د. ضحى عبد الحميد: مصر في عين العاصفة .. الجيوسياسة والاقتصاد ورهان المواطن في زمن الحرب وما بعدها
الخبير الاقتصادي الدولي
مقدمة: حين يتحرك التاريخ فجأة
كان الصيّاد المصري العجوز يُرتّب شباكه على رصيف ميناء السويس في فجر أحد أيام 2025، حين لاحظ أن عدد السفن العابرة بات أقل مما اعتاده منذ عقود.
لم يكن يعلم أن ما يراه ليس تقلبات موسمية عابرة، بل هو صدى زلزال جيوسياسي تتشكّل تداعياته على بُعد آلاف الأميال، في خضم حرب تدور بين واشنطن وتل أبيب وطهران وتُعيد رسم خريطة العالم من تحت أقدامنا.
لم يشهد النظام الدولي في العقود الأخيرة اضطراباً بهذا الحجم؛ حرب تجاوزت حدود المنطقة المشتعلة لتُلقي بظلالها الثقيلة على دولة بعيدة جغرافياً عن ميادين القتال، لكنها موصولة بأوردته الاقتصادية والجيوسياسية اتصالاً عضوياً وثيقاً.
تلك الدولة هي مصر — صاحبة الـ 106 ملايين نسمة، والتي تقف اليوم في مفترق طرق يستدعي استحضار كل طاقاتها، بما فيها تلك الطاقات المُهدرة والمُعطَّلة منذ سنوات.
أولاً: الزلزال الجيوسياسي — قراءة في الخريطة الجديدة
ثلاثة مستويات لحرب واحدة
تختلف هذه الحرب عن سابقاتها في أنها تعمل في آنٍ واحد على ثلاثة مستويات متشابكة لا يمكن فهم أحدها بمعزل عن الآخرين:
– المستوى الأول — العسكري المباشر : ضربات تمتد من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، مما يُهدد ممرات تمر عبرها ما يزيد على 12% من إجمالي التجارة العالمية، وما يقارب 30% من حركة حاويات الشحن الدولي.
– المستوى الثاني — الاقتصادي الحربي: منذ بدء التصعيد، ارتفعت أسعار النفط الخام بما يتراوح بين 25 و40%، وقفزت تكاليف الشحن البحري إلى أرقام لم تُشهد منذ ذروة جائحة كوفيد عام 2021، حين بلغ سعر نقل الحاوية الواحدة قرابة 10,000 دولار مقارنة بـ 1,500 دولار في الأوقات الاعتيادية.
– المستوى الثالث — الجيوسياسي الممتد: إعادة رسم خرائط التحالفات الإقليمية وصعود أدوار جديدة، وتراجع أخرى، في منظومة أمنية إقليمية كانت أصلاً هشّة قبل اندلاع الحرب.
ثانياً: التداعيات الاقتصادية على مصر — حين تدفع ثمن حرب لم تخُضها
قناة السويس: الشريان المكلوم
تخيّل أن دخلك الشهري انخفض بنسبة 40 إلى 60% فجأة دون أن ترتكب خطأً واحداً. هذا تقريباً ما تعيشه مصر مع قناة السويس.
القناة التي اعتادت أن توفر ما بين 8 و10 مليارات دولار سنوياً — أي ما يوازي قرابة 2% من الناتج المحلي الإجمالي — باتت تُعاني من تحوّل كبرى شركات الشحن العالمية إلى مسار رأس الرجاء الصالح هرباً من مخاطر البحر الأحمر.
الرحلة عبر هذا المسار البديل تضيف ما بين 10 و14 يوماً على الرحلة، وتُضاعف تكاليف الوقود، لكن المقابل — في نظر شركات الشحن — يبدو أقل خطورة من العبور تحت تهديد الصواريخ.
السياحة: حلم يتأجّل من موسم لآخر
السياحة قطاع يوظّف مباشرة وبشكل غير مباشر ما يقارب 3.5 مليون مصري، ويُسهم في ظروف الاستقرار بنحو 10 إلى 12% من الناتج المحلي.
غير أن حالة الاضطراب الإقليمي تُعيد إنتاج مشهد مؤلم: إلغاءات جماعية، وتراجع في الحجوزات، وفنادق تعمل بطاقة لا تتجاوز 50% في الأوقات التي كانت تضجّ بالزوار.
فاتورة الواردات: الحساب الذي لا يتوقف
مصر دولة تستورد ما يزيد على 70% من احتياجاتها من القمح، وتعتمد على أسواق دولية لتأمين جزء من احتياجاتها من البترول المكرر.
مع ارتفاع أسعار النفط عالمياً، تتضخم فاتورة دعم الطاقة التي تُثقل الموازنة العامة، وتنعكس على التضخم الذي بلغ في ذروته عام 2023 ما يقارب 38% — ولا يزال عبئه الثقيل حاضراً في جيوب المصريين.
التحويلات: الرافد الذي لا يُذكر كما يجب
يُرسل المصريون العاملون في الخارج — ويبلغ عددهم نحو 10 ملايين مواطن — ما يتراوح بين 22 و28 مليار دولار سنوياً، وهو رقم يفوق إيرادات قناة السويس والسياحة معاً.
أي اضطراب في استقرار دول الخليج يمسّ هذا الرافد الحيوي مباشرةً، ويضع الأسر المُعتمِدة عليه في قلب الأزمة.
ثالثاً: المواطن المصري — بين شقي الرحي
ما قبل الحرب: جراح لم تلتئم بعد
لفهم ما تعنيه هذه الحرب للمواطن المصري، لا بد من الوقوف عند حاله قبلها.
منذ عام 2022 ومع تداعيات موجة كوفيد-19، تراكمت على المصريين موجات ضغط متتالية:
- معدل تضخم تخطّى حاجز 38% في 2023، وأجهز على مدخرات الطبقة المتوسطة.
- تراجع قيمة الجنيه بما يزيد على 50% خلال مرحلتي التعويم.
- ارتفاع أسعار الخبز والسكر والزيت بنسب تتراوح بين 60 و120 % بحسب السلعة.
- أكثر من 30% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر وفق آخر تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء.
ما أضافته الحرب: ثقل فوق ثقل
جاءت الحرب لتضيف إلى الجرح القديم جراحاً جديدة:
• ارتفاع إضافي في أسعار السلع المستوردة يتراوح بين 15 و25%.
• اضطراب في سلاسل إمداد الصناعات المصرية المعتمدة على مواد خام مستوردة.
• انكماش في ثقة المستهلك وتراجع الطلب المحلي، مما يُضعف عجلة الاقتصاد من الداخل.
• ضبابية مستقبلية تُربك كل حساب، من الميزانية الأسرية الصغيرة إلى خطط التوسع في الشركات الكبرى.
رابعاً: الأسواق المصرية في مواجهة العاصفة
حين تصنع الأسواق الفوضى قبل أن تصنعها الحرب
في كل أزمة إقليمية كبرى، تتحرك أسواق السلع في مصر قبل أن تتحرك الحرب نفسها. المضاربون والمحتكرون يعرفون كيف يقرأون الأخبار قبل أن تصل إلى المواطن في الشارع، فيرفعون الأسعار استباقاً لندرة لم تقع بعد، ويُفقدون الأسواق التوازن في أوقات يحتاج فيها الناس إلى الاستقرار أكثر من أي وقت.
الأسواق في مصر تحتاج اليوم إلى إصلاح هيكلي عميق لا ترقيعاً ظرفياً استثنائيا، يقوم على:
أولاً — تفعيل منظومة الرقابة والمتابعة اللحظية:
إطلاق منصة رقمية مُدمجة تستطيع متابعة تحركات أسعار السلع الأساسية الـ 50 الأكثر استهلاكاً في الأسواق بشكل يومي، عبر ربط المنافذ التجارية الكبرى بقاعدة بيانات مركزية تُتيح للحكومة الاستجابة الفورية لأي موجة سعرية غير مبررة.
دول كتركيا قد نجحت في تطبيق نظام مماثل ووفرت على المستهلك ما بين 8 و12% من تكاليف معيشته وبالتالي لا يتوقف وجود منظومة الرقابة علي الأزمة الحالية فقط وقد أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي بالفعل لتحوبل المتلاعبين بالسوق وأسعار السلع للقضاء العسكري مما يوضح الارادة السياسية القوية.
ثانياً — تعزيز التجارة الداخلية عبر المنافذ المباشرة:
توسيع منظومة مبادرات “أهلاً رمضان” و”أهلاً مدارس” لتصبح برامج مستدامة طوال العام لا موسمية وان كانت تطبق في ظرفا استثنائيا حاليا، مع رفع المخصصات المالية لها من 2 مليار جنيه إلى ما لا يقل عن 5 مليارات جنيه سنوياً، مما يُتيح تغطية أوسع وأعمق تأثيراً على السوق وتوفير حلول للأزمة الحالية التي نتمني ألا تدوم.
ثالثاً — إعادة هيكلة سلاسل التوزيع:
الهامش بين سعر المنتج عند البوابة الزراعية وسعره على رف البقال يصل في بعض السلع إلى 200 إلى 300%، معظمه يذهب إلى وسطاء لا يُضيفون قيمة مضافة حقيقية للمنتج الزراعي ذاته.
إصلاح هذه المنظومة وحده كفيل بخفض أسعار الغذاء بنسبة تتراوح بين 20 و30% دون أي مساس بدخل المزارع.
وربما اعادة تفعيل بورصة المنتجات الزراعية لتمتد لكافة المزروعات قد آن أوانها.
رابعاً — الاقتصاد غير الرسمي: خصم لا بد من التعامل معه بالحكمة الواجبة:
يمثّل الاقتصاد غير الرسمي في مصر ما بين 35 و50% من النشاط الاقتصادي الكلي وعامل يمتص العمالة في فترة الأزمات.
ادماج هذا القطاع في المنظومة الرسمية أصبح فرض عين — من خلال حوافز ضريبية لا عقوبات — يعني مضاعفة القاعدة الإنتاجية المُنظَّمة وتحسين جودة سلاسل التوريد الداخلية والتشغيل.
خامساً — التسعير العادل بديلاً عن الدعم العشوائي:
الدعم السلعي العام كلّف الموازنة ما يتراوح بين 250 و300 مليار جنيه سنوياً، لكن دراسات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تكشف أن ما بين 30 و40 % من هذا الدعم لا يصل إلى مستحقيه الحقيقيين.
تحويله إلى دعم نقدي مباشر للأسر الأكثر احتياجاً ومن خلال برنامج حياة كريمة ومنافذ تجارية تابعة للدولة تتحكم في توفير السعر العادل والجودة العالية للمواطن يعني كفاءة أعلى وعدالة أكبر بنفس الموارد.
خامساً: المرأة والشباب — الثروة التي ننام عليها
قصة رقم صادم
20-15% فقط، هذه هي نسبة مشاركة المرأة المصرية في سوق العمل وفق آخر أرقام منظمة العمل الدولية لعام 2025 وأرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء لعام 2026.
رقم يضع مصر في مراتب متأخرة جداً على الخريطة العالمية، وفي نفس الوقت يخبرنا بشيء آخر بالغ الأهمية: أن ثمة طاقة إنتاجية هائلة معطّلة، تنتظر فقط شروط التفعيل المناسبة.
تُشكّل المرأة 51-49% من إجمالي السكان — أي ما يقارب 54 مليون امرأة — وتمتلك نسبة متزايدة منهن مؤهلات تعليمية عالية؛ إذ تمثّل الإناث 47% من خريجي الجامعات المصرية سنوياً.
لكن حين يحمل هذا العتاد من الكفاءات شهاداته ويتجه نحو سوق العمل، يجد أمامه حواجز موروثة: غياب حضانات كافية للأطفال، وبُعد أماكن العمل، وفجوة أجرية في القطاع غير الرسمي وظروف عمل غير لائق لا تُبرّرها معطيات موضوعية.
تقول التقديرات الاقتصادية إن رفع نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل إلى 35% فقط — وهو رقم لا يزال دون المتوسط العالمي — يمكنه إضافة ما يتراوح بين 6 و8 % إلى الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يُعادل عشرات المليارات من الجنيهات سنوياً.
ليست هذه مجاملة اجتماعية؛ وإن كانت حسابات اقتصادية بالغة الأهمية في وقت الأزمات.
الشباب: أكبر ثروة غير مُستغَلة
يُشكّل الشباب بين 15 و29 عاماً ما يقارب 30% من إجمالي السكان — أي نحو 31 مليون شاب وشابة، غير أن نسبة البطالة في هذه الفئة تتراوح بين 15 و20 % وفق أرقام الجهاز المركزي للإحصاء، مع تقديرات أخرى تُشير إلى أرقام أعلى حين نأخذ بعين الاعتبار البطالة المقنّعة والعمالة التي لا تحصل علي أجر لائق.
هذا يعني أن ما بين 5 و6 ملايين شاب يعيشون في حالة من الإحباط والتهميش الاقتصادي، وهي حالة لا تُكلّف الاقتصاد طاقة إنتاجية ضائعة فحسب، بل تُهدد النسيج الاجتماعي أيضاً.
خطة متكاملة للتفعيل
1. منظومة حضانات وطنية موسّعة
إطلاق برنامج وطني لإنشاء 5,000 حضانة مُدعومة في المناطق الأكثر احتياجاً خلال 3 سنوات، بتكلفة إجمالية لا تتجاوز 15 مليار جنيه تستردها الدولة بفوائد أضعاف من المرأة العاملة التي ستُسهم في الاقتصاد وتدفع ضرائبها.
كما يمكن مشاركة واسهام القطاع الخاص في مصاريف انشاءها واداراتها.
2. العمل عن بُعد: ثورة هادئة في نموذج التوظيف
الاقتصاد الرقمي أتاح نموذجاً جديداً يكسر القيد الجغرافي. توجيه 100,000 سيدة سنوياً نحو مهارات العمل عن بُعد في مجالات كتابة المحتوى، والتصميم، وخدمة العملاء الرقمية، والترجمة، يمكنه توليد دخل إضافي متوسطه 5,000 إلى 15,000 جنيه شهرياً للأسرة.
3. برامج ريادة الأعمال للمرأة والشباب
رفع قيمة قروض “مشروعك” و”ابدأ” الموجّهة للمرأة وصغار رجال الأعمال الشباب، وتحرير الحصول عليها من البيروقراطية المُعرقِلة.
التجربة الدولية تُثبت أن كل جنيه يُقرَض لامرأة في قطاع الأعمال الصغيرة يعود بما بين 2 و3 أضعافه على الاقتصاد المحلي.
4. التدريب المهني المتسارع
إعادة هيكلة المراكز التكنولوجية ومراكز تدريب المهن الـ 1,200 المنتشرة في محافظات مصر لتقديم دورات مكثفة وتحويلية مدتها 3 إلى 6 أشهر في المهن الأكثر طلباً: التمريض، والبرمجة، والصيانة الصناعية، والتجارة الإلكترونية.
تُشير دراسة أجرتها وزارة التخطيط إلى أن سوق العمل يحتاج إلى ما لا يقل عن 800,000 تقني متخصص يُقدَّر أن الاقتصاد يفتقدهم حالياً.
5. برامج الاقتصاد الاجتماعي والتعاونيات
إحياء نموذج التعاونيات الزراعية والحرفية على أسس حديثة بمشاركة المرأة والشباب يمكنه استيعاب ما بين 500,000 و700,000 عاطل في المناطق الريفية خلال عامين، خاصة في محافظات الصعيد التي تعاني أعلى نسب البطالة على المستوى الوطني.
سادساً: الحكومة الجديدة 2026 — قراءة في التوجيهات والمنهج
رسالة التشكيل: المواطن أولاً
حين أعطى الرئيس السيسي توجيهاته للحكومة الجديدة في 2026، كانت النبرة مختلفة جدا هذه المرة. لم تكن حديثاً عن أرقام الاستثمار أو نسب النمو بالدرجة الأولى، بل كانت حديثاً عن الإنسان؛ عن التعليم، والصحة، والكرامة، وتكافؤ الفرص والرفاهة وحوكمة أجهزة ومؤسسات الدولة وتعزيز قدراتها استثمارا في الانسان والبشر قبل الحجر.
توجيهات تُعبّر عن وعي حقيقي بأن الدولة التي لا يشعر مواطنها بالعدالة لا تصمد طويلاً في مواجهة العواصف الخارجية والأنواء المستجدة.
تعمل الحكومة الجديدة في ظل معادلة ضاغطة من ثلاثة أضلاع:
• ضلع الديون: حجم الدين الخارجي الذي تجاوز 165 مليار دولار يفرض التزامات سداد صارمة تقيّد هامش الإنفاق الاجتماعي.
• ضلع التضخم: الحاجة إلى ضبط التضخم تستدعي سياسة نقدية مُحكمة قد تُقيّد النمو في المدى القريب.
• ضلع المواطن : احتياجات الناس الملحّة لا تنتظر حلول الأمد البعيد.
ان التوازن بين هذه الأضلاع الثلاثة هو الاختبار الحقيقي لنجاح حكومة 2026.
سابعاً: الحلول المقترحة — رؤية استراتيجية شاملة
على الصعيد الاقتصادي
1. تنويع مصادر النقد الأجنبي
لا يمكن لاقتصاد مُعرَّض للصدمات الخارجية أن يظل رهينة لثلاثة مصادر أساسية فقط للموارد. المطلوب:
• رفع قيمة الصادرات غير البترولية من 32 مليار دولار حالياً إلى 60 مليار دولار بحلول 2030.
• تطوير قطاع البرمجيات والخدمات التكنولوجية الذي يُصدّر حالياً بقيمة 5 مليارات دولار ويمتلك طاقة لمضاعفة هذا الرقم ثلاث وأربع مرات علي الأقل.
• تعزيز منظومة قطاع الذهب والموارد المعدنية التي تظل أقل استغلالاً من إمكاناتها الفعلية.
2. الأمن الغذائي: من الاستيراد إلى الإنتاج
مصر تستورد القمح بما يتراوح بين 3.5 و4 مليارات دولار سنوياً.
مشروعات مثل توشكى ومستقبل مصر والدلتا الجديدة وغيرها يجب أن تُسرَّع بشكل حقيقي وملموس ومعلن لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح في غضون 5 إلى 7 سنوات — هدف طموح لكنه قابل للتحقق.
3. الطاقة المتجددة: استثمار الشمس والريح
مصر تمتلك من الشمس والرياح ما يجعلها مرشحة لأن تكون في مقدمة منتجي الطاقة الخضراء إقليمياً.
استثمار 50 مليار دولار في هذا القطاع خلال 10 سنوات يمكنه تحويل مصر من مستورد صافٍ للطاقة إلى مُصدِّر، ويوفر في الوقت ذاته مئات الآلاف من فرص العمل.
على الصعيد الاجتماعي
1. شبكة أمان اجتماعي ذكية ودقيقة
برنامج “تكافل وكرامة” يخدم حالياً نحو 4.5 مليون أسرة، لكن تقديرات مستقلة تُشير إلى أن عدد الأسر المستحقة فعلياً يتجاوز 7 ملايين أسرة .
سدّ هذه الفجوة بتعديل معايير الاستهداف وتوظيف البيانات الضخمة يمكن أن يحدث أثراً اجتماعياً بالغاً.
2. صون الطبقة المتوسطة من الانزلاق
الطبقة المتوسطة هي العمود الفقري للاستقرار والمحرّك الحقيقي للطلب الداخلي.
تقديرات تُشير إلى أن ما بين 15 و20% من أسر الطبقة المتوسطة انزلقت نحو الفقر بين عامَي 2022 و2024.
وقف هذا الانزلاق يستلزم ربط الأجور بمؤشر التضخم، وتخفيض أعباء التعليم الخاص والصحة التي تستنزف بين 30 و40% من دخل هذه الطبقة.
على الصعيد الدبلوماسي
1. الحياد الإيجابي الفاعل
مصر التي تحتفظ بعلاقات مع جميع أطراف النزاع تقريباً تملك ورقة دبلوماسية ثمينة.
استثمار هذا الموقع في دور وساطة بنّاء لا يعزّز صورتها فحسب، بل يفتح أبواب دعم اقتصادي من مختلف الأطراف المعنية بالتهدئة.
ولها أن تدرك صالحها وتعمل عليه صونه دون تفريط أو اذعان كما دأبت علي مر السنين.
2. تعميق التكامل العربي والأفريقي
القارة الأفريقية بسوقها البالغ 1.4 مليار نسمة ومنطقة التجارة الحرة الأفريقية التي دخلت حيّز التنفيذ تمثّل فرصة استراتيجية لا ينبغي أن يُفوّتها الاقتصاد المصري في لحظة يبحث فيها عن بدائل وتنويع من خلال حيز جغرافي يبعد عن بؤرة الصراع وملعبا مفتوحا للعديد من القوي الكبري التي تستهدفه.
ثامناً: سيناريوهات اليوم التالي — التخطيط لما بعد الضباب
في ظل عدم اليقين الكامل بموعد انتهاء هذه الحرب، تبدو إدارة اللايقين بالتحضير للسيناريوهات ضرورة لا خياراً:
السيناريو الأول: تسوية في أفق 12 شهراً
انتعاش الملاحة وعودة إيرادات قناة السويس قد تستغرق 6 إلى 9 أشهر بعد التسوية.
على مصر الاستعداد لهذا الانتعاش ببنية تحتية وتشريعية قوية ومُهيَّأة لاستقطاب موجة استثمارية جديدة.
السيناريو الثاني: حرب ممتدة تتجاوز العامين
يستدعي بناء احتياطيات غذائية استراتيجية لا تقل عن 6 أشهر من الاستهلاك، وتسريع مسارات التنويع الاقتصادي والانتاج والتشغيل الكامل، والعمل علي توفير حزم اجتماعية متوسطة الأمد.
السيناريو الثالث: تصعيد مع امتداد إقليمي
يتطلب خطط طوارئ اقتصادية مُفعَّلة، وتنشيط خطوط الائتمان الدولية الاحترازية مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والشركاء الإقليميين الأخرين.
خاتمة: الإنسان المصري — الرصيد الذي لا ينضب
عاد الصيّاد العجوز إلى بيته في تلك الفجر بشبكة أقل امتلاءً مما تمنّى.
لكنه عاد. ولم يتوقف. هذه المثابرة الصامتة التي تُعبّر عنها ملايين القصص اليومية لمصريين عديدون بسطاء أوفياء أصلاء يعملون ويصبرون ويُكابدون هي الرصيد الحقيقي الذي لا تظهر قيمته في الموازنات ولا تُحصيه الأرقام التي تشغل الحكومات بتصريحات رسمية وغيرها.
تقول الإحصاءات إن مصر تحتاج كل عام إلى توفير ما لا يقل عن 800,000 وظيفة جديدة لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل. وتقول الحسابات إن هذا ممكن — إذا تحركنا بجدية نحو المرأة والشباب وطاقات الاقتصاد غير الرسمي وقطاعات الاقتصاد الرقمي والطاقة المتجددة.
توجيهات الرئيس السيسي للحكومة الجديدة بجعل المواطن محوراً لكل سياسة ليست مجرد خطاب؛ إنها معيار محاسبة ويجب أن تكون كذلك. فالدولة التي تحشد كل طاقاتها البشرية — رجالاً ونساءً وشباباً وأصحاب خبرة — هي الدولة التي تصنع من الأزمة فرصة لإعادة البناء والنجاة من فخاخ تنصب يوما تلو الأخر.
مصر التي صمدت عبر آلاف السنين في وجه أقسى الأعاصير لديها من الرصيد الحضاري والقدرة والطاقة والعقول البشرية والموقع الجغرافي ما يجعلها قادرة على ذلك.
الشرط الوحيد هو الصدق في التشخيص، والجرأة في الإصلاح، والأمانة في خدمة الإنسان المصري الذي يستحق أكثر مما يحصل عليه، ويُعطي أكثر مما يُدرك كثيرون.
مصر الدولة مهد الحضارة تُخاض معاركها الكبرى بالمواطن، لا رغماً عنه.




