قبل 3500 عام.. بشر ينقلون الأرز عبر آلاف الكيلومترات إلى قلب المحيط الهادئ
رحلة بحرية من الفلبين إلى جوام.. الأرز شاهد على أقدم هجرة بشرية في المحيط الهادئ
قبل نحو 3500 عام، أبحر طاقم صغير مسافة تقارب 1430 ميلًا، أي نحو 2157 كيلومترًا، من الفلبين إلى جزيرة جوام، حاملين معهم الأرز على متن قواربهم.
كشفت دراسة أثرية جديدة عن فحص آثار نباتية مجهرية على قطع فخارية عُثر عليها داخل كهف في جوام، أن الأرز استُخدم في طقوس خاصة، ما يمثل أقدم دليل واضح على وجود هذا المحصول في جزر المحيط الهادئ.
ونُشرت الدراسة في دورية «ساينس» العلمية.
وتتمحور القصة حول أسلاف شعب الشامورو، أوائل البشر المعروفين الذين استوطنوا جزر ماريانا. وقد وصل هؤلاء البحارة الأوائل إلى مناطق نائية من أوقيانوسيا قبل استيطان جزر مجاورة أخرى بقرون طويلة.

الأرز يبدو خيارًا منطقيًا لرحلة بحرية طويلة
قاد الدراسة الدكتور مايك كارسون، عالم الآثار بجامعة جوام، الذي يركز في أبحاثه على الكشف عن أقدم المستوطنات والمناظر الطقسية في جزر ماريانا. ويتحدث هؤلاء البحارة لغات أوسترونيزية تنتمي إلى عائلة لغوية واسعة الانتشار، تمتد من مدغشقر إلى هاواي. وتشير تحليلات الحمض النووي القديم لهياكل عظمية في جوام إلى أصول في وسط أو شمال الفلبين وتايوان.
كان الأرز معروفًا لهؤلاء المسافرين ومرتبطًا بتقاليد زراعية أقدم في آسيا. فقد عثر علماء الآثار في وسط الصين على حبوب أرز مستأنسة في موقع باليجانج، يعود تاريخها إلى نحو 8000 عام.

ورغم أن الأرز يبدو خيارًا منطقيًا لرحلة بحرية طويلة، فإنه كان صعب الزراعة في معظم جزر المحيط الهادئ بسبب التربة الرقيقة، والتلال الجيرية شديدة الانحدار، وعدم انتظام الأمطار. لذلك اعتمدت المجتمعات الجزرية على محاصيل أخرى مثل فاكهة الخبز، والقلقاس، واليام، والموز، وجوز الهند.

الأرز كان نادرًا في جزر ماريانا
وتشير سجلات القرنين السادس عشر والسابع عشر إلى أن الأرز كان نادرًا في جزر ماريانا، ويُحتفظ به للمناسبات الاحتفالية أو للأشخاص القريبين من الموت. وتكمن أهمية الاكتشاف الجديد في أنه يثبت وجود الأرز منذ أول استيطان للجزر، وليس كعنصر أُدخل في فترات لاحقة.
وعلى امتداد المحيط الهادئ، لم يعثر علماء الآثار على حقول أرز قديمة أو أدوات حصاده، ما يجعل جزر ماريانا استثناءً فريدًا، إذ يظهر الأرز فيها في المصادر التاريخية والطبقات الثقافية العميقة على حد سواء.
وجاء الدليل الحاسم من كهف شاطئ ريتييديان، وهو ملجأ صخري ضحل في الطرف الشمالي من جوام. فقد استخدم الباحثون تقنية تحليل الفيتوليثات، وهي جسيمات سيليكا دقيقة تحفظ أشكال النباتات لآلاف السنين، وحددوا من خلالها آثار قشور الأرز وأوراقه وأجزائه الزهرية.

الأرز استُخدم داخل الأواني الجاهزة
وُجدت هذه الآثار بكثافة على أسطح الأواني الفخارية، بينما غابت تمامًا عن الرواسب المحيطة، ما يستبعد احتمال التلوث اللاحق، كما أظهرت فحوص الأشعة السينية عالية الدقة أن الطين المستخدم في صناعة الأواني لم يكن ممزوجًا ببقايا نباتية، ما يؤكد أن الأرز استُخدم داخل الأواني الجاهزة، وليس ضمن مادة التصنيع.
ويقع الكهف ضمن مشهد طقسي يضم مدافن ونقوشًا وزخارف، وهو مكان ارتبط في تقاليد الشامورو بالتواصل مع الأرواح والأسلاف، اللافت أن آثار الأرز تركزت في جزء واحد فقط من الكهف، بينما غابت تقريبًا عن مواقع مجاورة من الفترة نفسها.

وتدعم هذه النتائج فكرة أن الوصول إلى جزر ماريانا لم يكن نتيجة انجراف عرضي، بل ثمرة تخطيط دقيق وملاحة متقدمة. فقد حمل هؤلاء البحارة محاصيلهم وطقوسهم وهويتهم الثقافية معهم، وكان الأرز رمزًا للذاكرة والانتماء بقدر ما كان مصدرًا للغذاء.






