عصر الأزمات المتعددة.. لماذا أصبحت الأزمات المتعددة هي القاعدة لا الاستثناء؟
العالم في قبضة الكوارث المتسلسلة.. العلماء يحذرون من "الطبيعي الجديد"
من جائحة كوفيد-19 إلى الفيضانات المفاجئة وحرائق الغابات المميتة، نادرًا ما تحدث الكوارث في فراغ، وقد أكدت مجموعة من الباحثين في جامعة نورث إيسترن هذه النقطة في دراسة جديدة.
يقول دانييل ألدريتش، أستاذ في جامعة نورث إيسترن ومدير برنامج دراسات المرونة في الجامعة، والمدير المشارك لمعهد المرونة العالمية: “نحن في عصر جديد من الكوارث والصدمات، والمصطلحات القديمة التي كنا نستخدمها حتى الآن لا تعكس حقًا مدى التحول الذي شهدناه”.

رغم ظهور مفهوم “الأزمة المتعددة” – وهو تلاقي كوارث متعددة ومترابطة – لأول مرة في أوائل سبعينيات القرن الماضي، فإنه اكتسب معنىً جديدًا في أعقاب جائحة كوفيد-19 وحرب روسيا في أوكرانيا.

أدت الأزمتان إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وتفاقم أزمة غلاء المعيشة، وتسببتا في نقص واسع النطاق في الإمدادات.
تشكل الكوارث مثل الأوبئة والحروب تحديات مستقلة بحد ذاتها، إلا أن النظر إليها باعتبارها تطورات مترابطة أو متزامنة أصبح أكثر شيوعًا، وغالبًا ما تُقاس شدتها الحقيقية ليس فقط من خلال آثارها المباشرة، بل أيضًا عبر التأثيرات المتسلسلة التي تطلقها على الأنظمة المختلفة.
“حلول متعددة”
في نتائج نشرت في مجلة “الاستدامة العالمية”، يشرح ألدريتش وزملاؤه مفهوم الأزمة المتعددة، ويجادلون بأن لحظة الكوارث المترابطة قد بدأت، ويجب على العلماء وصناع السياسات والحكومات أن يركزوا على إيجاد “حلول متعددة” لهذا النمط المعقد من التحديات.

يقول ألدريتش: “إن ما نراه الآن عند رصد هذه الكوارث هو أنها مرتبطة بسلسلة من الأحداث والمشكلات الأكبر، سواء كنا نتحدث عن حرائق غابات متعددة تحدث في وقت واحد، أو عن أزمة قطاع التأمين، أو ارتفاع أسعار الرهن العقاري في البلاد”.
ويضيف: “قد نواجه، على سبيل المثال، جائحةً وإعصارًا في الوقت نفسه الذي تُخفّض فيه الحكومة ميزانية الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ. هذا التراكب يصنع ما يُعرف بالأزمة المتعددة”.
ويستشهد الباحثون بأمثلة بارزة، منها تفشي الجراد الصحراوي في أجزاء من أفريقيا جنوب الصحراء في عام 2020، الذي تزامن مع انعدام الأمن الغذائي الناتج عن اضطرابات سلاسل التوريد بسبب الجائحة.
وفي الوقت ذاته، تسببت الحرب في أوكرانيا في ارتفاع أسعار الخبز عالميًا، نتيجة نقص نحو 30 مليون طن من الحبوب، مما فاقم المجاعة في مناطق أفريقية تعتمد على صادرات أوكرانيا.
ويشير ألدريتش إلى أن “المجتمعات الأفريقية عانت من الجوع لأن روسيا كانت تحاصر السفن الأوكرانية التي تحاول مغادرة الموانئ”.

أزمة متعددة الأبعاد
ويؤكد ألدريتش أن عقودًا من التطور في أبحاث الكوارث، إلى جانب توسع الوصول إلى البيانات، وتغير البيئة التشغيلية، قد غيرت الطريقة التي ننظر بها إلى الأزمات.
ويستشهد بزلزال ألاسكا عام 1964، الأقوى في تاريخ أمريكا الشمالية، كمثال على كارثة كانت تُعتبر سابقًا مستقلة، أما اليوم فتُصنّف كأزمة متعددة الأبعاد.

ويكتب الباحثون أن الترابط المتزايد بين الأنظمة الاجتماعية – إلى جانب “الدمار البيئي المتسارع وغير القابل للعكس، وفقدان التنوع البيولوجي، والضغوط البيئية” – يجعل من المرجح أن تتحول الاضطرابات المحلية إلى كوارث عالمية.
“ما كان في الماضي يُعد مجرد اضطراب محلي – مثل غزو عسكري، أو جفاف إقليمي، أو تفشي مرض محدود – يمكن أن يتحول اليوم إلى كارثة عالمية كبرى”، كما كتبوا.
ويحذر الباحثون من أن التغير المناخي الناتج عن النشاط البشري يزيد من وتيرة الكوارث الطبيعية وشدتها، ما يعمق ترابط الأزمات، ويُبرز ضعف وتيرة الاستجابة العالمية.
ويقول ألدريتش: “إن الطرق التقليدية للتفكير في الأزمات لم تعد تنجح، ويجب أن نعيد النظر في مفاهيمنا القديمة”.





