ضوء أزرق بسيط قد يجعل الدجاج النيئ أكثر أمانًا.. ويقضي على بكتيريا مقاومة للمضادات
بدون كيماويات.. ضوء أزرق منخفض الطاقة يواجه أخطر بكتيريا الدجاج النيئ.. نتائج واعدة ضد 64 سلالة بكتيرية
قد يفتح الضوء البنفسجي الأزرق منخفض الطاقة طريقًا جديدًا للحد من تلوث الدجاج النيئ ببكتيريا كامبيلوباكتر (Campylobacter)، وهي من أكثر مسببات التسمم الغذائي البكتيري شيوعًا في العالم.
وأظهرت اختبارات مخبرية أن ضوءًا صادرًا عن صمام ثنائي باعث للضوء (LED) منخفض الطاقة، بطول موجي يبلغ 405 نانومترات، تمكن من خفض أعداد 64 سلالة مختلفة من كامبيلوباكتر بنسبة لا تقل عن 99%.
ونُشرت الدراسة في مجلة Microbiology.
وشملت الاختبارات سلالات مقاومة لعدة أنواع من المضادات الحيوية، لكن مقاومتها للأدوية لم تجعلها أكثر قدرة على تحمل الضوء.
والأكثر إثارة للاهتمام أن تعريض إحدى السلالات للضوء 15 مرة متتالية لم يجعل البكتيريا أكثر مقاومة للعلاج الضوئي.
وأُجريت التجارب في المختبر، ولم تُختبر التقنية حتى الآن على دجاج ملوث طبيعيًا داخل مصنع تجهيز حقيقي، لذلك لا تزال هناك حاجة إلى تجارب إضافية قبل معرفة مدى فاعليتها في خطوط إنتاج الدواجن.
وأجرى البحث فينلاي بيمبريدج وزملاؤه في مختبر أيدان تايلور بجامعة ريدينغ في المملكة المتحدة، بالتعاون مع فريق صمويل كونلي في وكالة صحة الحيوان والنبات البريطانية.
لماذا يمثل الدجاج النيئ مصدرًا للقلق؟
تُعد كامبيلوباكتر من أكثر البكتيريا المسببة للتسمم الغذائي شيوعًا على مستوى العالم، وترتبط معظم الإصابات البشرية بالدواجن.
وفي المملكة المتحدة، سُجل نحو 70 ألف حالة مؤكدة مخبريًا خلال عامي 2024 و2025، وهي أعلى أعداد مسجلة حتى الآن. ونظرًا لأن كثيرًا من حالات الإصابة لا تصل إلى أنظمة الرصد الصحي، يُعتقد أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر بنحو عشرة أضعاف.
ويُقدَّر أن نحو ثلثي الدجاج النيئ المباع في المتاجر البريطانية ملوث بالبكتيريا.
وتسبب معظم الإصابات أعراضًا معوية تستمر نحو أسبوع، وقد تشمل الإسهال الدموي، بينما تحتاج نسبة من الحالات إلى دخول المستشفى.
لكن الخطر الأساسي لا يرتبط بتناول الدجاج بعد طهيه جيدًا، إذ تؤدي درجات الحرارة المناسبة أثناء الطهي إلى قتل البكتيريا، وإنما يرتبط بصورة كبيرة بالتعامل مع اللحوم النيئة وانتقال البكتيريا إلى الأسطح والأدوات والأطعمة الأخرى.
ولهذا ينصح الباحثون بعدم استخدام الأدوات أو ألواح التقطيع نفسها التي لامست الدجاج النيئ مع الأطعمة الجاهزة للأكل، وغسل اليدين جيدًا بعد التعامل معه.
كما يحذرون من غسل الدجاج النيئ بالماء، لأن رذاذ الماء يمكن أن ينقل البكتيريا إلى مناطق واسعة حول حوض المطبخ.

كيف يقتل الضوء الأزرق البكتيريا؟
يعمل الضوء المستخدم في الدراسة عند طول موجي يبلغ 405 نانومترات، وهو يقع في الطرف البنفسجي من نطاق الضوء المرئي، وقريب من الأشعة فوق البنفسجية، لكنه ليس أشعة فوق بنفسجية.
ويستهدف الضوء جزيئات معينة داخل خلايا بكتيريا كامبيلوباكتر، حيث تمتص هذه الجزيئات الضوء وتحوّله إلى أشكال شديدة التفاعل من الأكسجين.
وتحتوي البكتيريا على كميات مرتفعة بصورة غير معتادة من أحد هذه الجزيئات، وهو مركب تحتاج إليه الخلية في تصنيع الهيم، كما تعتمد على إنزيمات أساسية للحياة يمكن أن تتضرر بسهولة بفعل الأكسجين التفاعلي.
وكان فريق البحث قد حدد هذا الضعف في دراسة سابقة عام 2022 باستخدام سلالات مخبرية من البكتيريا.
لكن السؤال الذي بقي مطروحًا هو: هل تستجيب السلالات المتنوعة الموجودة في مزارع الدواجن بالطريقة نفسها؟
جميع السلالات الـ64 تأثرت بالضوء
اختبر الباحثون 64 سلالة جُمعت خلال برامج الرصد الوطني للدواجن في المملكة المتحدة بين عامي 2008 و2024.
وجاءت العينات من أمعاء الدجاج، ومزارع دجاج التسمين، والديوك الرومية.
وشملت المجموعة ثلاث أنواع من كامبيلوباكتر: 43 سلالة من C. jejuni، و14 من C. coli، و7 من C. lari ، وعرّض الباحثون كل سلالة لثلاثة مستويات من جرعة الضوء.
وكانت النتيجة واضحة: كلما زادت الجرعة، انخفض عدد البكتيريا الحية.
وعند أعلى جرعة مستخدمة، انخفضت أعداد البكتيريا في جميع السلالات بنسبة لا تقل عن 99%، بينما تجاوز الانخفاض 99.99% في 44% من السلالات.
ولم يظهر نوع من الأنواع الثلاثة قدرة أكبر على مقاومة الضوء مقارنة بالأنواع الأخرى.
وفي بعض الاختبارات الزمنية، لم يتمكن الباحثون من اكتشاف أي بكتيريا حية بعد 15 دقيقة من التعرض لإعداد الضوء الأقوى.
كما لم يجد الفريق ما يسمى الخلايا المستديمة أو الكامنة (persister cells)، وهي مجموعات صغيرة من البكتيريا تدخل في حالة خمول ويمكنها أحيانًا النجاة من جرعات كبيرة من المضادات الحيوية.

حتى السلالات المقاومة للمضادات لم تصمد
من أبرز نتائج الدراسة أن مقاومة المضادات الحيوية لم تمنح البكتيريا أي ميزة أمام الضوء.
فمن بين السلالات الـ64، كانت 40 سلالة مقاومة للمضاد الحيوي سيبروفلوكساسين، بينما أظهرت 36 سلالة مقاومة للتتراسيكلين.
كما أظهرت 11 سلالة مقاومة لإرتابينيم، وهو نوع من المقاومة التي بدأت تنتشر في دواجن المملكة المتحدة منذ بدء مراقبتها عام 2022.
ومع ذلك، لم يختلف تأثير الضوء على السلالات المقاومة للمضادات عن تأثيره على السلالات الحساسة.
كما لم تصبح البكتيريا التي نمت في وجود جرعات منخفضة من سيبروفلوكساسين، والتي قد تحفز بعض آليات الدفاع لديها، أكثر قدرة على مقاومة الضوء.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة مع استمرار ارتفاع مقاومة كامبيلوباكتر للمضادات الحيوية في قطاع الدواجن البريطاني، رغم انخفاض مبيعات المضادات الحيوية المستخدمة مع دجاج التسمين بنسبة 77% منذ عام 2014.
لماذا لم تتطور مقاومة للضوء؟
تختلف آلية الضوء عن طريقة عمل العديد من المضادات الحيوية، فقد تكون طفرة واحدة في جين معين كافية في بعض الحالات لمنح بكتيريا كامبيلوباكتر مقاومة لمضاد حيوي مثل سيبروفلوكساسين.
أما الضوء فيؤثر في أجزاء متعددة من الخلية في الوقت نفسه، ما يجعل تطور مقاومة قوية له أكثر تعقيدًا.
ولاختبار ذلك، اختار الباحثون سلالة من الدواجن ذات حساسية متوسطة للضوء، وقسموها إلى ثلاثة خطوط منفصلة.
وعرّضوا كل خط للضوء 15 مرة متتالية، مع إعادة زراعة البكتيريا التي نجت من كل جولة قبل تعريضها للجولة التالية.
وفي كل مرة، قتل الضوء نحو 99.9% من البكتيريا، لكن بعد الجولات الـ15 لم تصبح أي من السلالات الثلاث أكثر مقاومة من السلالة الأصلية.
ومع ذلك، لا يستبعد الباحثون احتمال تطور المقاومة بصورة كاملة، إذ اختُبرت سلالة واحدة فقط في تجربة التعرض المتكرر، ولذلك يرون أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسة.
من المختبر إلى مصانع الدواجن
يعتقد الباحثون أن التقنية يمكن أن تكون مناسبة مستقبلًا لمعالجة ذبائح الدواجن في مصانع تجهيز اللحوم بعد الذبح.
ومن مزاياها أنها لا تحتاج إلى مواد كيميائية ولا تتطلب ملامسة الطعام، كما أن مصابيح LED منخفضة استهلاك الطاقة ويمكن أن تعمل لفترات طويلة.
وتشير الدراسة إلى أن الدجاج يُعد شديد التلوث عندما يتجاوز تركيز البكتيريا على الجلد نحو 1000 بكتيريا لكل جرام.
وفي مسح أُجري عام 2023، تجاوزت هذه العتبة نحو 10% من عينات الدجاج المباع في المتاجر البريطانية.
ولو أدى العلاج الضوئي إلى خفض البكتيريا بمقدار 100 مرة، فقد تنخفض نسبة العينات التي تتجاوز هذه العتبة إلى نحو 2%، مقارنة بهدف وكالة معايير الغذاء البريطانية البالغ 7%.
لكن الانتقال من المختبر إلى خطوط الإنتاج يمثل تحديًا كبيرًا، فبعض مصانع تجهيز الدواجن تتعامل مع أكثر من 10 آلاف طائر في الساعة، ما يترك وقتًا محدودًا جدًا لتعريض كل ذبيحة للضوء بالجرعة المطلوبة.
كما يمكن للبكتيريا الموجودة في مناطق يصعب وصول الضوء إليها على جلد الدجاج، أو الموجودة داخل الأغشية الحيوية اللزجة على أسطح معدات المصانع، أن تحصل على قدر من الحماية من الضوء.
هل يصبح الضوء الأزرق حلًا عمليًا؟
حتى الآن، لم تُختبر التقنية على دجاج ملوث طبيعيًا في مصنع يعمل بكامل طاقته، ولذلك لا يمكن افتراض أن الانخفاض البالغ 99% الذي تحقق في المختبر سيتكرر بالضرورة بالدرجة نفسها على خط إنتاج سريع.
كما لا يزال يتعين تحديد أفضل طريقة لتوزيع الضوء والجرعة المطلوبة ومدة التعرض، ومدى قدرة الضوء على الوصول إلى البكتيريا الموجودة في الشقوق والأسطح غير المكشوفة.
ويرى الباحثون أن بساطة التقنية وقابليتها للتكيف قد تسمح باستخدامها في مراحل مختلفة من سلسلة إنتاج الأغذية، لكن إثبات فعاليتها وسلامتها في ظروف التصنيع الفعلية سيكون خطوة أساسية قبل استخدامها على نطاق تجاري.
وتشير النتائج الحالية إلى أن الضوء البنفسجي الأزرق يمثل أداة واعدة للحد من تلوث الدواجن ببكتيريا كامبيلوباكتر، بما في ذلك السلالات المقاومة للمضادات الحيوية، لكنه لا يمثل حتى الآن بديلًا مثبتًا لإجراءات سلامة الغذاء أو الطهي الجيد.





