لم يعد تغير المناخ أزمة بيئية منفصلة عن الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، بل يتحول تدريجيًا إلى عامل يعيد تشكيل موازين القوى في العالم، من طرق التجارة والطاقة إلى الأمن العسكري والصراعات على الأراضي والمياه والموارد.
ومع تزايد موجات الحر والجفاف والفيضانات والحرائق والكوارث المرتبطة بالمناخ، تتسع تداعيات الاحترار العالمي لتطال استقرار المجتمعات، وقدرات الحكومات، والعلاقات بين الدول، وأمن سلاسل الإمداد، فضلًا عن إعادة تشكيل أهمية بعض المناطق والممرات الاستراتيجية حول العالم.
ويشير باحثون إلى أن تغير المناخ أصبح تحديًا لا يمكن لأي دولة أن تعزل نفسها عنه، ما يفرض تعزيز التعاون والتنسيق عبر الأطر متعددة الأطراف، ومنها الأمم المتحدة ومجموعة العشرين ومنظمة شنغهاي للتعاون.
القطب الشمالي.. جبهة جديدة في صراع الجغرافيا السياسية
في 22 أغسطس 2026، وبينما ظل المرور عبر مضيق هرمز مضطربًا بشدة وسط انخفاض حركة السفن واستمرار التوترات والهجمات، كانت سفينة الحاويات «PanStar Acro» تغادر ميناء بوسان في كوريا الجنوبية متجهة إلى أوروبا عبر مسار شمالي.
المشهد يعكس تحولًا لافتًا في خريطة التجارة العالمية: ففي الوقت الذي تتعرض فيه بعض الممرات البحرية التقليدية لضغوط أمنية وجيوسياسية متزايدة، تفتح التغيرات المناخية المجال أمام طرق بحرية جديدة في القطب الشمالي.
وفي ديسمبر 2025، قال ألكسندر تسيبولسكي، حاكم منطقة أرخانغيلسك الروسية، إن «ممر النقل عبر القطب الشمالي» يمكن أن يوفر خيارًا جديدًا أمام الخدمات اللوجستية العالمية، وأن يسهم في إعادة تشكيل خريطة الملاحة والتجارة الدولية.
ومع تراجع مساحة الجليد البحري في القطب الشمالي بفعل الاحترار العالمي، أصبحت بعض الطرق الشمالية أكثر قابلية للملاحة خلال أجزاء من العام، وهو ما قد يقلل زمن الرحلات بين بعض الموانئ الآسيوية والأوروبية مقارنة بالمسارات التقليدية.
وبحسب ما أوردته وكالة «شينخوا»، استغرقت خدمة سريعة عبر القطب الشمالي عام 2025 نحو 20 يومًا في الرحلة من نينغبو الصينية إلى فيلكستو في المملكة المتحدة، وهي مدة تقترب من نصف زمن الرحلة عبر قناة السويس في المقارنة التي أوردها التقرير.
لكن أهمية القطب الشمالي لا تتوقف عند الملاحة.
فالمنطقة تضم موارد طبيعية ضخمة، ويقدر المسح الجيولوجي الأمريكي أن القطب الشمالي قد يحتوي على نحو 13% من النفط غير المكتشف في العالم، ونحو 30% من الغاز الطبيعي غير المكتشف.
وهكذا، فإن الجمع بين اتساع فرص الملاحة وإمكانية الوصول بصورة أكبر إلى الموارد الطبيعية يدفع القطب الشمالي إلى قلب المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى.
الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وروسيا.. سباق نحو الشمال
تتزايد المؤشرات على تصاعد الاهتمام الاستراتيجي بالقطب الشمالي، ومنذ تولي الإدارة الأمريكية الحالية السلطة، طرحت واشنطن مرارًا مسألة السيطرة الأمريكية على جرينلاند، كما دفعت نحو توسيع أسطول كاسحات الجليد.
وفي فبراير 2026، أعلنت خفر السواحل الأمريكية إتمام منح عقود لبناء 11 سفينة من فئة «Arctic Security Cutters»، على أن تبدأ عملية تسليم السفن، وفق الجدول المعلن، في أوائل عام 2028.
كندا من جانبها كثفت تحركاتها في الشمال. ففي 24 أغسطس، أعلنت أوتاوا استثمار أكثر من 11 مليار دولار كندي لبناء ست كاسحات جليد جديدة لخفر السواحل.
وكانت كندا قد أعلنت في 12 مارس مجموعة من الإجراءات لتعزيز الأمن والتنمية في المناطق الشمالية والقطبية، شملت 32 مليار دولار كندي لتحديث مواقع العمليات الأمامية الشمالية وقاعدة جوس باي، إلى جانب 2.67 مليار دولار كندي لإنشاء مراكز وعقد للدعم العملياتي في الشمال.
وفي أوروبا، عقدت القمة الأوروبية للقطب الشمالي في مدينة روفانييمي الفنلندية يومي 13 و14 سبتمبر، وأكد قادة أكثر من 10 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، في بيان ختامي، تنامي الأهمية الاستراتيجية للمنطقة بالنسبة إلى أمن أوروبا.
وفي 7 سبتمبر، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، خلال زيارة إلى نوك عاصمة جرينلاند، حزمة استثمارية بقيمة 200 مليون يورو، بما يعادل نحو 232 مليون دولار، في إطار شراكة بين الاتحاد الأوروبي وجرينلاند، مؤكدة دعم حضور أوروبي أكبر في جرينلاند والقطب الشمالي.
أما روسيا فتواصل تطوير طريق بحر الشمال والبنية التحتية للموانئ والنقل في القطب الشمالي، بالتوازي مع تنفيذ خطط شاملة لتطوير المنطقة وممر النقل عبر القطب الشمالي حتى عام 2050.
ومع إطالة موسم الملاحة في بعض الطرق القطبية، يمكن أن تتغير الأهمية النسبية للممرات البحرية التقليدية. فقد أشار تسيبولسكي إلى أن ممر النقل عبر القطب الشمالي يمكن أن يوفر بديلًا لطرق تمر عبر مضيق ملقا، بينما أشارت تحليلات أخرى إلى إمكانية أن يصبح الشحن عبر القطب الشمالي خيارًا بديلًا لبعض المسارات التقليدية، ومنها قناة بنما.
من «الدول النفطية» إلى اقتصاد الكهرباء
لا يقتصر التحول الجيوسياسي المرتبط بالمناخ على طرق التجارة، فتغير المناخ وأمن الطاقة يدفعان النظام العالمي للطاقة نحو تحول واسع، مع التوسع السريع في الطاقة المتجددة، والكهرباء، والتقنيات النظيفة.
وتشير تحليلات دولية إلى أن النظام الجيوسياسي الذي تشكل لعقود حول النفط والغاز والفحم يواجه تغيرًا متسارعًا مع صعود الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة.
وفي هذا السياق، بدأ يظهر في الأدبيات الاقتصادية والسياسية مفهوم الانتقال من عصر «الدول النفطية» إلى عصر قد تكتسب فيه «الدول الكهربائية» أو الدول ذات القدرات المتقدمة في إنتاج الكهرباء والتقنيات النظيفة نفوذًا أكبر.
وبذلك، يمكن أن تنتقل المنافسة الاقتصادية تدريجيًا من السيطرة على مصادر الوقود الأحفوري وممراته إلى امتلاك التكنولوجيا، ورأس المال، وسلاسل توريد المعادن والبطاريات، وقدرات إنتاج الطاقة النظيفة، ووضع القواعد المنظمة للاقتصاد منخفض الكربون.
تغير المناخ «مضاعف للتهديدات»
في غرب أفريقيا، تظهر صورة مختلفة لتأثير المناخ على الأمن، في يناير 2025، كان الشاب السنغالي شيخ ديوف، البالغ 18 عامًا، يساعد والده في نقل السماد إلى حقول الأسرة في منطقة تييس بالسنغال، قبل أن يتلقى اتصالًا عاجلًا من زوجة شقيقه يخبره بوقوع مشاجرة بين والده ومجموعة من الرعاة.
وعندما وصل إلى الحقل، وجد والده مقتولًا بضربات ساطور، بينما كان المهاجمون قد فروا.
وبحسب رواية الأسرة التي نقلتها وكالة «أسوشيتد برس»، وقع الخلاف بعد دخول ماشية إلى حقل الكسافا.
ولا تمثل مثل هذه الصراعات ظاهرة جديدة في غرب أفريقيا، إذ لطالما نشبت نزاعات بين المزارعين والرعاة، لكن تغير المناخ يمكن أن يزيد الضغوط التي تغذيها.
ووفق تحليل أجرته «أسوشيتد برس» لبيانات خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ، بلغ متوسط هطول الأمطار السنوي في السنغال خلال السنوات الثلاثين الماضية نحو 27% أقل من مستواه خلال الفترة بين 1951 و1980.
ومع تراجع الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، تتعرض أراضي الرعي لمزيد من الجفاف في الوقت الذي تتوسع فيه الأراضي الزراعية، ما يدفع الرعاة ومواشيهم إلى التحرك لمسافات أكبر بحثًا عن المراعي، ويزيد فرص الاحتكاك بالمزارعين.
ولا يعني ذلك أن تغير المناخ يتسبب بصورة مباشرة في اندلاع الحروب أو الصراعات المسلحة.
وتتعامل الأبحاث في الغالب مع المناخ باعتباره «مضاعفًا للتهديدات»، يتفاعل مع عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية قائمة بالفعل، مثل ضعف المؤسسات، والفقر، وانعدام الأمن الغذائي، والتنافس على الموارد.
الجفاف والغذاء والهجرة.. سلسلة من الضغوط
يمكن للكوارث المناخية والجفاف الشديد أن يؤديا إلى تراجع المحاصيل الزراعية في مناطق عديدة، بينما تؤدي الحروب والتوترات الجيوسياسية إلى تعطيل سلاسل إمداد الغذاء ومدخلات الإنتاج الزراعي.
وعندما يفقد السكان القدرة على الحفاظ على مصادر رزقهم، يمكن أن تزداد المنافسة على الأرض والمياه والموارد الأخرى، كما قد تتزايد الهجرة القسرية.
وفي المناطق الهشة، يمكن لهذه الضغوط أن تضعف قدرة الحكومات والمؤسسات على إدارة الأزمات، وهو ما قد تستفيد منه الجماعات المسلحة في عمليات التجنيد.
لذلك، فإن العلاقة بين المناخ والأمن لا تسير في خط مستقيم، بل عبر شبكة معقدة من التأثيرات المتبادلة بين المناخ والاقتصاد والغذاء والهجرة والحكم والاستقرار السياسي.
تغير المناخ يصل إلى المنشآت النووية والجيوش
تمتد التأثيرات إلى أكثر مجالات الأمن حساسية، ووفق مقال نشره «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي»، يمكن أن يشكل ارتفاع مستوى سطح البحر، والطقس المتطرف، وارتفاع درجات الحرارة تحديات كبيرة أمام الأنظمة النووية والعمليات المرتبطة بها في القواعد العسكرية الأمريكية داخل الولايات المتحدة وخارجها.
واستنادًا إلى تقارير ودراسات متاحة علنًا، أشار المقال إلى الاعتقاد بوجود نحو 100 قنبلة نووية أمريكية من طراز B61 مخصصة للطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية وتقليدية، موزعة على ست قواعد جوية في بلجيكا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وتركيا.
وتواجه المناطق المحيطة بهذه القواعد مخاطر من بينها السيول المفاجئة وحرائق الغابات والحرارة الشديدة.
وضربت المؤسسة مثالًا بقاعدة إنجرليك الجوية في تركيا، التي تعرضت لفيضان مفاجئ عام 2019، عندما غمرت القاعدة 248.9 ملليمترًا من الأمطار خلال يومين.
ورغم أن منشآت تخزين الذخائر التي تضم الأسلحة النووية الأمريكية لم تتأثر بالحادث، أشار التحليل إلى أن فيضانات أكثر شدة يمكن أن تهدد منشآت ذات صلة، كما أن غمر البنية التحتية اللازمة لتشغيل الأسلحة النووية والطائرات القادرة على حملها يمكن أن يجعل بعض المهام العسكرية غير قابلة للتنفيذ.
الجيوش نفسها تحت ضغط الحرارة
لا تقتصر المخاطر على المنشآت العسكرية، فقد حذرت مؤسسة «تشاتام هاوس» من أن ارتفاع درجات الحرارة القياسية، والجفاف، وحرائق الغابات، والفيضانات، وزيادة شدة مواسم الأعاصير والعواصف المدارية يمكن أن تؤدي إلى تراجع أو تدهور قدرات أفراد حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ومعداته وأسلحته وتكتيكاته وبنيته التحتية.
وبحسب مسار الانبعاثات الذي استند إليه التقرير، قد يتعرض أكثر من 400 مليون شخص حول العالم سنويًا بحلول عام 2030 لدرجات حرارة تتجاوز الحد الذي يسمح بالعمل بصورة آمنة.
وقد بدأت آثار الحرارة تظهر بالفعل في العمليات العسكرية، وخلال تدريب عسكري في بولندا عام 2019، تجاوزت درجات الحرارة داخل المركبات المدرعة 40 درجة مئوية، ما منع الجنود من تشغيلها لأكثر من بضع ساعات.
كما تواجه المنشآت العسكرية مخاطر متزايدة من ارتفاع مستوى سطح البحر والطقس المتطرف. واستنادًا إلى بيانات لوزارة الدفاع الأمريكية، قالت «تشاتام هاوس» إن نحو ثلثي القواعد العسكرية الأمريكية معرضة بصورة خاصة لمخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر والظواهر الجوية المتطرفة.
وتواجه مراكز الموانئ الرئيسية التي تدعم الجناح الشرقي للناتو بدورها تهديدات مناخية متزايدة.
المناخ والتنمية والأمن.. ملف واحد
أمام هذه التحديات، تتزايد الدعوات إلى دمج سياسات المناخ والتنمية والأمن بدل التعامل معها كملفات منفصلة.
وتشير دراسات حول تغير المناخ والصراعات العنيفة إلى أن شبكات الأمان الاجتماعي القوية يمكن أن توفر حماية للدخل أثناء الصدمات المناخية، بما يساعد على الحد من مخاطر العنف.
كما تشير الأدلة إلى أن زيادة المشاركة السياسية يمكن أن تؤدي دورًا مهمًا؛ إذ يمكن لإشراك الفئات المهمشة في عملية صنع القرار أن يضعف الصلة بين الصدمات المناخية والعنف.
ويرى تشاو لونغ، الباحث البارز في معاهد شنغهاي للدراسات الدولية، أن تغير المناخ يعيد تدريجيًا تشكيل نموذج المنافسة الاقتصادية.
فالمنافسة التقليدية كانت تتركز بدرجة كبيرة على الموارد الطبيعية، والهياكل الصناعية، ومواقع الدول داخل سلاسل القيمة والإنتاج العالمية.
أما في المستقبل، فإن التحول الأخضر والصناعات منخفضة الكربون المرتبطة بالمناخ قد تدفع المنافسة الاقتصادية نحو سباق أكثر شمولًا، يجمع بين الموارد والتكنولوجيا ورأس المال والقواعد المنظمة للاقتصاد العالمي.
من أزمة بيئية إلى إعادة تشكيل للنظام العالمي
تكشف هذه التحولات أن تغير المناخ لم يعد مجرد ملف يتعلق بخفض الانبعاثات أو حماية النظم البيئية، بل أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة بمستقبل التجارة والطاقة والأمن والغذاء والهجرة والتنمية.
ذوبان الجليد يفتح طرقًا بحرية جديدة، لكنه في الوقت نفسه يزيد التنافس على القطب الشمالي وموارده.
والجفاف لا يعني فقط نقص المياه والمحاصيل، بل يمكن أن يفاقم النزاعات المحلية ويزيد حركة الهجرة والضغط على الحكومات.
والحرارة الشديدة لا تهدد صحة المدنيين فحسب، بل يمكن أن تحد من قدرة الجنود والمعدات العسكرية على العمل.
أما تحول الطاقة فيعيد توزيع أهمية الموارد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، وقد يغير طبيعة النفوذ الاقتصادي للدول.
ومن ثم، فإن إدارة المناخ والأمن والتنمية أصبحت مترابطة بصورة يصعب معها معالجة أي منها بمعزل عن الآخر.
ويطرح هذا الواقع الحاجة إلى إطار متكامل لـ«المناخ والتنمية والأمن»، يربط أمن الطاقة والغذاء والمياه وسلاسل الإمداد والهجرة والتنمية، ويحول التعامل مع تغير المناخ من استجابة بيئية منفردة إلى جزء من منظومة أوسع لإدارة المخاطر العالمية.
