وجهات نظر

د.زينة عبد العزيز منير: الحرب على غزة وأمن الطاقة فى الشرق الأوسط

دكتوراة فى السياسات البيئية– جامعة فرايبورج ألمانيا

بينما تدور رُحى الحرب الدامية التى تشنها إسرائيل على المدنيين فى غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي، وسط انتهاكات صارخة للقوانيني الدولية و الإنسانية، تتفاقم ليست فقط الآثار الإنسانية والبشرية لهذه الحرب الغاشمة التى حصدت أرواح عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء، ولكن أيضا التبعات الجوسياسية المرتبطة بإنتاج وتدفقات الطاقة فى منطقة الشرق الأوسط وأمن الطاقة فى العالم أجمع.

الشرق الأوسط: دورا تاريخيا فى إمدادات وأمن الطاقة عالميا

تاريخياً تشير إحصاءات الوكالة الدولية للطاقة بأن منطقة الشرق الأوسط تساهم بحوالي 37% من إجمالي إمدادات النفط في العالم وحوالي 35% من إجمالي إمدادات الغاز في العالم.

ويبلغ الإنتاج الحالي من النفط الخام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حوالي 30.4 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل حوالي 31% من إجمالي النفط المُنتج في العالم.

ويبلغ إنتاج الغاز الطبيعي حوالي 925 مليار متر مكعب، أي حوالي 23% من إجمالي الغاز المنتج عالميًا.

وتمثل المنطقة حاليًا حوالي 50% من صادرات النفط و15% من صادرات الغاز الطبيعي على مستوى العالم.

وفي نفس الإطار تشير التقديرات الإحصائية لشركة بي بي للطاقة العالمية لعام 2022 بأن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تمتلك حوالي 57% من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، وحوالي 41% من موارد الغاز الطبيعي، ويشمل منتجو النفط الرئيسين في المنطقة المملكة العربية السعودية والعراق والإمارات العربية المتحدة والكويت وإيران.

بينما تهيمن إيران وقطر والمملكة العربية السعودية والجزائر ومصر والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل على إنتاج الغاز الطبيعي.

اكتشافات الغاز الطبيعي فى شرق المتوسط وخريطة إنتاج الطاقة فى الشرق الأوسط

كانت اكتشافات الغاز الطبيعي فى شرق البحر الأبيض المتوسط -حقل تمار الذي تم اكتشافه في عام 2009 وحقل ليفياثان في عام 2010- نقطة تحول في إنتاج الطاقة فى إسرائيل حيث استطاعت الحد من استخدام الفحم المُلوث للبيئة وتوسعت فى اعتمادها على الغاز الطبيعي لتلبية احتياجات السوق المحلى و زيادة صادراتها للدول المحيطة.

في عام 2022، أنتجت إسرائيل 21.9 مليار متر مكعب من الغاز، 11.4 مليار متر مكعب من حقل ليفياثان و10.2 مليار متر مكعب من حقل تمار.

وبينما تم استهلاك12.7 مليار متر مكعب محليا، قامت إسرائيل بتصدير 5.8 مليار متر مكعب إلى مصر و3.4 مليار متر مكعب إلى الأردن.

تشير التقديرات الحكومية أن عائدات إسرائيل من صادرات الغاز الطبيعي بلغت أكثر من 263 مليون دولار، بزيادة قدرها 23 بالمائة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي.

إقليميا, في أكتوبر 2022، وقعت إسرائيل اتفاقية بحرية مع لبنان، بوساطة أمريكية، لترسيم الحدود للسماح بمزيد من التنقيب عن الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط .

فى مارس 2022 تم الإعلان عن تدشين خط أنابيب الغاز العربي –بعد تجديده- لاستخدامه لشحن صادرات الغاز الطبيعي من إسرائيل الى مصر عبر الأردن وسوريا والتى تبلغ طاقته السنوية ما بين 2.5 إلى 3 مليار متر مكعب من الغاز.

هذا بالإضافة الى خط أنابيب غاز شرق البحر الأبيض المتوسط (EMG) الذي يمتد بين عسقلان والعريش، والذي تبلغ طاقته السنوية التقريبية 7 مليارات متر مكعب.

الحرب على غزة و تأثيرها على أسعار الطاقة

أدت الحرب الإسرائيلية على غزة الى تأثيرات كبيرة على أسعار وإمدادات الطاقة فى منطقة الشرق الأوسط.

فى هذا الإطار، بينما انخفضت أسعار النفط لمزيج برنت إلى ما يقرب من 80 دولارًا أمريكيًا للبرميل قبيل اندلاع الحرب، عاودت الأسعار الارتفاع بعد نشوب الحرب إلى حوالي 90 دولارًا أمريكيًا للبرميل.

وتشير سيناريوهات البنك الدولي بأنه فى حال استمرار تفاقم خطورة الأوضاع الأمنية –خطورة متوسطة- بما يعادل تقريبا ملابسات وظروف حرب العراق فى عام 2003 – فسوف تنخفض إمدادات النفط العالمية بمقدار 3 ملايين إلى 5 ملايين برميل يوميا.

وهذا من شأنه أن يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع بنسبة 21% إلى 35% أي ما يعادل تقريبا 109 دولارات و121 دولاراً للبرميل.

وفي سيناريو “الخطورة الأمنية الشديدة” – المشابه للحظر النفطي العربي في عام 1973 – سينكمش إمدادات النفط العالمية بمقدار 6 ملايين إلى 8 ملايين برميل يوميًا.

وهذا من شأنه أن يدفع الأسعار للارتفاع بنسبة 56% إلى 75% أي ما يعادل 140 و157 دولارًا للبرميل

الحرب على غزة وخريطة إمدادات الطاقة فى الشرق الأوسط

ولا يقتصر آثار الحرب على تقلبات أسعار الطاقة فحسب و لكنه يُلقى بظلالاً سوداء على إمدادات الطاقة وآفاق التعاون الإقليمي فى هذا القطاع الحيوي.

فى التاسع من أكتوبر أمرت وزارة الطاقة الإسرائيلية شركة شيفرون، مُشغل منصة تمار الواقعة على بعد 25 كيلومترًا شمال غرب غزة، والتي تلبي معظم الاحتياجات المحلية، بوقف الإنتاج مؤقتًا.

وفى التاسع من أكتوبر أمرت الحكومة الإسرائيلية شركة شيفرون بوقف العمل مؤقتا فى خط أنابيب غاز شرق البحر المتوسط الذي يربط بين مدينة عسقلان شمال غزة بمدينة العريش في شمال سيناء المصرية.

أزمة الغاز في إسرائيل وتأثيرها على مصر

وبينما تستورد مصر حوالى 7 مليارات قدم مكعب سنويا من الغاز الطبيعي من حقلي الغاز تمار وليفياثان الإسرائيليين، فإن استمرار إغلاق حقلي الغاز من شأنه أن يقلل على المدى الطويل ليس فقط إمدادات الطاقة اللازمة للوفاء باحتياجات مصر محليا من الغاز، ولكن سيؤثر أيضا على كميات الغاز الطبيعي المخصصة لصادرات الغاز الطبيعي المُسال إلى تركيا و دول الاتحاد الأوروبي- التي انخفضت بالفعل بشكل كبير هذا العام مقارنة بعام 2022.

ويُمثل تصدير الغاز المُسال لأوروبا أحد أبرز أوجه التعاون الواعدة بين مصر وأوروبا حيث بلغت صادرات مصر من الغاز الطبيعي المُسال حوالى 7 ملايين طن في عام 2022، خُصصت 5 ملايين طن من إجمالي هذه الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي الذى بلغت إجمالي وارداته من الغاز الطبيعي المُسال في العام الماضي 96 مليون طن.

وبذلك ففي ضوء احتمال فقدان الإمدادات المصرية – حتى وان كانت محدودة نسبيا – للأسواق الأوربية, تتزايد الضغوط على أسعار الغاز فى جميع أنحاء أوروبا خصوصا فى ضوء تناقص الإمدادات الروسية نتيجة الحرب فى أوكرانيا و اقتراب موسم الشتاء البارد.

تفاقم الوضع الأمني وإعادة ترتيب الأولويات

ومع تفاقم الوضع الأمني نتيجة لاستمرار الحرب على غزة، فاحتمالية تورط أطراف أخرى فى الصراع تتزايد.

فى هذا الإطار، فإن صراعا أكثر اتساعا بين إسرائيل وأطراف أخرى مثل حزب الله في لبنان وإيران من شأنه أن يهدد بل ويقضى تماما على فرص التعاون فى مجال الطاقة فى منطقة شرق المتوسط بين مصر ولبنان والأردن وإسرائيل وكذلك تعاون هذه الأطراف مع السوق الأوروبية.

فمثلا بينما تعانى لبنان من نقص شديد فى الوقود لتلبية احتياجات البلاد من الكهرباء- حيث تعمل فقط محطتا الزهراني فى الجنوب ودير عمار فى الشمال- فإن تصاعد الاشتباكات بين حزب الله وإسرائيل من شأنه زيادة الأعباء على حكومة تصريف الأعمال فى لبنان لمواجهة مزيدا من النقصان فى إمدادات الطاقة وخصوصا فى ضوء فشل عمليات التنقيب البحرية فى السواحل اللبنانية –بئر قانا- فى إيحاد موارد هيدروكربونية جديدة كان من شأنها المساهمة فى حل أزمة الطاقة فى لبنان.

وعلى غرار هذا، فإن من شأن صراعا أكثر اتساعا فى المنطقة أن يؤثر على البنية التحتية اللازمة لإنتاج الغاز المُسال وتصديره لأوروبا مثل خطوط أنابيب الغاز التى تربط مُنتجي الغاز فى شمال أفريقيا بأوروبا وكذلك ناقلات الغاز المُسال التى تمر كل يوم عبر مضيق هرمز.

الخلاصة: ضرورة إعادة ترتيب خريطة إمدادات الطاقة و أولويات التعاون بين دول المنطقة

بينما تواصل إسرائيل عدوانها الغاشم على غزة و يتواصل صمت القوى الدولية الغربية التى عجزت حتى عن إجبار إسرائيل على إعلان هدنة إنسانية، فمن المتوقع أن يستمر تعقد الوضع الأمني فى منطقة تعج بالاضطرابات السياسية و التهديدات الأمنية و التى سوف تلقى بظلالها على أسعار وأمن الطاقة ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط ولكن في العالم كله.

وهذا ما يدعو لإعادة التفكير فى إعادة ترتيب الأولويات ورسم خطط بديلة فيما يتعلق بمصادر وآفاق التعاون فى مجال الطاقة فى شرق المتوسط عن طريق بناء جبهة عربية بين مصر وفلسطين والأردن وسوريا بالتنسيق مع تركيا واليونان لانتزاع الحقوق العربية فى شرق المتوسط وتقليص الاعتماد على الغاز الإسرائيلي الذى يخضع توفره لتقلبات الأوضاع الأمنية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading