الغاز الأمريكي يعيد رسم خريطة الطاقة العالمية.. واشنطن استحوذت على 93% من نمو الصادرات

الغاز الأمريكي يغير موازين الطاقة.. أوروبا الوجهة الأولى وثلث السوق العالمي بحلول 2030

واصلت الولايات المتحدة تعزيز هيمنتها على سوق الغاز الطبيعي المسال (LNG)، بعدما استحوذت على نحو 93% من إجمالي نمو صادرات الغاز المسال عالميًا خلال عام 2025، في تطور يعكس التحول الجذري الذي شهدته أسواق الطاقة خلال العقد الأخير، ويؤكد أن واشنطن أصبحت اللاعب الأكثر تأثيرًا في تجارة الغاز العالمية، مع تداعيات تمتد إلى أمن الطاقة الأوروبي، وأسعار الغاز الدولية، وخطط التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون.

وبحسب بيانات المراجعة الإحصائية العالمية للطاقة 2026 الصادرة عن معهد الطاقة (Energy Institute)، ارتفعت صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال إلى 5.2 تريليون قدم مكعبة خلال عام 2025، مقارنة بنحو 4.1 تريليون قدم مكعبة في عام 2024، مسجلة نموًا سنويًا بلغ 27%.

وفي المقابل، ارتفعت صادرات الغاز المسال العالمية من 19.3 تريليون قدم مكعبة إلى 20.4 تريليون قدم مكعبة، أي بزيادة تقارب 1.2 تريليون قدم مكعبة، ساهمت الولايات المتحدة وحدها بنحو 1.1 تريليون قدم مكعبة منها.

تحول تاريخي خلال عقد واحد

تكشف الأرقام عن تحول غير مسبوق في مكانة الولايات المتحدة داخل سوق الغاز العالمية، ففي عام 2015 كانت صادراتها من الغاز المسال لا تتجاوز 0.03 تريليون قدم مكعبة، بينما كانت قطر تهيمن على السوق العالمية، في حين كانت أستراليا توسع طاقتها الإنتاجية تدريجيًا.

أما اليوم، فقد أصبحت الولايات المتحدة أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم بفارق واضح عن منافسيها، بعدما رفعت صادراتها بأكثر من 200 ضعف خلال عشر سنوات فقط.

واستحوذت واشنطن على 25.4% من إجمالي سوق صادرات الغاز المسال العالمية، بينما جاءت قطر في المرتبة الثانية بصادرات بلغت 3.9 تريليون قدم مكعبة، ثم أستراليا بنحو 3.7 تريليون قدم مكعبة.

ويرجع هذا التحول إلى عدة عوامل، أبرزها ثورة الغاز الصخري التي وفرت كميات هائلة من الغاز منخفض التكلفة، إضافة إلى امتلاك الولايات المتحدة بنية تحتية متطورة على ساحل خليج المكسيك، تشمل خطوط الأنابيب، ومحطات الإسالة، والموانئ، ومنشآت التخزين، والخبرات الفنية اللازمة لتوسيع الصناعة بسرعة.

الغاز الأمريكي يغير موازين الطاقة

أوروبا أكبر المستفيدين

أصبحت أوروبا الوجهة الرئيسية لصادرات الغاز الأمريكي خلال العام الماضي، في ظل استمرار جهودها لتعويض الإمدادات الروسية وتعزيز أمن الطاقة.

وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) إلى أن شحنات الغاز الأمريكي إلى أوروبا بلغت متوسط 10.3 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال عام 2025، مقارنة بـ 6.3 مليار قدم مكعبة يوميًا في عام 2024.

واستحوذت القارة الأوروبية على نحو 68% من إجمالي صادرات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية.

ورغم استمرار أوروبا في استيراد الغاز من قطر والجزائر ونيجيريا وروسيا، فإن الولايات المتحدة أصبحت المورد الأكبر بفارق كبير، ما منح الأسواق الأوروبية مرونة أكبر في مواجهة تقلبات الإمدادات.

لكن هذه المرونة تأتي بتكلفة، إذ أصبحت أوروبا أكثر ارتباطًا بتقلبات السوق العالمية، حيث تتنافس مع الأسواق الآسيوية على شحنات الغاز المتاحة، خاصة خلال فترات الشتاء أو عند وقوع اضطرابات جيوسياسية.

منشآت جديدة تقود الطفرة

جاء الجزء الأكبر من الزيادة في الصادرات الأمريكية بفضل بدء تشغيل وتوسع عدد من مشروعات الإسالة الجديدة، وفي مقدمتها مشروع Plaquemines LNG في ولاية لويزيانا، إلى جانب التوسع في مشروع Corpus Christi Stage 3.

وتقدر وكالة الطاقة الدولية، أن مشروع Plaquemines وحده وفر أكثر من 60% من الزيادة العالمية في إمدادات الغاز الطبيعي المسال خلال عام 2025.

كما تتميز العقود الأمريكية بمرونة أكبر مقارنة بعقود المنافسين، إذ ترتبط غالبًا بأسعار الغاز داخل الولايات المتحدة، مع منح المشترين حرية إعادة توجيه الشحنات إلى الأسواق الأكثر ربحية، سواء في أوروبا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية.

ناقلات الغاز الطبيعي المسال

إنتاج قياسي يدعم الصادرات

لم يكن التوسع في الصادرات على حساب السوق المحلية، إذ سجل إنتاج الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي مستوى قياسيًا بلغ 103.9 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال عام 2025، بزيادة تجاوزت 4% مقارنة بالعام السابق.

وبذلك أصبحت الولايات المتحدة تنتج أكثر من ربع الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي.

كما ارتفع الاستهلاك المحلي إلى 88.4 مليار قدم مكعبة يوميًا، بالتزامن مع استمرار نمو صادرات الغاز عبر خطوط الأنابيب إلى المكسيك.

ويرى محللون أن هذه المعادلة نجحت حتى الآن بفضل النمو المستمر في الإنتاج، إلا أن استمرار توسع محطات التصدير وزيادة الطلب المحلي، خاصة من مراكز البيانات والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، قد يضع ضغوطًا مستقبلية على الأسعار إذا لم تتوسع البنية التحتية وخطوط الأنابيب بالسرعة الكافية.

الغاز المسال يعيد تشكيل تجارة الطاقة

تكشف بيانات عام 2025 عن تحول هيكلي في تجارة الغاز العالمية، إذ أصبحت تجارة الغاز المسال تمثل نحو 55% من تجارة الغاز بين الأقاليم، مقارنة بأقل من 40% قبل عشر سنوات.

وفي المقابل، تراجعت تجارة الغاز عبر خطوط الأنابيب بين الدول، وهو ما يعكس تزايد اعتماد الأسواق على الشحنات البحرية القادرة على تغيير وجهتها وفقًا للأسعار والطلب.

ويؤدي هذا التحول إلى زيادة الترابط بين أسواق الغاز العالمية، بحيث أصبحت أي أزمة في منطقة معينة تؤثر بسرعة على الأسعار في مناطق أخرى، على غرار ما يحدث في سوق النفط العالمية.

كما عززت الاضطرابات الأخيرة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز من أهمية الإمدادات القادمة من الولايات المتحدة، باعتبارها مصدرًا أكثر استقرارًا نسبيًا مقارنة بمناطق تشهد توترات جيوسياسية.

الغاز الطبيعي المسال الأمريكي

الطريق إلى ثلث السوق العالمية

لا تبدو الهيمنة الأمريكية مؤقتة، إذ تشير التوقعات إلى استمرار نمو صادرات الغاز الطبيعي المسال خلال السنوات المقبلة.

ومن المنتظر أن يصل متوسط الصادرات الأمريكية إلى نحو 17 مليار قدم مكعبة يوميًا خلال عام 2026، مع دخول مشروعات جديدة للخدمة، أبرزها:

• Golden Pass LNG
• Port Arthur LNG
• Rio Grande LNG
• استكمال توسعات Corpus Christi Stage 3
• التوسع المستمر في Plaquemines LNG

كما شهد عام 2025 اتخاذ قرارات استثمار نهائية لمشروعات جديدة تضيف أكثر من 2.8 تريليون قدم مكعبة سنويًا من طاقة التصدير.

وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تستحوذ الولايات المتحدة على نحو ثلث سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي بحلول عام 2030، وهو ما سيجعلها القوة المهيمنة على تجارة الغاز لعقد كامل على الأقل.

ماذا يعني ذلك للاقتصاد الأخضر؟

رغم أن الغاز الطبيعي يعد أقل انبعاثًا للكربون مقارنة بالفحم والنفط، فإنه يظل وقودًا أحفوريًا يثير جدلًا واسعًا في أوساط المناخ.

ويرى مؤيدوه أنه يمثل وقودًا انتقاليًا يدعم التحول نحو الطاقة النظيفة من خلال استبدال الفحم في توليد الكهرباء وخفض الانبعاثات على المدى القصير.

في المقابل، يحذر خبراء المناخ من أن التوسع الكبير في استثمارات الغاز الطبيعي المسال قد يؤدي إلى إطالة عمر البنية التحتية للوقود الأحفوري لعقود، بما قد يبطئ وتيرة التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة.

وبين هذين الاتجاهين، تبدو الولايات المتحدة في موقع يمكّنها من إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية، ليس فقط عبر زيادة الإنتاج، بل من خلال التحكم في جانب كبير من الإمدادات الإضافية التي يعتمد عليها العالم لتلبية الطلب المتزايد، وهو ما يمنحها نفوذًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا متصاعدًا في سوق الطاقة خلال السنوات المقبلة.

Exit mobile version