أهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضر

“عقود من الخداع”.. تقرير يكشف أسرار صناعة الكذب المناخي

وثائق سرية تكشف.. هكذا خدعت شركات النفط العالم حول تغير المناخ

كيف أفلتت شركات الوقود الأحفوري من المساءلة عن تغير المناخ لعقود؟

تخيلوا كيف كان سيبدو العالم اليوم لو أن الشركات كانت صادقة بشأن ما تعرفه في 1959 أو 1988

يستند تقرير جديد إلى وثائق داخلية وسجلات عامة لتوضيح الحملة التي شنتها صناعة الوقود الأحفوري على مدى عقود لتضليل الجمهور وتجنّب دفع ثمن الأضرار التي تسببت بها منتجاتها.

يعتمد التقرير، الصادر عن مجموعة الرقابة “اتحاد العلماء المعنيين” (UCS)، على عقود من الوثائق الداخلية وسجلات المحاكم، لتسليط الضوء على كيفية تضليل بعض أقوى الشركات العالمية للجمهور بشأن مخاطر تغير المناخ، وكيف تطورت جهودها في السنوات الأخيرة للتهرب من المسؤولية عن الأضرار المرتبطة بمنتجاتها.

ورغم أن هذه الوثائق والسجلات نُشرت سابقًا، يؤكد مؤلفو التقرير أنهم أول من جمعها وحللها بشكل شامل.

وقالت كاثي مولفي، مديرة حملة المساءلة في برنامج المناخ والطاقة بجامعة كاليفورنيا، وأحد مؤلفي التقرير: “يجمع هذا التقرير، في مكان واحد، مجموعة قوية من الأدلة حول ما كانت تعرفه شركات الوقود الأحفوري – ومتى – بشأن التأثيرات المناخية لمنتجاتها، وما الذي فعلته رغم معرفتها بذلك”.

دعمًا قانونيًا للدعاوى القضائية ضد شركات الوقود الأحفوري

ويرى المؤلفين أن التقرير سيضيف دعمًا قانونيًا للدعاوى القضائية العديدة المعلقة حاليًا ضد شركات الوقود الأحفوري حول العالم، بسبب دورها في التسبب بتغير المناخ.

ويأتي التقرير في وقت تتخذ فيه إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ووزارة العدل الأمريكية خطوات لحماية تلك الشركات من المساءلة القانونية داخل الولايات المتحدة.

ففي أواخر أبريل، وقع ترامب أمرًا تنفيذيًا يعلن نيته “حماية الطاقة الأمريكية من تجاوزات الدولة”، ويوجه وزارة العدل بمراجعة الجهود المحلية التي تهدف إلى معالجة أزمة المناخ، والعمل على إحباطها.

وفي الأسابيع الأخيرة، رفعت الوزارة دعاوى ضد ولايات هاواي وميشيجان ونيويورك وفيرمونت، مدعية أن تشريعاتها ومبادراتها المناخية تشكل انتهاكًا للسلطة الفيدرالية.

ورغم أن المحافظين دافعوا تاريخيًا عن حقوق الولايات، إلا أن الحزب الجمهوري في السنوات الأخيرة استخدم آلية قانونية تُعرف بـ”حق الاستباق” لإلغاء قرارات الولايات والمجتمعات المحلية المتعلقة بحماية البيئة والصحة العامة.

اويات تخزين النفط في مصفاة باسادينا التابعة لشركة شيفرون

التمويل المظلم

ويشير التقرير إلى أن قطاع النفط والغاز كان “مانحًا رئيسيًا” لحملة ترامب الانتخابية لعام 2024، حيث كشفت السجلات العامة أن القطاع قدّم ما يُقدر بـ96 مليون دولار لدعم الحملة، دون احتساب التبرعات غير المعلنة أو ما يُعرف بـ”التمويل المظلم”، بما في ذلك مساهمات بالعملة الرقمية، التي استفاد منها ترامب شخصيًا.

وكانت إدارة ترامب قد صرّحت سابقًا بأنها “ملتزمة بإطلاق الطاقة الأمريكية”، على الرغم من اتخاذها خطوات لإعاقة مشاريع الطاقة النظيفة، مثل مزارع الرياح.

ويحمل تقرير UCS عنوان “عقود من الخداع”، ويشير إلى أن نحو ربع سكان الولايات المتحدة يعيشون في ولاية أو إقليم أو بلدية رفعت دعوى قضائية ضد شركة وقود أحفوري بسبب مساهمتها في تغير المناخ.

وتسعى هذه الدعاوى لتحديد من سيتحمل تكلفة الوفيات والأضرار الناتجة عن الكوارث المناخية، مثل العواصف الشديدة، وموجات الحر، والانفجارات القطبية، وحتى الآن، يتحمل المواطنون هذه التكاليف، بما في ذلك من خلال ارتفاع أقساط التأمين.

وتقول هذه الدعاوى، إن شركات الوقود الأحفوري قامت بتسويق منتجاتها بشكل مضلل، رغم علمها المسبق بالمخاطر المرتبطة بها، وفشلت في تحذير الجمهور من الأضرار المتوقعة، بل وانتهكت قوانين الإفصاح الخاصة بحقوق المساهمين.

وقد أنكرت جميع الشركات المتهمة ارتكاب أي مخالفات.

وتعتمد هذه الشركات في دفاعها على عدة حجج، من بينها أن تغير المناخ قضية سياسية يجب أن تُترك للكونجرس والسلطة التنفيذية، وليس للمحاكم.

كما تؤكد أن تصريحاتها المشككة في علم المناخ تندرج تحت حرية التعبير المحمية دستوريًا.

إكسون موبيل انفقت الملايين على حملات تشكك في علم المناخ

بدأت أولى الدعاوى القضائية المتعلقة بالمساءلة المناخية في الولايات المتحدة في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بعد تقارير استقصائية كشفت أن شركات النفط كانت على علم منذ زمن بعيد بالمخاطر المناخية لمنتجاتها.

وفي عام 2015، كشف موقع Inside Climate News أن شركة إكسون موبيل أجرت أبحاثًا تؤكد خطر تغير المناخ، في الوقت الذي كانت تنفق فيه الملايين على حملات تشكك في علم المناخ.

ولا تزال القضايا المرفوعة ضد شركات كبرى مثل بي بي، شيفرون، إكسون موبيل، وشل، عالقة في المحاكم، حيث تتنازع الشركات مع الولايات حول ما إذا كانت الدعاوى يجب أن تُنظر أمام المحاكم الفيدرالية أم محاكم الولايات، إلى جانب معارك إجرائية أخرى.

شركات النفط الكبرى ,, شركة بي بي

وقد رفضت المحكمة العليا الأمريكية طلب الشركات بنقل القضايا إلى المحاكم الفيدرالية.

وفي مارس الماضي، رفضت المحكمة مسعى من ولايات يقودها الجمهوريون لمنع الدعاوى القضائية التي يقودها ديمقراطيون ضد شركات النفط الكبرى.

ويشير التقرير إلى أن شركات الوقود الأحفوري استخدمت موارد مالية وقانونية ضخمة لتأخير هذه القضايا أو التهرب منها.

وقارن مولفو التقرير بين صناعة الوقود الأحفوري وشركات التبغ، التي استخدمت فرقًا قانونية قوية لعقود لمنع المساءلة عن الأمراض المرتبطة بالتدخين.

وكان التحول في قضايا التبغ قد بدأ عندما بدأت الولايات في رفع دعاوى لاسترداد تكاليف الرعاية الصحية.

كشف استهداف شركات التبغ للشباب والتلاعب بمستويات النيكوتين

وقد ساهمت التحقيقات الصحفية حينها في كشف استهداف شركات التبغ للشباب والتلاعب بمستويات النيكوتين، وكشفت وثائق داخلية استراتيجيات الشركات لزرع الشكوك في الأبحاث العلمية.

لكن، على عكس شركات التبغ، تدّعي شركات الوقود الأحفوري أن لمنتجاتها “فائدة اجتماعية”، كونها توفر الطاقة.

يقول ستيفن إريك فيت، المحامي البارز في مركز القانون البيئي الدولي: “تخيلوا كيف كان سيبدو العالم اليوم، لو أن هذه الشركات كانت صادقة بشأن ما تعرفه في عام 1959، أو حتى عام 1988”.

ويؤكد المحامون، أن فائدة المنتج لا تُعفي الشركة من تحذير الجمهور من مخاطره أو من معالجة الأضرار الناتجة عنه. ويقدّر التقرير أن تغير المناخ سيتسبب في ربع مليون وفاة سنويًا بسبب تفاقم أمراض مثل الملاريا، والإجهاد الحراري، وسوء التغذية.

ويضيف فيت: “إنهم يبيعون شيئًا خطيرًا. منتجاتهم تلوث المجتمعات القريبة من أماكن الإنتاج. لا يمكن تبرير هذا الضرر بالحديث عن فائدة الطاقة”.

ويشدد على أهمية توثيق كل مرحلة زمنية علمت فيها الشركات بالأضرار واختارت التعتيم عليها، مؤكدًا أن الحكومات كان بإمكانها اتخاذ مسارات بديلة لو توفرت لها تلك المعلومات في وقتها.

ومن اللحظات الرئيسية التي يذكرها التقرير:

• الخمسينيات والستينيات: كشفت الوثائق أن الشركات كانت على دراية مبكرة بالتأثيرات المناخية السلبية.

• 1979-1983 شُكّل فريق من معهد البترول الأمريكي وشركات نفطية لتبادل أبحاث المناخ. لكن الاعتراف العلني بالتأثيرات المناخية جاء متأخرًا، مثل إكسون التي لم تُقرّ بذلك حتى 2006.

• 1984 قال عالم في إكسون إن أمام الشركة خيارين: التكيّف مع كوكب أكثر دفئًا أو الحد من استخدام الوقود الأحفوري. لاحقًا، أوقفت الشركة أبحاثها وموّلت حملات تضليل.

• 1988 حذّرت شركة شل في تقرير خاص من التأثيرات الوخيمة لاحتباس الحرارة، وتوقعت موجات مناخية قاسية وغضبًا شعبيًا.

• 1998 وضع معهد البترول “خطة عمل” للتشكيك في علم المناخ عبر التلاعب بالإعلام والرأي العام.

• 2019شهد علماء سابقون في إكسون أمام الكونغرس، مؤكدين أن الشركة كانت على علم بالخطر لكنها نشرت الشكوك لحماية مصالحها.

• 2025 كشفت وثائق قضائية أمريكية عن مؤامرة لاختراق حسابات نشطاء المناخ بتكليف من شركة ضغط نيابةً عن عملاق نفطي مقره تكساس، دفعت 16 مليون دولار لتنفيذ عمليات الاختراق وتشويه السمعة.

شركات النفط
شركات النفط

تطور مستمر من تكتيكات الإنكار والتضليل

ورفضت إكسون موبيل التعليق، ونفت سابقًا تورطها في أي عمليات قرصنة، كما لم يرد معهد البترول الأمريكي على طلبات التعليق.

أما شركة شل، فقالت في بيان مكتوب إن موضوع تغير المناخ لطالما كان محل نقاش علمي واسع منذ أكثر من خمسين عامًا، ووصفت الادعاءات بأنها “غير معقولة”، مؤكدة أن “شل لم تكن تملك معرفة فريدة في هذا المجال”.

ويصف مولفو التقرير، وفيت نمط صناعة الوقود الأحفوري بأنه تطور مستمر من تكتيكات الإنكار والتضليل، الذي أصبح أكثر دهاءً فيما يُعرف اليوم بـ”التضليل الأخضر”.

وحذر فيت من خطورة هذا النوع من التضليل، مؤكدًا أن العديد من “الحلول” التي تروج لها الصناعة لتغير المناخ، مثل احتجاز الكربون، “غير واقعية”، ولم يحقق أي مشروع فعليًا تقليل الانبعاثات بنسبة 90% كما تدّعي الصناعة.

ويختتم التقرير بالإشارة إلى جهود الشركات المستمرة لتعطيل التشريعات البيئية، وإعادة تسمية الاستثمارات البيئية بـ”الرأسمالية المستيقظة”، إضافة إلى محاولات متجددة لانتزاع تنازل قانوني شامل من الكونغرس يمنع محاسبتها.

وجاء في التقرير: “علينا أن نضمن، بكل السبل، ألا يُسمح لتلك الشركات بالتهرب من المسؤولية بعد عقود من الخداع والتلوث والأذى الذي لحق بالكوكب والناس”.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading