نشرت دورية الشؤون الخارجية أمس مقالا تحذيريا لصناع القرار في الولايات المتحدة من خطر قيام بوتين بفتح جبهة جديدة في أوروبا لتخفيف الضغط عن قواته في أوكرانيا وحماية ما حققه من مكاسب على الأرض.
يستهل المقال تتبعه للأحداث بأنه قبيل اشتعال الحرب في غزة كان الإعلام الغربي يتابع محاولة روسيا فتح جبهة جديدة في عقر دار أوروبا، حين بدأت قوات من جمهورية صربيا الاحتشاد على حدود كوسوفو.
سرد المقال الأحداث مشيرا إلى أنه في نهاية سبتمبر الماضي نشرت صربيا أسلحة متقدمة على حدودها مع كوسوفو، فيما اعتبر واحداً من أكبر عمليات التعزيز العسكري الصربي منذ نهاية حرب كوسوفو قبل ربع قرن.
وقد دعى ذلك المتحدث باسم مجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة إلى وصف ما يجري في صربيا بأنه عملية “غير مسبوقة للمدفعية والدبابات ووحدات المشاة الآلية الصربية المتقدمة”.
وترتب على ذلك أن اتصل وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بالرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش للمطالبة بـ”وقف التصعيد الفوري”.
غير أن الحرب في غزة صرفت الأنظار عن “جبهة بوتين الجديدة” في البلقان.
من جانبها رأت صربيا أن هذا التصرف لا علاقة له بغزة ولا روسيا بل هو رد فعل على ما تتعرض له الأقلية الصربية من اضطهاد في كوسوفو التي يعيش فيها 90 % من الألبان المسلمين.
ما تزال كل من موسكو وصربيا تذكران أن هذا الوضع تشكل بعد قيام حلف شمال الأطلسي بقصف صربيا ومنح كوسوفو الاستقلال الفعلي عن بلغراد في حرب 1998-1999 دون أن تعترف روسيا بهذه الدولة.
واحتفظ حلف الأطلسي بقوة حفظ سلام صغيرة منذ ذلك الوقت.
الأقلية الصربية في كوسوفو على الحدود بين الدولتين تقوم بأعمال توتر وقلق وتستهدف شرطة كوسوفو فترد عليها الشرطة باشتباك فوري، مما يمهد الأوضاع لاشتعال حرب عرقية ودينية جديدة في المنطقة.
يزعم التقرير أن رئيس الوزراء الصربي الحالي يهدف إعادة احتلال شمال كوسوفو وضمها لصربيا.
تقوم مخاوف أوروبا من هذا الوضع من ثلاثة أسباب:
• أن موسكو تمد بلجراد بالسلاح والطاقة وتعلن مرارا دعمها لحفظ وسيادة وسلامة أراضي صربيا
• أن روسيا ترى في الصرب أبناء العمومة والعرق والدين وتحول دون حصول كوسوفو على عضوية الأمم المتحدة.
أخذا في الاعتبار أن كوسوفو منذ إعلان استقلالها عن صربيا في عام 2008 لم تحصل سوى على اعتراف 102 عضوا من إجمالي 193 عضوا في الأمم المتحدة.
• أن روسيا تريد فتح جبهة جديدة لمناوشة حلف الناتو، وإضعاف قواته وصرفه عن معركة أوكرانيا.
ويتمتع الرئيس الصربي الحالي فوتشيتش -الذي تولي السلطة منذ 2017 – بتواصل مباشر مع بوتين، وهو لم يأت فجأة إلى المسرح فقد بدأ سلم الصعود القومي المتطرف وزيرا للإعلام في عهد الرئيس الصربي سلوبودان ميلوسيفيتش الذي ارتكب جرائم حرب وإبادة ضد السكان المسلمين من ألبان كوسوفو.
وجدير بالذكر أن سلوبودان ميلوسيفيتش اعتقلته المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي ضد البوسنيين والكروات خلال حروب الاستقلال عن يوغسلافيا علاوة على الجرائم المشابهة التي ارتكبها في كوسوفو، تم اعتقاله في يونيو 2001 وأرسل إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا وقد مات في السجن في 2006 قبيل إصدار الحكم عليه.
ما لا يقوله تقرير دورية الشؤون الخارجية أن بوتين حين تولى السلطة في عام 2000 كان شاهد عيان على أن هجوم حلف شمال الأطلنطي على الصرب ودعم انفصال كوسوفو هو أحد الخسائر الكبرى لخريطة ونفوذ روسيا في جنوب شرق أوروبا.
وينتمي بوتين لمدرسة رئيس الوزراء الأسبق يفجيني بريماكوف، الذي كان يرى أن تدمير يوغسلافيا في 1999وزرع حلف الناتو قواته في أراضيها تحت شعار حماية المسلمين هو أكبر ضربة لروسيا التي كانت تعيش في عشرية بالغة الارتباك السياسي والاقتصادي إثر تفكك الاتحاد السوفيتي وضعف بوريس يلتسين وتبعيته للغرب وواشنطن.
من الوارد أن تكون أخبار كوسوفو تسخين إعلامي غربي ضد روسيا ومن الوارد أن تكون حقا بداية لسلسلة من مشاغبات وإضرام النيران تزرعها روسيا في مناطق مختلفة من العالم لزعزعة هيمنة الولايات المتحدة وصرفها عن المجهود الحربي في أوكرانيا، وهي المحاولة التي حققت نجاحا منذ اشتعال الموقف في غزة والذي ترتب عليه:
- إرباك للغرب وتشتيت نظره عن أوكرانيا وتعطيل تسليحها مؤقتا
- خسائر بشرية واقتصادية لإسرائيل
- كارثة إنسانية مروعة للسكان المدنيين من أهل غزة، ممن يتعرضون لجرائم حرب دون أية محاسبة من أية محاكم دولية.
نقلا عن صفحة د.عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك






