أخبارالمدن الذكيةالاقتصاد الأخضر

مليارات تُحرق من أجل المستقبل.. رهانات التكنولوجيا بين الأرباح والفشل

كتب محمد حسن

لا تقيس شركات التكنولوجيا الكبرى نجاحها دائمًا بما تحققه اليوم من أرباح، بل بما تأمل أن تملكه غدًا. ولهذا تنفق مليارات الدولارات على مشروعات قد تستغرق سنوات قبل أن تتحول إلى منتجات تجارية، أو تنتهي إلى خسائر يصعب تعويضها.

تجسد شركة «ميتا» هذا الرهان بوضوح؛ فقد تجاوزت الخسائر التشغيلية التراكمية لوحدة «رياليتي لابس»، المعنية بتطوير تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز، 83.5 مليار دولار بين عامي 2020 و2025، في وقت لا تزال فيه الشركة تراهن على أن تصبح هذه التقنيات جزءًا من مستقبل الإنترنت.

لكن استمرار الإنفاق رغم الخسائر لا يعني أن الشركات تتجاهل الحسابات المالية، بل يعكس معادلة مختلفة: تمويل الابتكار من أرباح الأنشطة القائمة، على أمل بناء مصادر دخل جديدة قد تصبح أكثر أهمية مستقبلًا.

الأرباح الحالية تموّل رهانات الغد

تستطيع «ميتا» مواصلة الإنفاق على تقنيات الواقع الافتراضي بفضل قوة أنشطتها الأساسية. فقد حقق قطاع التطبيقات، الذي يضم «فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»، أرباحًا تشغيلية بلغت نحو 102.5 مليار دولار في 2025، بينما سجلت «رياليتي لابس» خسائر تشغيلية بنحو 19.2 مليار دولار خلال العام نفسه.

وتتبع «ألفابت»، الشركة الأم لـ«غوغل»، نهجًا مشابهًا عبر محفظة مشروعاتها المعروفة باسم «الرهانات الأخرى»، التي تشمل السيارات ذاتية القيادة والتقنيات الصحية والأبحاث المتقدمة.

وسجلت هذه الأنشطة إيرادات بلغت نحو 1.54 مليار دولار خلال 2025، لكنها تكبدت خسائر تشغيلية بقيمة 7.52 مليار دولار، مقابل 4.44 مليار دولار في العام السابق.

في المقابل، حقق قطاع خدمات «غوغل» أرباحًا تشغيلية بنحو 139.4 مليار دولار، وأضاف قطاع الحوسبة السحابية 13.9 مليار دولار أخرى، ما يوفر للمجموعة قاعدة مالية تمكّنها من مواصلة تمويل مشروعات لم تصل بعد إلى الربحية.

من المختبر إلى السوق.. الطريق ليس مستحيلًا

تقدم «وايمو»، المتخصصة في تقنيات القيادة الذاتية والتابعة لـ«ألفابت»، مثالًا على كيفية انتقال الابتكار من مشروع بحثي إلى نشاط تجاري. فقد بدأت داخل «غوغل»، ثم تطورت إلى شركة تقدم خدمات نقل باستخدام سيارات ذاتية القيادة.

وفي فبراير 2026، أُعلن عن جولة تمويلية بقيمة 16 مليار دولار لوايمو، كانت «ألفابت» المساهم الأكبر فيها. ولا يمثل التمويل دليلًا بحد ذاته على تحقيق الشركة أرباحًا، لكنه يوضح استعداد المستثمرين لمواصلة تمويل تقنية تسعى إلى توسيع حضورها التجاري.

وفي تجربة أخرى، تحولت خدمات «أمازون ويب» (AWS) من رهان على تأجير قدرات الحوسبة وتخزين البيانات عبر الإنترنت إلى أحد أهم محركات أرباح «أمازون». وحققت الوحدة إيرادات بنحو 128.7 مليار دولار وأرباحًا تشغيلية بلغت 45.6 مليار دولار خلال 2025.

وتكشف هذه التجارب أن بعض المشروعات التي تبدو بعيدة عن النشاط الأصلي للشركة قد تتحول لاحقًا إلى مصادر رئيسية للدخل، لكن الوصول إلى هذه المرحلة ليس مضمونًا.

حين لا تكفي التكنولوجيا لإنقاذ الفكرة

في المقابل، قد تنجح الشركة في تطوير منتج متقدم تقنيًا، لكنها تفشل في إيجاد نموذج تجاري قادر على تغطية تكاليفه.

هذا ما حدث مع الملياردير البريطاني جيمس دايسون، الذي أنفق نحو 500 مليون جنيه إسترليني على تطوير سيارة كهربائية، قبل إلغاء المشروع في 2019. فقد خلصت الشركة إلى أن تكلفة الإنتاج ستجعل بيع السيارة بسعر تنافسي أمرًا بالغ الصعوبة.

وكانت تقديرات دايسون تشير إلى ضرورة بيع السيارة بنحو 150 ألف جنيه إسترليني لتغطية تكلفتها، وهو ما أضعف جدوى المشروع التجارية رغم الأموال والجهود التي استُثمرت فيه.

كما واجهت «أمازون» تجربة مكلفة في سوق الهواتف الذكية، بعدما أطلقت هاتف «فاير فون» في 2014. وانتهى الأمر بتسجيل أعباء بقيمة 170 مليون دولار، ارتبطت بصورة رئيسية بانخفاض قيمة المخزون والتزامات تجاه الموردين.

وتوضح التجربتان أن امتلاك رأس المال والخبرة التقنية لا يضمن وجود طلب كافٍ على المنتج، ولا يعني أن السوق ستقبل السعر الذي تحتاج إليه الشركة لتحقيق الربح.

ابتكارات لا تستهدف الربح المباشر

تختلف دوافع الاستثمار من مشروع إلى آخر؛ فقد لا تكون المبيعات وحدها هي الهدف، بل إظهار القدرات التقنية، أو تعزيز العلامة التجارية، أو تطوير تقنيات يمكن استخدامها في منتجات مستقبلية.

وظهر هذا الجانب في إعلان إيلون ماسك عن نسخة تجريبية جديدة من سيارة «رودستر» الكهربائية، تتضمن تقنيات طُورت بالتعاون مع «سبيس إكس» وتتيح للسيارة القفز والدوران في الهواء.

ورغم أن «تسلا» تستهدف بدء إنتاج السيارة في 2028، سبق لماسك أن قلل من تأثيرها المالي المتوقع على نتائج الشركة. ويرى المحلل سيث جولدشتاين أن قيمة المشروع قد تتمثل في استعراض القدرات الهندسية والتكنولوجية لـ«تسلا»، وليس فقط في العائد المباشر من المبيعات.

لكن حتى هذه القيمة غير المباشرة تظل رهانًا؛ إذ يتعين على الشركة أن توازن بين تكلفة التطوير وما يمكن أن يضيفه المشروع إلى صورتها أو تقنياتها أو منتجاتها الأخرى.

حين يتحول الرهان إلى صناعة كاملة

على الجانب الآخر، يوضح صعود «إنفيديا» كيف يمكن للاستثمار طويل الأجل في تقنية محددة أن يفتح سوقًا أكبر بكثير مما كان متوقعًا عند البداية.

فقد استثمرت الشركة لسنوات في تطوير معالجات الرسوميات والحوسبة المتقدمة، التي ارتبطت في البداية بالألعاب الإلكترونية، قبل أن تصبح مكونًا رئيسيًا في تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتدريب نماذجه.

ومع تسارع الطلب على هذه التقنيات، ارتفعت إيرادات «إنفيديا» إلى نحو 215.9 مليار دولار في سنتها المالية المنتهية في يناير 2026، مقابل 130.5 مليار دولار في السنة السابقة. وبلغت إيرادات مراكز البيانات وحدها نحو 193.7 مليار دولار.

وتوضح هذه التجربة أن الابتكار قد يتحول إلى محرك نمو استثنائي عندما تتقاطع التقنية مع طلب تجاري واسع، لكن نجاح «إنفيديا» لا يلغي المخاطر التي تواجه الشركات التي تراهن على أسواق لم تتشكل بعد.

في النهاية، لا يكمن التحدي أمام المليارديرات في القدرة على ضخ المزيد من الأموال فحسب، بل في تحديد اللحظة التي يستحق فيها المشروع تمويلًا إضافيًا، والتمييز بين ابتكار يحتاج إلى وقت كي ينضج، وفكرة لا تستطيع الوصول إلى نموذج تجاري مستدام.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة