بين الطائرات والبرجر والوقود الأحفوري.. الوجه المناخي الخفي لصناعة الإعلانات
الإعلان.. الوقود الخفي لأنماط الحياة عالية الكربون وتهديدات تغير المناخ
لم تعد أزمة المناخ مرتبطة فقط بما تنتجه المصانع أو تحرقه محطات الطاقة من وقود أحفوري، إذ تشير أبحاث ومراقبون إلى عامل آخر يحظى باهتمام أقل، لكنه حاضر بقوة في الحياة اليومية، وهو صناعة الإعلان التي تساهم في تشكيل السلوك الاستهلاكي وتشجيع أنماط حياة مرتفعة الانبعاثات.
فبينما تتزايد التحذيرات العلمية من تداعيات ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر والجفاف والفيضانات وارتفاع تكاليف الغذاء، تستمر حملات إعلانية في الترويج للسفر الجوي المتكرر، واستهلاك اللحوم، والمنتجات ذات البصمة الكربونية المرتفعة، فضلًا عن منتجات شركات النفط والغاز التي ترتبط بصورة مباشرة بأزمة المناخ.
وتطرح هذه المفارقة سؤالًا مهمًا: إلى أي مدى يمكن للإعلانات أن تصبح جزءًا من المشكلة المناخية، بدلًا من أن تكون أداة لتشجيع التحول نحو أنماط استهلاك أكثر استدامة؟
الإعلان.. قوة خفية وراء الاستهلاك
تؤدي الإعلانات دورًا أساسيًا في الاقتصاد الحديث، فهي لا تكتفي بالتعريف بالمنتجات والخدمات، وإنما تعمل على تشكيل الرغبات وتغيير السلوكيات ودفع المستهلكين إلى شراء منتجات وخدمات ربما لم يكونوا يخططون لشرائها.
وتشير أبحاث إلى أن الإعلانات يمكن أن تدفع المواطنين إلى استهلاك نحو ثلث كمية السلع والخدمات الإضافية مقارنة بما كانوا سيستهلكونه في غياب هذا التأثير الإعلاني.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بالمنتجات والأنشطة ذات الانبعاثات المرتفعة، مثل السفر الجوي واستهلاك اللحوم الحمراء، إذ يمكن أن يؤدي الترويج المستمر لها إلى ترسيخها باعتبارها أنماطًا طبيعية أو مرغوبة للحياة الحديثة.
وفي الوقت الذي تحاول فيه الحكومات خفض الانبعاثات وتشجيع المواطنين على تبني سلوكيات أكثر استدامة، يمكن للإعلانات أن تعمل في الاتجاه المعاكس من خلال ربط الاستهلاك المرتفع بالسعادة والرفاهية والنجاح والمغامرة.
الطيران.. عندما يتحول السفر إلى قرار لحظي

يعد قطاع الطيران أحد الأمثلة الواضحة على هذه المفارقة، فالسفر الجوي من الأنشطة ذات البصمة الكربونية المرتفعة، ومع ذلك تستمر شركات الطيران في إطلاق حملات تسويقية تشجع المستهلكين على السفر بصورة متكررة، وليس بالضرورة لأسباب ضرورية.
ومن الأمثلة على ذلك حملة شركة «إيزي جيت» البريطانية «Drop Everything»، التي شجعت المستهلكين على حجز رحلات منخفضة التكلفة خلال 48 ساعة، بما يدفع نحو فكرة السفر المفاجئ لقضاء عطلات قصيرة أو عطلات نهاية الأسبوع.
ولا تركز الحملة على وجهة سياحية محددة بقدر ما تروج لفكرة السفر نفسها، وتحويل شراء تذكرة طيران إلى قرار سريع يمكن اتخاذه في أي وقت.
واستخدمت الحملة لوحات إعلانية ووسائل الإعلام الرقمية وحملات مع المؤثرين، في محاولة لجعل فكرة السفر الفوري جزءًا من السلوك الاستهلاكي اليومي.
وتأتي هذه الحملات في وقت تسجل فيه حركة السفر الجوي مستويات مرتفعة؛ إذ أعلنت هيئة الطيران المدني البريطانية أن عدد المسافرين في الربع الأول من عام 2026 تجاوز 61 مليون مسافر، وهو أعلى مستوى يسجل خلال الفترة من يناير إلى مارس.
وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة واضحة: فبينما تتزايد الدعوات إلى خفض الانبعاثات المرتبطة بالطيران، تواصل صناعة الإعلان تشجيع مزيد من الرحلات الجوية.
البرجر واللحوم.. استهلاك مرتفع الكربون

ولا يقتصر الأمر على الطيران، إذ يمثل قطاع الغذاء مثالًا آخر على العلاقة بين الإعلان والسلوك الاستهلاكي.
ويحذر العلماء من الآثار المناخية لاستهلاك اللحوم، خصوصًا لحوم الأبقار، التي تمتلك واحدة من أعلى البصمات الكربونية بين المنتجات الغذائية.
وترتبط تربية الماشية بإطلاق غازات دفيئة، من بينها الميثان، إضافة إلى الانبعاثات الناتجة عن إنتاج الأعلاف واستخدام الأراضي والنقل وسلاسل الإمداد.
وفي المقابل، تستثمر شركات الوجبات السريعة مبالغ ضخمة في الحملات الإعلانية التي تروج للبرجر والمنتجات القائمة على اللحوم.
وفي بريطانيا، ارتفعت ميزانية الإعلانات الخارجية لشركة «ماكدونالدز» إلى نحو 86 مليون جنيه إسترليني عام 2024، بزيادة بلغت 71% مقارنة بالسنوات السابقة.
وتوضح هذه الأرقام حجم القوة التسويقية التي تستخدمها صناعة الوجبات السريعة للوصول إلى المستهلكين، في وقت تتزايد فيه الدعوات العلمية إلى تقليل استهلاك اللحوم، خاصة الأنواع الأعلى تأثيرًا على المناخ.
الإعلان المستدام لا يزال محدودًا
رغم ذلك، لا تخلو صناعة الإعلان من محاولات لترويج المنتجات والسلوكيات المستدامة.
لكن المشكلة تكمن في محدودية حجم هذه الرسائل مقارنة بالحجم الهائل للإعلانات التي تدفع باتجاه الاستهلاك التقليدي.
وتشير بيانات «Sustainable Ads Tracker» التابعة لشركة «Kantar» إلى أن الإعلانات التي تضمنت رسائل مرتبطة بالاستدامة في عام 2026 لم تتجاوز نحو 4.3% من إجمالي الإعلانات.
واللافت أن جزءًا كبيرًا من هذه الرسائل يركز على إعادة التدوير، بدلًا من معالجة القضية الأوسع المرتبطة بتغيير أنماط الإنتاج والاستهلاك وخفض الطلب على المنتجات والخدمات الأعلى انبعاثًا.
وبذلك، تبدو الاستدامة في كثير من الحملات الإعلانية أقرب إلى رسالة هامشية، مقارنة بالرسائل التي تشجع على زيادة الاستهلاك.
صناعة الإعلان أمام اتهامات بـالغسل الأخضر
لا تتوقف الإشكالية عند الترويج للطيران واللحوم، وإنما تمتد إلى شركات النفط والغاز.
فشركات الوقود الأحفوري تنفق مبالغ كبيرة على حملات تسويقية وعلاقات عامة تقدمها أحيانًا باعتبارها جزءًا من الحل المناخي، من خلال التركيز على الاستثمارات الخضراء أو تقنيات خفض الانبعاثات، بينما يظل نشاطها الأساسي مرتبطًا بإنتاج واستهلاك النفط والغاز.
ويُعرف استخدام الرسائل التسويقية لإعطاء صورة بيئية أكثر إيجابية من الواقع باسم «الغسل الأخضر» أو Greenwashing.
وتتعرض شركات الإعلان بدورها لانتقادات بسبب استمرارها في العمل مع شركات الوقود الأحفوري وإنتاج حملات تساعدها على تحسين صورتها البيئية.
وتشير هذه الانتقادات إلى أن بعض الحملات قد تركز على جوانب محدودة من جهود الاستدامة، بينما تتجاهل التأثير المناخي الأوسع للنشاط الأساسي للشركة.

نمو صناعة الإعلان مقابل أهداف المناخ
في بريطانيا، زاد الإنفاق الإعلاني بنسبة 9.3% خلال الربع الأول من عام 2026، ليصل إلى نحو 11.7 مليار جنيه إسترليني.
وتعكس هذه الأرقام القوة الاقتصادية الهائلة لصناعة الإعلان، لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات حول دورها في اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على زيادة الاستهلاك.
فكلما ارتفع الإنفاق الإعلاني، زادت قدرة الشركات على الوصول إلى المستهلكين والتأثير في قراراتهم الشرائية، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات.
ويرى منتقدو الصناعة أن التركيز على النمو الاقتصادي والإعلاني وحده يتجاهل التكلفة البيئية الناتجة عن هذا الاستهلاك، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقطاعات كثيفة الانبعاثات.
لماذا يصعب على العاملين في الإعلان تغيير الصناعة؟
المفارقة أن عددًا كبيرًا من العاملين داخل صناعة الإعلان أنفسهم يشعرون بالقلق بشأن التأثير البيئي لمهنتهم.
وتشير استطلاعات إلى أن أكثر من نصف العاملين في قطاع الإعلان البريطاني يشعرون بقلق متزايد من الآثار البيئية لصناعتهم.
لكن تحويل هذا القلق إلى تغيير فعلي يظل أمرًا صعبًا، إذ يعتمد العاملون على وظائفهم ومصادر دخلهم، بينما ترتبط شركات الإعلان بعقود ومصالح اقتصادية مع العلامات التجارية الكبرى.
وهكذا يجد بعض العاملين أنفسهم أمام معضلة بين القناعة الشخصية بضرورة مواجهة تغير المناخ والالتزامات المهنية تجاه العملاء.
هل تحتاج الإعلانات إلى تنظيم مناخي؟
تطرح هذه التطورات سؤالًا آخر يتعلق بالدور الذي يجب أن تقوم به الحكومات والسلطات التنظيمية.
فإذا كانت الحكومات تفرض قيودًا على بعض المنتجات لأسباب صحية أو بيئية، فلماذا لا تنطبق قواعد مماثلة على المنتجات والخدمات التي تملك تأثيرًا مناخيًا مرتفعًا؟
وقد بدأت بعض المدن والمناطق بالفعل في مناقشة أو تطبيق قيود على إعلانات الوقود الأحفوري والطيران واللحوم والبلاستيك أحادي الاستخدام.
وفي بريطانيا، فُرضت أيضًا قيود على إعلانات بعض الأطعمة والمشروبات غير الصحية على التلفزيون قبل الساعة التاسعة مساءً، في إطار محاولات الحد من تأثير الإعلانات على سلوك المستهلكين.
وتكشف هذه التجارب عن إمكانية استخدام السياسة الإعلانية كأداة للتأثير في السلوك العام، بدلًا من ترك السوق يعمل دون قيود بيئية واضحة.
مدن أوروبية تتحرك ضد الإعلانات عالية الكربون
شهدت عدة مدن أوروبية تحركات للحد من الإعلانات المرتبطة بالوقود الأحفوري أو المنتجات والأنشطة عالية الانبعاثات.
وتشمل هذه التحركات مدنًا مثل أمستردام ولاهاي وإدنبرة وفلورنسا وأوبسالا، حيث جرى الدفع باتجاه منع أو تقييد بعض أشكال الإعلانات التي تشجع على استخدام الوقود الأحفوري أو السفر الجوي أو استهلاك اللحوم أو المنتجات البلاستيكية أحادية الاستخدام.
ويستند أنصار هذه القيود إلى فكرة بسيطة: إذا كانت الحكومات مطالبة بخفض الانبعاثات، فمن المنطقي أيضًا الحد من الرسائل التسويقية التي تشجع المواطنين على زيادة الطلب على المنتجات الأكثر تلويثًا.
من «الغسل الأخضر» إلى الصمت المناخي
هناك جانب آخر من المشكلة يتعلق بما يمكن وصفه بـ«الصمت المناخي» في صناعة الإعلان.
فبدلًا من الاعتراف بتأثير بعض الحملات على زيادة الاستهلاك والانبعاثات، تميل الصناعة إلى التركيز على جوائز الاستدامة والمبادرات البيئية المحدودة، بينما تتجنب مناقشة السؤال الأكبر: هل يمكن لصناعة تعتمد على زيادة الاستهلاك أن تصبح محايدة مناخيًا دون تغيير جوهري في طريقة عملها؟
وتزداد صعوبة الإجابة عن هذا السؤال مع استمرار شركات الإعلان في العمل مع العلامات التجارية الأكثر اعتمادًا على المنتجات عالية الكربون.

المستهلك ليس وحده المسؤول
لا يعني ذلك أن المستهلك يتحمل المسؤولية الكاملة عن الانبعاثات المرتبطة باختياراته.
فقرارات الأفراد تتأثر بالأسعار والبنية التحتية والسياسات الحكومية وتوافر البدائل، إضافة إلى الرسائل التسويقية التي يتعرضون لها بصورة مستمرة.
ولهذا فإن تحميل الأفراد وحدهم مسؤولية تغير المناخ يتجاهل القوى الاقتصادية والإعلانية التي تشكل خياراتهم.
فعندما يصبح السفر الجوي رخيصًا وسهل الحجز ويتم تقديمه باعتباره فرصة لا ينبغي تفويتها، يصبح اتخاذ قرار بالسفر أكثر احتمالًا.
وبالمثل، عندما تتكرر الإعلانات التي تقدم المنتجات الغذائية عالية الانبعاثات باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية، فإنها تساعد على ترسيخ هذا السلوك.
هل يمكن أن يصبح الإعلان جزءًا من الحل؟
يمكن لصناعة الإعلان أن تؤدي دورًا معاكسًا تمامًا إذا جرى توجيه قوتها الإقناعية نحو دعم التحول الأخضر.
فبدلًا من تشجيع الرحلات الجوية غير الضرورية، يمكن الترويج للسفر بالقطارات ووسائل النقل العام.
وبدلًا من زيادة استهلاك اللحوم الأعلى تأثيرًا على المناخ، يمكن دعم الأغذية النباتية والبدائل منخفضة الكربون.
كما يمكن استخدام الحملات الإعلانية لتشجيع كفاءة الطاقة، وتقليل الهدر، وإعادة الاستخدام، والشراء المسؤول، والمنتجات والخدمات ذات البصمة الكربونية الأقل.
لكن تحقيق ذلك يتطلب تغييرًا يتجاوز الحملات الفردية، ليشمل قواعد واضحة تمنع التضليل البيئي وتضع معايير أكثر صرامة للإعلانات المرتبطة بالأنشطة مرتفعة الانبعاثات.
المواطن قد يكون نقطة البداية
مع ضعف قدرة العاملين داخل الصناعة على إحداث تغيير من الداخل، وعدم استعداد الجهات التجارية التي تمثل قطاع الإعلان لتقليص النمو الذي تعتمد عليه، يبقى الضغط الشعبي أحد أهم أدوات التغيير.
ويمكن للمواطنين الضغط على الحكومات والبلديات لتبني قواعد أكثر صرامة للإعلانات عالية الكربون، ودعم المبادرات التي تسعى إلى الحد من الإعلانات المرتبطة بالوقود الأحفوري والطيران واللحوم والمنتجات البلاستيكية أحادية الاستخدام.
فالمعركة ضد تغير المناخ لا تدور فقط داخل محطات الطاقة والمصانع وحقول النفط، وإنما أيضًا داخل المساحات التي تتشكل فيها رغبات المستهلكين.
الإعلان قد لا يطلق غازًا دفيئًا مباشرة، لكنه يستطيع أن يدفع ملايين الأشخاص إلى شراء منتجات وخدمات تطلق هذه الغازات.
ومن هنا، فإن مواجهة أزمة المناخ لا تتطلب فقط تغيير ما ننتجه وكيف نستهلكه، وإنما أيضًا إعادة النظر في الرسائل التي تدفعنا إلى الاستهلاك من الأساس.
وفي عالم يتعرض بالفعل لموجات حر وجفاف وحرائق وفيضانات متزايدة، قد يصبح السؤال المناخي الجديد ليس فقط: ماذا نشتري؟، وإنما أيضًا: من الذي أقنعنا بأننا نحتاج إلى شرائه؟





