كيف كشفت الأقمار الصناعية حجم فقدان الجليد وارتفاع مستوى سطح البحر؟
280 مليار طن سنويًا.. الأقمار الصناعية تكشف تسارع فقدان جليد جرينلاند
كشفت مهمة فضائية غيرت طريقة دراسة تأثيرات تغير المناخ على كوكب الأرض، حجمًا هائلًا من فقدان الجليد في المناطق القطبية واستنزاف المياه الجوفية، وقدمت للعلماء أدلة عالمية مباشرة على كيفية تغير مخزون المياه على كوكب الأرض وارتباط ذلك بارتفاع مستوى سطح البحر.
وفي عام 2002، أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» والمركز الألماني للطيران والفضاء مهمة مشتركة حملت اسم «تجربة استعادة الجاذبية والمناخ» (GRACE)، وضمت قمرين صناعيين متطابقين، بهدف قياس التغيرات الدقيقة في مجال جاذبية الأرض.
وأصبحت المهمة نقطة تحول في دراسة تغير المناخ، إذ أتاحت لأول مرة تقديرات عالمية مباشرة لفقدان الصفائح الجليدية واستنزاف المياه الجوفية، بعدما كان العلماء يعتمدون بصورة أكبر على قياسات سطحية متفرقة وبيانات محلية من الآبار وقياسات الرادار لتقدير التغيرات في دورة المياه.

كيف تقيس الأقمار الصناعية مياه الأرض؟
اعتمدت مهمة GRACE على قمرين صناعيين يدوران حول الأرض، تفصل بينهما مسافة تبلغ نحو 220 كيلومترًا، وعلى ارتفاع يقارب 500 كيلومتر.
وعندما يقترب القمر الصناعي المتقدم من منطقة تحتوي على كتلة أكبر، مثل صفيحة جليدية كثيفة، تؤثر الجاذبية المتزايدة في حركته، فتؤدي إلى تسارعه قليلًا مقارنة بالقمر الآخر.
وتلتقط منظومة قياس تعتمد على الموجات الدقيقة هذه التغيرات شديدة الصغر في المسافة بين القمرين، والتي يمكن أن تصل دقتها إلى نحو ميكرومتر واحد، أي جزء ضئيل للغاية من عرض شعرة بشرية.
ومن خلال تتبع هذه الاختلافات الدقيقة على مدار الرحلات المتتالية، تمكن العلماء من بناء خرائط شهرية للتغيرات في مجال جاذبية الأرض.
وبما أن الاختلافات الإقليمية في الجاذبية ترتبط بدرجة كبيرة بحركة المياه والكتل المائية، أتاحت البيانات للعلماء ما يشبه «وزن مياه الأرض من الفضاء»، ومتابعة التغيرات الموسمية في المياه السطحية، ومخزون طبقات المياه الجوفية العميقة، وحركة المياه في المحيطات.
جرينلاند تفقد 280 مليار طن من الجليد سنويًا

قدمت بيانات GRACE قياسات واسعة النطاق لفقدان الجليد في المناطق القطبية، وأظهرت البيانات أن جرينلاند فقدت في المتوسط نحو 280 مليار طن متري من الجليد سنويًا خلال الفترة من 2002 إلى 2017.
وخلال الفترة نفسها، فقدت القارة القطبية الجنوبية «أنتاركتيكا» نحو 120 مليار طن متري من الجليد سنويًا.
وتكتسب هذه الخسائر أهمية كبيرة لأنها تمثل انتقالًا مباشرًا لكميات هائلة من المياه من اليابسة إلى المحيطات، وهو ما يسهم في ارتفاع مستوى سطح البحر عالميًا.
لماذا كانت مهمة GRACE مهمة؟
قبل إطلاق GRACE، كان من الصعب الحصول على صورة عالمية متكاملة للكمية الإجمالية للجليد التي تفقدها الصفائح الجليدية وتحولها إلى مياه في المحيطات.
وكان العلماء يعتمدون على مجموعة من الأدوات والقياسات المحلية لتقدير التغيرات في الجليد والمياه، لكن مهمة GRACE وفرت طريقة مختلفة تعتمد على قياس التغيرات في جاذبية الأرض نفسها.
وأتاح ذلك رصد التغيرات في كتلة المياه والجليد على نطاق عالمي، وليس فقط مراقبة تغيرات سطحية أو محلية.
وتزامنت المهمة مع تزايد الحاجة إلى بيانات أكثر دقة لفهم أسباب ارتفاع مستوى سطح البحر، في ظل استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتراجع الكتل الجليدية في المناطق القطبية.

المياه الجوفية جزء آخر من القصة
لم تقتصر أهمية GRACE على رصد ذوبان الجليد، إذ تمكنت المهمة أيضًا من تتبع التغيرات في مخزون المياه الجوفية.
وتكشف هذه البيانات كيف يمكن أن يؤدي استخراج المياه الجوفية واستخدامها في الزراعة والاستهلاك إلى تغيير توزيع المياه على سطح الأرض وتحتها.
كما سمحت القياسات بمتابعة التغيرات الموسمية في مخزونات المياه ومراقبة حركة المياه في مناطق واسعة، وهو ما يوفر أداة مهمة لفهم تأثير الجفاف والاستهلاك البشري والتغيرات المناخية على موارد المياه.
من الجاذبية إلى فهم تغير المناخ
تكمن أهمية المهمة في أنها حولت التغيرات الصغيرة جدًا في مجال جاذبية الأرض إلى بيانات يمكن استخدامها لفهم تحولات ضخمة في نظام المياه العالمي.
ففقدان مئات المليارات من الأطنان من الجليد سنويًا لا يمثل مجرد تغير في حجم الصفائح الجليدية، وإنما يعني انتقال كميات ضخمة من المياه إلى المحيطات، بما يضيف ضغطًا على السواحل والمناطق المنخفضة ويزيد من مخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر.
وتقدم بيانات الأقمار الصناعية، بهذا المعنى، حلقة مهمة تربط بين ارتفاع درجات الحرارة، وفقدان الجليد، وتغير مخزون المياه، وارتفاع مستوى سطح البحر.
وأثبتت مهمة GRACE أن مراقبة هذه التحولات لا تتطلب الاعتماد فقط على القياسات الأرضية، بل يمكن أيضًا «وزن» التغيرات في مياه الكوكب من الفضاء، وهو ما أحدث تحولًا كبيرًا في فهم العلماء لدورة المياه وتأثيرات تغير المناخ.





