أخبارابتكارات ومبادرات

من المختبر إلى الأجهزة المحمولة؟ شريحة ضوئية جديدة تعيد رسم مستقبل قياس الزمن

اختراق في تكنولوجيا الشرائح يمهّد لساعات ذرية أصغر وأكثر دقة

باحثون يطورون مشطًا تردديًا ضوئيًا باستخدام ليزرين وحلقة مجهرية من نيتريد السيليكون.. واستقرار الترددات يتحسن بنحو 40 مرة، مع بقاء تحديات قبل تحويل الابتكار إلى جهاز متكامل

في خطوة قد تمهّد لتطوير جيل جديد من الساعات الذرية الأصغر حجمًا، نجح فريق من الفيزيائيين في تطوير تقنية ضوئية تعتمد على ليزرين وحلقة مجهرية داخل شريحة صغيرة، لتبسيط إحدى أكثر العمليات تعقيدًا في ضبط أدوات قياس الترددات فائقة الدقة.

وتعتمد الفكرة على إنشاء ما يُعرف باسم «مشط الترددات الضوئي»، وهو أداة تعمل مثل مسطرة شديدة الدقة لقياس ترددات الضوء، إذ تنتج مجموعة من الترددات المتباعدة بانتظام، بما يسمح بقياس ترددات ضوئية يصعب على الأجهزة الإلكترونية التقليدية التعامل معها مباشرة.

ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة «Nature» العلمية في 30 سبتمبر 2026، تحت عنوان «مشط ضوئي ذاتي المحاذاة ينشأ بين ليزرين تفصل بين تردديهما أوكتاف»، بمشاركة باحثين من مؤسسات علمية أمريكية ونيوزيلندية، من بينها المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا وجامعة ماريلاند وجامعة أوكلاند.

وتقدم الدراسة نهجًا مختلفًا لتوليد المشط الضوئي، قد يساعد في التغلب على عقبات حالت دون خروج هذه التقنية من المختبرات إلى تطبيقات عملية أصغر حجمًا وأقل تعقيدًا.

كيف تعمل المسطرة الضوئية فائقة الدقة؟

يعبر لون الضوء عن تردد محدد، أي عدد مرات تذبذب موجته في الثانية. وفي نطاق الضوء المرئي، تصل الترددات إلى مئات التريليونات من التذبذبات في الثانية، وهي سرعات لا تستطيع العدادات الإلكترونية التقليدية قياسها مباشرة.

هنا يأتي دور مشط الترددات الضوئي، الذي ينتج مجموعة كبيرة من الترددات المتراصة بانتظام، مثل علامات المسطرة. وعند مقارنة تردد ضوئي مجهول بهذه العلامات، يمكن تحديد قيمته بدقة فائقة.

وتعد هذه التقنية من الأدوات الأساسية وراء تطور الساعات الذرية الضوئية، التي تعتمد على الترددات المرتبطة بانتقالات الذرات لقياس الزمن بمستويات استثنائية من الدقة.

كما يمكن أن تدعم تطبيقات أخرى، من القياسات العلمية المتقدمة إلى أنظمة الملاحة التي لا تعتمد حصريًا على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي «GPS».

ليزران وحلقة مجهرية بدلًا من التصميم التقليدي

اعتمدت التصاميم التقليدية لمشط الترددات المدمج على ضخ الضوء من ليزر واحد داخل تجويف حلقي بالغ الصغر، ثم توليد ترددات جديدة تمتد تدريجيًا من نقطة البداية نحو طرفي الطيف.

لكن هذه الطريقة تواجه مشكلة أساسية؛ إذ قد تكون الإشارات عند طرفي نطاق التردد ضعيفة أو مشوشة، ما يصعّب إجراء المقارنة اللازمة لضبط المشط واستقراره.

وللتغلب على هذه العقبة، عكس الفريق طريقة التصميم، فبدأ بليزرين عند طرفي النطاق بدلًا من توليد الترددات انطلاقًا من المنتصف.

يعمل الليزر الأول عند تردد يقارب 193 تريليون هرتز، بينما يعمل الثاني عند تردد يقترب من ضعف ذلك، وهو ما يُعرف بفاصل «أوكتاف» بين الترددين.

ويُوجَّه ضوء الليزرين إلى حلقة مجهرية مصنوعة من نيتريد السيليكون، يبلغ قطرها نحو 62 ميكرومترًا، أي أقل قليلًا من عرض شعرة بشرية دقيقة.

أما الشريحة التي تضم الحلقة، فتبلغ أبعادها نحو 1.8 × 5.4 ملليمتر، وهو حجم يقارب حجم حبة الأرز.
داخل هذه الحلقة، تتولد مجموعة واحدة من الترددات تمتد عبر نطاق الأوكتاف بين الليزرين، من دون فجوات في النطاق الذي استهدفه التصميم.

والأهم أن المشط الناتج يصطف تلقائيًا مع ترددي الليزرين، بحيث يصبح الترددان المرجعيان جزءًا من علامات المسطرة الضوئية نفسها، بدلًا من الحاجة إلى ضبط العلاقة بينهما بالوسائل المعقدة المعتادة.

تحسن في استقرار الترددات بنحو 40 مرة

أظهرت التجارب، أن النهج الجديد خفّض تقلبات المسافات بين علامات المشط بنحو 40 مرة، وهي نتيجة مهمة لأن استقرار هذه المسافات يمثل شرطًا أساسيًا لاستخدام التقنية في القياسات الدقيقة وتطبيقات ضبط الزمن.

وقال الباحثون إن التحكم في أمشاط الترددات الضوئية المدمجة وتثبيتها ظل معقدًا وصعبًا رغم سنوات من التطوير، مؤكدين أن النهج الجديد يفتح مسارًا واعدًا لاستخدامها في أنظمة قياس الزمن الذري القابلة للنقل.

ولم تقتصر النتائج على نموذج واحد؛ إذ صُنعت الحلقات باستخدام منشأة تصنيع تجارية على رقائق يبلغ قطرها 100 ملليمتر، وأظهرت الأجهزة العشرة التي اختبرها الفريق من مواضع مختلفة على إحدى الرقائق تكوين المشط ذاتي المحاذاة.

وتعزز هذه النتيجة الآمال في إمكانية تكرار تصنيع التصميم، وإن كانت لا تعني بعد إثبات جاهزية التقنية للإنتاج التجاري واسع النطاق أو تشغيلها في أجهزة مستقلة خارج المختبرات.

ثلاثة اختبارات لوظائف المشط الضوئي

اختبر الباحثون التقنية الجديدة في ثلاث مهام رئيسية تُستخدم فيها أمشاط الترددات الضوئية.

في الاختبار الأول، رُبط المشط بمرجع يعتمد على الروبيديوم، وهو عنصر يُستخدم في الساعات الذرية ومعايير التردد، وأظهرت علامات المشط الترددات المتوقعة.

وفي الاختبار الثاني، ثُبّت أحد الليزرين باستخدام تجويف مرجعي بالغ الاستقرار موجود على شريحة منفصلة. وأنتج النظام إشارة راديوية منخفضة الضوضاء في نطاق الموجات المليمترية، مع استقرار في التقلبات البطيئة مماثل لأفضل أمشاط مدمجة تستخدم تجويفًا مرجعيًا مشابهًا.

أما الاختبار الثالث، فربط الليزرين بساعة روبيديوم، ثم قارن الفريق أداء المشط الجديد بأداء مشط تجاري يعتمد على الألياف الضوئية، باستخدام الساعة المرجعية نفسها.

وأظهرت المقارنة استقرارًا متكافئًا عند حساب متوسط القياسات على فترات تبلغ ثانية واحدة أو أكثر.

وسجل الجهازان انحرافًا متقاربًا عن القيمة المنشورة لتردد الساعة، بنحو 90 ألف هرتز، واتفقا ضمن حدود عدم اليقين في القياس. وعزا الباحثون هذا الانحراف إلى ظروف داخل خلية الروبيديوم الصغيرة، وليس إلى قصور خاص بالمشط الجديد.

وتشير هذه النتائج إلى أن التقنية الجديدة استطاعت قراءة تردد الساعة بمستوى أداء يماثل الأداة التجارية في ظروف الاختبار، وهي خطوة مهمة لتقييم إمكاناتها المستقبلية.

هل أصبحت الساعة الذرية داخل شريحة صغيرة؟

رغم التقدم المحقق، لا تزال هناك عقبات أمام دمج النظام بالكامل في شريحة واحدة.

فالجزء الذي يتولى المقارنة بين الليزرين وضبط علاقتهما عمل باستخدام معدات منفصلة قبل وصول الضوء إلى الشريحة. كما أن المسافة الترددية بين علامات المشط تبلغ نحو 737 مليار هرتز، ما استلزم استخدام معدّلات تردد ومولدات إشارات إضافية لقياسها.

كذلك، حدّت ضوضاء القياس من قدرة الباحثين على تقييم استقرار الإشارة في نطاق التقلبات الأسرع، وهو جانب يحتاج إلى مزيد من التحسين.

وتشمل المسارات المقترحة للتطوير مضاعفة تردد أحد الليزرين داخل الحلقة المصنوعة من نيتريد السيليكون، ودمج المشط الجديد مع مشط آخر أدق تباعدًا بين علاماته.

وقد تقدم بعض الباحثين المشاركين بطلب براءة اختراع مؤقتة لجوانب من التصميم، لكن تحويله إلى منظومة مدمجة بالكامل يظل هدفًا يحتاج إلى مزيد من العمل الهندسي والتجارب.

ماذا يعني ذلك للملاحة والقياسات المستقبلية؟

إذا أمكن دمج الليزرين ومكونات التحكم والقياس في منظومة أصغر وأكثر كفاءة، فقد يساعد هذا النهج على تقليل حجم وتعقيد بعض أدوات قياس الترددات الدقيقة، ويوسع فرص استخدامها في تطبيقات لا تتناسب مع المعدات المختبرية الكبيرة.

ومن بين التطبيقات المحتملة أنظمة الملاحة التي تستطيع العمل دون الاعتماد على GPS وحده، إلى جانب أجهزة القياس العلمي المتقدمة وتوليد الإشارات الراديوية فائقة الاستقرار.

لكن الدراسة لا تعني أن ساعات ذرية صغيرة جاهزة للاستخدام التجاري أصبحت متاحة بالفعل؛ فما تحقق حتى الآن هو إثبات تجريبي لنهج جديد في توليد المشط الضوئي وضبطه، مع بقاء أجزاء مهمة من النظام خارج الشريحة.

ويمثل الابتكار خطوة في اتجاه تحويل تقنيات القياس الضوئي فائق الدقة من أنظمة مختبرية معقدة إلى أجهزة أكثر قابلية للنقل والدمج، على أن يتوقف نجاح هذه الخطوة على القدرة على استكمال التصغير وتحسين القياس وإثبات الأداء في ظروف التشغيل الواقعية.

مقالات ذات صلة

Comments

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة