ساعة نووية جديدة تعمل بنواة الذرة.. خطوة نحو قياس الزمن بدقة غير مسبوقة
من قلب الذرة إلى الفضاء.. ساعة نووية جديدة قد تكشف أسرار المادة المظلمة
فيزيائيون يطورون نموذجًا أوليًا يستخدم نوى الثوريوم لضبط تردد الليزر ذاتيًا، ويعمل لمدة 24 ساعة دون تدخل خارجي، في إنجاز قد يمهد لساعات أكثر استقرارًا واختبارات أدق للبحث عن المادة المظلمة.
في خطوة جديدة نحو تطوير أدوات أكثر دقة لقياس الزمن واختبار القوانين الأساسية للطبيعة، نجح فريق من الفيزيائيين في فيينا في بناء نموذج أولي لساعة نووية تستخدم نوى عنصر الثوريوم داخل بلورة صلبة لضبط تردد الليزر الذي تعتمد عليه في قياس الوقت.
وتمكن النظام من العمل لمدة يوم كامل دون الحاجة إلى تدخل بشري لضبط الليزر، بعدما استخدمت نوى الثوريوم مرجعًا داخليًا يساعد على إبقاء تردده مستقرًا.
ويُعد هذا الإنجاز خطوة مهمة نحو تحويل الساعات النووية من تجارب دقيقة داخل المختبرات إلى أنظمة أكثر استقلالية وقابلية للاستخدام العملي.
ولا تتفوق الساعة الجديدة حتى الآن على أفضل الساعات الذرية البصرية المتاحة، لكنها تقدم نهجًا مختلفًا لقياس الزمن، قد يوفر مزايا في الاستقرار والحساسية للظواهر الفيزيائية الدقيقة، بما في ذلك البحث عن المادة المظلمة.
لماذا قد تكون نواة الذرة أكثر استقرارًا من إلكتروناتها؟

تعتمد الساعات الذرية البصرية على قياس اهتزازات الضوء عند ترددات محددة للغاية، ترتبط بانتقال الإلكترونات بين مستويات الطاقة داخل الذرة، وتُستخدم هذه الترددات مرجعًا بالغ الدقة لضبط الوقت.
لكن الإلكترونات الموجودة في الأجزاء الخارجية من الذرة تتأثر بدرجات الحرارة والمجالات الكهربائية والمغناطيسية والتصادمات مع الذرات الأخرى، فضلًا عن تأثير البيئة الكيميائية المحيطة.
أما نواة الذرة، التي تقع في مركزها، فهي أصغر حجمًا وأكثر انعزالًا نسبيًا عن كثير من المؤثرات الخارجية، ما يجعل الانتقالات الطاقية النووية مرشحة لتوفير مرجع أكثر استقرارًا في بعض الظروف.
ويعتمد الابتكار الجديد على نوى الثوريوم-229، وهو نظير يتميز بوجود مستويين من الطاقة النووية تفصل بينهما فجوة صغيرة بصورة استثنائية مقارنةً بمعظم الأنوية الأخرى.
ويتيح ذلك استخدام ضوء ليزر فوق بنفسجي لإحداث انتقال بين المستويين، وهي خاصية أساسية لبناء ساعة نووية تعتمد على هذا العنصر.
ويقود الفريق تورستن شوم من معهد الفيزياء الذرية ودون الذرية في جامعة فيينا للتكنولوجيا، بالتعاون مع مجموعة إيكهارد بيك في المعهد الاتحادي الألماني للفيزياء التقنية، المعروف اختصارًا باسم PTB.
وكان بيك وأحد زملائه قد طرحا فكرة بناء ساعة تعتمد على هذه الانتقالات النووية عام 2003، فيما تمكن فريقا فيينا والمعهد الألماني في عام 2024 من إثارة نوى الثوريوم-229 باستخدام الليزر، في خطوة مهدت للتطوير الحالي.
كيف تضبط نوى الثوريوم الليزر تلقائيًا؟

تستخدم الساعة بلورة من فلوريد الكالسيوم يبلغ قطرها نحو 3.1 مليمتر، وتُحفظ عند درجة حرارة الغرفة، قرابة 22 درجة مئوية.
ويوجه الباحثون عبر البلورة ضوء ليزر فوق بنفسجي بطول موجي يبلغ 148 نانومترًا، ويمر الشعاع عبر عدد يُقدّر بنحو 10 ملايين مليار نواة من الثوريوم.
وعندما يصل الليزر إلى التردد المناسب تمامًا للانتقال النووي، تمتص النوى جزءًا صغيرًا من الضوء، تبلغ نسبته نحو 0.75%. ويقيس كاشف موجود خلف البلورة كمية الضوء التي تنفذ عبرها.
إذا انحرف تردد الليزر عن القيمة المطلوبة، يتغير مقدار الضوء الممتص، فتستخدم منظومة التحكم هذه الإشارة لإعادة التردد إلى النطاق المستهدف.
وتكمن أهمية هذه الآلية في أن النوى لا تُستخدم فقط لدراسة الانتقال النووي، بل تؤدي دور المرجع الذي يضبط الليزر نفسه. وبذلك تصبح الساعة قادرة على تصحيح انحرافاتها اعتمادًا على إشارة داخلية، بدلًا من الاعتماد المستمر على ساعة مرجعية خارجية.
وقال شوم إن بناء ساعة نووية مستقرة ذاتيًا يتطلب تحقيق توازن دقيق في آلية التصحيح؛ إذ إن التدخل المتكرر أكثر من اللازم قد يضخم الضوضاء العشوائية الصادرة عن الكاشف، بينما يؤدي إطالة الفواصل بين التصحيحات إلى السماح لتردد الليزر بالانحراف.
واختبر الفريق نظامين للتصحيح، أحدهما يعيد ضبط الليزر كل 20 ثانية، والآخر كل 30 دقيقة، بهدف تحديد الطريقة الأنسب للحفاظ على استقراره.
يوم كامل من التشغيل دون تدخل بشري
لقياس أداء الساعة، قارن الباحثون نتائجها بساعة ذرية تعتمد على أيون واحد محصور من عنصر الإيتربيوم، موجودة في مكتب القياس والمساحة الاتحادي في فيينا، ومرتبطة بالمختبر عبر نحو 10 كيلومترات من الألياف الضوئية.
وخلال تشغيل استمر 24 ساعة، لم تؤثر التغيرات الطفيفة في درجة حرارة البلورة، التي بلغت نحو عُشر درجة مئوية، تأثيرًا ملحوظًا في أداء الساعة وفق النتائج المنشورة.
وحافظ معدل الساعة خلال تشغيل واحد على استقرار يقارب جزءًا واحدًا من 100 تريليون، وهو مؤشر يعكس قدرتها على الحد من تغير التردد خلال فترة القياس.
لكن الاتفاق بين القياسات من يوم إلى آخر كان أقل ثباتًا؛ إذ احتاج الباحثون إلى إعادة محاذاة شعاع الليزر قبل كل تجربة، ما أدى إلى مروره عبر مناطق مختلفة قليلًا داخل البلورة.
وللتحقق من تأثير ذلك، وجه الفريق الليزر عمدًا إلى أربع نقاط مختلفة على البلورة.
ووجد أن تردد امتصاص الثوريوم اختلف بين هذه النقاط بمقدار يتجاوز ما يمكن تفسيره بالضوضاء العشوائية بأكثر من عشرة أضعاف، بينما أعطى الرجوع إلى النقطة نفسها نتائج متقاربة.
ويرجح الباحثون أن تكون الإجهادات الدقيقة داخل البلورة هي السبب في هذه الاختلافات، ما يجعل تحسين جودة البلورات أو تثبيت مسار الشعاع خطوة أساسية لرفع قابلية تكرار القياسات.
هل تساعد الساعة النووية في كشف المادة المظلمة؟
لم يقتصر استخدام النموذج الجديد على قياس الزمن؛ إذ استعان به الفريق أيضًا للبحث عن إشارات محتملة للمادة المظلمة، وهي مادة غير مرئية يُستدل على وجودها من آثارها الجاذبية، ويُعتقد أنها تشكل جزءًا كبيرًا من مادة الكون.
وتفترض بعض النظريات أن المادة المظلمة قد تتكون من جسيمات فائقة الخفة، يمكن أن تؤدي إلى تغيرات دورية صغيرة في بعض الثوابت الأساسية للطبيعة.
وإذا حدثت هذه التغيرات، فقد تؤثر في فرق الطاقة بين المستويين النوويين في الثوريوم-229، وهو فرق يتميز بحساسية خاصة للتغيرات في القوى والتفاعلات الأساسية داخل النواة.
ويرجع ذلك إلى أن هذا الانتقال يرتبط بتوازن دقيق بين مساهمات قوى نووية مختلفة، بحيث يمكن لتغير صغير في بعض هذه المساهمات أن يترك أثرًا نسبيًا ملحوظًا في فرق الطاقة المقاس.
وهذه الحساسية تجعل الساعات النووية أداة محتملة لاختبار نظريات فيزيائية تتجاوز النموذج القياسي للجسيمات والقوى، إذا أمكن تحسين دقتها واستقرارها على مدى زمني أطول.
ماذا كشفت تجربة البحث عن المادة المظلمة؟
حلل الفريق نحو 23 ساعة من البيانات، بحثًا عن تغيرات دورية تتراوح فتراتها بين 20 ثانية ويوم كامل.
ولم يرصد الباحثون الإشارة التي كانوا يبحثون عنها ضمن البيانات، ما أتاح لهم استبعاد بعض الاحتمالات النظرية المحددة، لكنه لا يعني نفي وجود المادة المظلمة أو استبعاد جميع النماذج التي تفسر طبيعتها.
وفي بعض السيناريوهات التي تربط المادة المظلمة بالضوء، وصلت القيود التي توصلت إليها التجربة إلى مستويات مماثلة لما حققته أفضل الساعات الذرية.
أما في النماذج التي تربط المادة المظلمة بالقوة المسؤولة عن تماسك الأنوية، فقد بلغت حساسية الاختبار مستويات أفضل بنحو 10 إلى 1000 مرة من عمليات بحث سابقة باستخدام الساعات الذرية، وفق الدراسة.
ويؤكد ذلك أن أهمية الساعة لا تقتصر على أدائها الحالي في قياس الزمن، بل تشمل قدرتها المحتملة على اختبار أفكار فيزيائية يصعب فحصها بأدوات أخرى.
ومع ذلك، فإن البحث استند إلى فترة رصد قصيرة نسبيًا، تقارب يومًا واحدًا.
وقد يساعد التشغيل لأسابيع أو أشهر على البحث عن تغيرات أبطأ، لكنه سيظل بحاجة إلى معالجة مشكلة اختلاف القياسات من يوم إلى آخر بسبب التغيرات داخل البلورة.
ليزر أقوى وبلورات أفضل.. ما الخطوة التالية؟
حدد الفريق تحديين رئيسيين أمام تحسين أداء الساعة: مدى ضيق خط الامتصاص النووي للثوريوم، وشدة الضوء فوق البنفسجي الذي يمكن توصيله إلى النظام.
وفي التجربة الحالية، لم تتجاوز القدرة الضوئية التي وصلت إلى الكاشف نحو 65 تريليون جزء من الواط، ما يحد من كمية الإشارة المتاحة للقياس.
لكن تقنيات الليزر العاملة في هذا النطاق من الأشعة فوق البنفسجية تشهد تطورًا سريعًا، وأشار شوم إلى أن مصادر ليزر أقوى أصبحت متاحة بعد أشهر قليلة من تقديم البحث للنشر.
ويخطط الباحثون كذلك لتحسين البلورة نفسها، ففي بلورة فلوريد الكالسيوم الحالية، يوجد الثوريوم بوصفه عنصرًا مضافًا بكميات ضئيلة، ما يؤدي إلى اضطراب البنية المحيطة به.
ويأمل الفريق في الانتقال إلى بلورات يكون الثوريوم جزءًا طبيعيًا من بنيتها البلورية، الأمر الذي قد يحسن خصائص الامتصاص النووي ويجعل نتائج القياس أكثر قابلية للتكرار.
وبناءً على الحسابات النظرية للفريق، قد تتمكن نسخة محسنة من الساعة من الوصول إلى مستوى الاستقرار الذي تحققه أفضل الساعات البصرية الحالية، مع زيادة حساسيتها للتغيرات في ثوابت الطبيعة بنحو 10 آلاف مرة مقارنةً بالنموذج الحالي.
لكن هذه الأرقام تمثل توقعات مبنية على التحسينات الممكنة، وليست أداءً تحقق بالفعل في التجربة المنشورة.
من المختبر إلى مراكز البيانات وربما الفضاء
إلى جانب الدقة المحتملة، يراهن الباحثون على إمكانية تصغير حجم الساعة النووية، لأنها تعتمد على بلورة صلبة بدلًا من بعض التجهيزات المعقدة التي تتطلبها أنظمة الساعات الذرية التقليدية.
وقال شوم إنه يتوقع أن يصبح من الممكن خلال عامين إلى ثلاثة أعوام وضع الساعة النووية في خزانة قياسية بعرض 19 بوصة، وهي الأبعاد الشائعة لخزائن الخوادم المستخدمة في مراكز البيانات.
كما يدرس الفريق إمكانية إرسال ساعة نووية إلى الفضاء مستقبلًا، حيث يمكن أن تسهم الساعات فائقة الدقة في تطبيقات القياس والملاحة واختبارات الفيزياء الأساسية.
غير أن الوصول إلى هذه الاستخدامات يتطلب تجاوز تحديات الاستقرار اليومي والتفاوت بين أجزاء البلورة، فضلًا عن تحسين مصادر الليزر والتحقق من الأداء في ظروف تشغيل مختلفة.
وتبقى المنافسة مع أفضل الساعات الذرية مفتوحة؛ إذ لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الساعات النووية ذات الحالة الصلبة ستتفوق عليها في الدقة والاستقرار النهائيين.
ونُشرت الدراسة في مجلة Nature، لتقدم نموذجًا أوليًا لساعة نووية تضبط الليزر ذاتيًا، وتفتح مسارًا بحثيًا جديدًا يجمع بين قياس الزمن واختبار بعض أعمق الأسئلة المتعلقة بطبيعة الكون.





