“عصر الدولة المحتالة”.. كيف تحوّل الاحتيال الإلكترونى إلى اقتصاد موازٍ فى جنوب شرق آسيا؟
خبراء: دول فى جنوب شرق آسيا أصبحت تعتمد اقتصاديًا على «مصانع الاحتيال».. 70 مليار دولار عالميا
شهدت المنطقة تفجيرات هائلة أنهت وجود “KK بارك”، أحد أكثر مراكز الاحتيال شهرة في جنوب شرق آسيا. قبل الانفجارات، كان مجمع الأعمال قد بدأ في الإخلاء تدريجيًا، وعندما انفجرت القنابل كانت المباني فارغة؛ فقد سقطت مكاتب بلا موظفين، وتهاوت قاعات طعام متعددة الثقافات لا يرتادها أحد، وتحوّل مستشفى من أربعة طوابق إلى ركام، بجانب مجمعات كاريوكي وصالات رياضية وغرف نوم خالية.
كان ذلك المشهد بمثابة إعلان من المجلس العسكري في ميانمار عن نهاية واحد من أكبر مراكز الاحتيال، الذي احتُجز داخله عشرات الآلاف ممن أُجبروا على تنفيذ عمليات خداع رقمية تستهدف ضحايا حول العالم.
لكن مشغلي المركز كانوا قد غادروه بالفعل، بعد أن وصلتهم أنباء عن حملة مرتقبة، فسارعوا إلى إنشاء مواقع جديدة.
وتمكن أكثر من ألف عامل من الفرار عبر الحدود، بينما اعتُقل نحو ألفي شخص، في حين اختفى ما يصل إلى عشرين ألف عامل يُرجح أنهم تعرضوا للاتجار والانتهاكات.
وخارج عدسات الإعلام، واصلت مراكز الاحتيال عملها وازدهارها.

الاحتيال الرقمي من حلقات صغيرة إلى منظومة اقتصادية واسعة
تحوّلت صناعة الاحتيال، التي تحقق أرباحًا بمليارات الدولارات، إلى ظاهرة متجذرة لدرجة دفعت خبراء إلى وصف المرحلة الحالية بـ“عصر الدولة المحتالة”.
يشير المصطلح إلى دول سمحت لنشاط غير مشروع بالتغلغل داخل مؤسساتها لدرجة إعادة تشكيل اقتصادها وسياساتها، على غرار مفهوم “الدولة المخدِّراتية”.
رغم الحملات التي تعلنها ميانمار ودول أخرى في جنوب شرق آسيا ضد مراكز الاحتيال، يؤكد محللون أن معظمها مجرد استعراض سياسى يطال صغار اللاعبين، بينما تظل البنية الضخمة لهذه الصناعة بعيدة عن المساس، نظرًا للعائدات الهائلة التي تدرّها.
ويشبّه أحد الخبراء هذا النهج بلعبة “اضرب الخلد” ولكن دون رغبة حقيقية في إصابة الهدف.
خلال السنوات الخمس الماضية، تطور الاحتيال الرقمي من حلقات صغيرة إلى منظومة اقتصادية واسعة تديرها شبكات إجرامية عابرة للحدود.
ويصف باحثون هذه الصناعة بأنها أصبحت محركًا اقتصاديًا وسياسيًا رئيسيًا في منطقة الميكونغ، إذ تمثل نسبة كبيرة من إجمالي الناتج المحلي لبعض الدول.

ترسيخ نفوذها داخل مؤسسات الدولة
وتؤكد مصادر متعددة أن استثمارات الاحتيال الضخمة جعلت هذه الشبكات قادرة على ترسيخ نفوذها داخل مؤسسات الدولة، حتى وصل أفراد منها إلى مناصب استشارية أو سياسية رفيعة.
وتظهر الوقائع أن بعض المسؤولين تورطوا في تقديم غطاء لهذه العمليات، بينما اكتسب بعض المتهمين بالاحتيال مكانة ونفوذًا رسميين.
تستند هذه الصناعة إلى “احتيالات تسمين الخنزير”، حيث تُبنى علاقة افتراضية طويلة مع الضحية، قبل دفعه إلى الاستثمار في عملات رقمية أو منصات وهمية.
وقد استفاد المحتالون من تطور التكنولوجيا واستخدام الذكاء الاصطناعي للترجمة والمحادثات، وتقنيات التزييف العميق لعقد مكالمات فيديو، ومواقع إلكترونية مزورة تحاكي المنصات الاستثمارية الحقيقية.
وتشير الإحصاءات إلى أن متوسط خسارة الضحية الواحدة يصل إلى 155 ألف دولار، مع فقدان معظمهم أكثر من نصف ثرواتهم.
حجم صناعة الاحتيال عالميا
بلغت تقديرات حجم هذه الصناعة عالميًا ما بين 70 مليار دولار ومئات المليارات، ما يضعها في مصاف تجارة المخدرات من حيث الإيرادات غير المشروعة.
وفي عام 2024 وحده، حققت عمليات الاحتيال الإلكتروني في دول الميكونج نحو 44 مليار دولار، بما يعادل 40% من اقتصاد المنطقة الرسمي.
وتحتوي دول مثل لاوس وكمبوديا على مئات المجمعات الضخمة التي تعمل في العلن داخل مناطق حدودية تفتقر للرقابة أو تشهد صراعات، وقد رصدت منظمات مراقبة الاحتيال 253 موقعًا مشتبهًا به في كمبوديا وحدها.
ويرى الخبراء أن الحجم الهائل لهذه البنية يشير إلى مستوى عالٍ من التواطؤ والاختراق داخل الدولة، إذ تعمل بعض المجمعات في أماكن ظاهرة يمكن الوصول إليها بسهولة، دون خوف من المساءلة.
وأسفرت التحقيقات عن استقالات ومحاكمات لمسؤولين في تايلاند والفلبين ودول أخرى، ما يعكس مدى انتشار الفساد وعمق الروابط بين المحتالين ومؤسسات الحكم.
ويحذر الباحثون من أن هذا المشهد غير مسبوق: صناعة إجرامية عالمية تعمل علنًا، وتسبب أضرارًا واسعة، بينما تتعامل معها بعض الحكومات بوصفها مصدرًا رئيسيًا للدخل أو النفوذ، لا خطرًا يستوجب القضاء عليه.






I’ll be sharing this with a few friends.