأعمال، وانخفاض الإنتاجية، وارتفاع تكاليف التأمين، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات النمو والاستثمار.

تغير المناخ ليس العامل الوحيد

ورغم أن ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الظواهر الجوية المتطرفة يمثلان عنصرًا رئيسيًا في تضخم الخسائر، فإن التقرير يؤكد أن الصورة أكثر تعقيدًا.

فارتفاع قيمة الخسائر يعود إلى تداخل ثلاثة عوامل رئيسية:

تغير المناخ، الذي يزيد من احتمال وشدة بعض الظواهر الجوية المتطرفة.

• التوسع العمراني في المناطق عالية الخطورة، مثل السواحل ومجاري الأنهار ومناطق الغابات.

• زيادة السكان والثروة الاقتصادية، بما يعني ارتفاع قيمة الأصول المعرضة للخطر.

وبمعنى آخر، فإن الكارثة نفسها أصبحت تضرب مناطق أكثر ازدحامًا وأكثر ثراءً، فتتضاعف الخسائر الاقتصادية حتى إذا لم تتغير شدة الحدث المناخي بنفس النسبة.

كوارث المناخ في أمريكا

الأعاصير والفيضانات والجفاف.. مصادر الخسائر الكبرى

تشير الدراسات المرجعية التي تستند إليها قاعدة البيانات إلى أن تغير المناخ يسهم في زيادة مخاطر عدد من الظواهر، أبرزها:

• موجات الجفاف الممتدة.

حرائق الغابات في غرب الولايات المتحدة.

• الأمطار الغزيرة والفيضانات المفاجئة.

الأعاصير المدارية.

• العواصف الشديدة.

الفيضانات الساحلية الناتجة عن ارتفاع مستوى سطح البحر.

ويؤكد التقرير أن ارتفاع مستوى البحار يزيد من حجم الخسائر الناجمة عن العواصف والأعاصير، حتى عندما لا تكون سرعة الرياح أعلى من المعتاد، لأن العواصف باتت تضرب سواحل أكثر تعرضًا للغمر.

كوارث المناخ في أمريكا

لماذا ترتفع فاتورة الكوارث عامًا بعد آخر؟

من أبرز الرسائل التي يقدمها التقرير أن الاقتصاد العالمي بات أكثر حساسية للصدمات المناخية.

فالاستثمارات الضخمة في المناطق الساحلية، والتوسع في المدن، وزيادة الاعتماد على شبكات الطاقة والاتصالات وسلاسل الإمداد المعقدة، جعلت أي كارثة طبيعية تتحول سريعًا إلى أزمة اقتصادية واسعة النطاق.

كما أن تعطل الموانئ أو شبكات النقل أو الكهرباء لا يقتصر أثره على المنطقة المتضررة، بل يمتد إلى الصناعات والأسواق العالمية، وهو ما ظهر بوضوح خلال السنوات الأخيرة مع تكرار الكوارث الكبرى.

الخسائر الحقيقية أكبر من 3.1 تريليون دولار

رغم ضخامة الرقم المعلن، يشدد التقرير على أن تقديراته لا تشمل جميع أنواع الخسائر، فالحسابات الحالية تركز على الأضرار الاقتصادية المباشرة، مثل خسائر المباني والمرافق العامة والزراعة والممتلكات، لكنها لا تتضمن:

• خسائر التنوع البيولوجي والنظم البيئية.
• التدهور طويل الأجل لرأس المال الطبيعي.
• الآثار الصحية والنفسية.
• انخفاض الإنتاجية البشرية.
• خسائر سلاسل الإمداد العالمية.
• القيمة الاقتصادية للوفيات.

وبالتالي فإن التكلفة الاقتصادية والاجتماعية الفعلية للكوارث المناخية تفوق بكثير الأرقام المعلنة.

كوارث المناخ في أمريكا

من مليار إلى 100 مليون دولار.. توسع في قياس المخاطر

في تطور مهم، أعلنت Climate Central أنها تعمل على توسيع قاعدة البيانات لتشمل الكوارث التي تبدأ خسائرها من 100 مليون دولار، بدلًا من الاقتصار على الأحداث التي تتجاوز مليار دولار.

ومن المتوقع أن يوفر هذا التحديث صورة أكثر دقة لتكرار الظواهر المناخية المتوسطة والصغيرة، التي تتسبب مجتمعة في خسائر كبيرة، خاصة بالنسبة للمجتمعات المحلية والاقتصادات الإقليمية.

كما سيساعد ذلك في تحسين تقييم المخاطر، وتوجيه الاستثمارات نحو مشروعات التكيف والوقاية.

ماذا تعني هذه الأرقام للاقتصاد الأخضر؟

تكشف هذه البيانات أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر لم يعد خيارًا بيئيًا، بل أصبح ضرورة اقتصادية.
فالاستثمار في:

• البنية التحتية المقاومة للمناخ.
• أنظمة الإنذار المبكر.
• الإدارة المستدامة للموارد المائية.
حماية الغابات والأراضي الرطبة.
• المدن الذكية منخفضة الانبعاثات.
الطاقة المتجددة.

يمكن أن يخفض خسائر الكوارث المستقبلية ويوفر مليارات الدولارات سنويًا، وهو ما يجعل الإنفاق على التكيف المناخي أقل تكلفة بكثير من تحمل فاتورة الكوارث بعد وقوعها.

دروس للدول العربية

رغم أن التقرير يركز على الولايات المتحدة، فإن رسائله تنطبق بدرجة كبيرة على المنطقة العربية، التي تواجه بدورها موجات حر قياسية، وسيولًا مفاجئة، وجفافًا متزايدًا، وارتفاعًا في مستوى سطح البحر يهدد المدن الساحلية.

كما أن العديد من الدول العربية تستثمر بكثافة في مشروعات البنية التحتية والمدن الجديدة والمناطق الساحلية، وهو ما يجعل دمج اعتبارات المناخ في التخطيط العمراني والاقتصادي ضرورة لضمان استدامة هذه الاستثمارات.

ويؤكد ذلك أهمية تطوير نظم وطنية لتقييم المخاطر المناخية، وتعزيز استخدام البيانات والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالكوارث، إلى جانب توسيع أدوات التمويل الأخضر والتأمين ضد المخاطر المناخية.

الاقتصاد العالمي يدخل عصر “إدارة المخاطر المناخية”

تكشف قاعدة بيانات الكوارث الأمريكية أن تغير المناخ لم يعد قضية بيئية منفصلة عن الاقتصاد، بل أصبح أحد أهم محددات الاستثمار والتنمية والاستقرار المالي.

ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وزيادة قيمة الأصول المعرضة للمخاطر، يتوقع الخبراء أن تصبح إدارة المخاطر المناخية أحد المحاور الرئيسية لسياسات التنمية خلال العقود المقبلة.

فالرسالة الأساسية للتقرير واضحة: تكلفة التكيف مع تغير المناخ اليوم أقل بكثير من تكلفة تجاهله غدًا، وأن الاستثمار في الاقتصاد الأخضر لم يعد رفاهية، بل يمثل أحد أهم أدوات حماية الاقتصادات الوطنية من خسائر قد تتجاوز تريليونات الدولارات.

Exit mobile version