أهم الموضوعاتأخبارالاقتصاد الأخضر
تغير المناخ يصل إلى رغيف الخبز.. ارتفاع ثاني أكسيد الكربون يغيّر بروتينات القمح
ليس المحصول وحده.. دراسة تحذر من تغير جودة القمح مع ارتفاع ثاني أكسيد الكربون
تجربة حقلية ألمانية رصدت انخفاضًا بنحو 5% في البروتين الكلي وقرابة 19% في مجموعة من بروتينات الجلوتين، مع تراجع حجم الأرغفة بنحو 4%.. وتغيرات في بروتينات مرتبطة بالحساسية لم تُحسم آثارها الصحية بعد
لا يقتصر تأثير تغير المناخ على كمية المحاصيل التي تنتجها الحقول، بل قد يمتد إلى المكونات الغذائية داخل الحبوب وجودة المنتجات التي تصل إلى موائد المستهلكين.
فقد أظهرت تجربة حقلية أُجريت في ألمانيا أن تعريض القمح لتركيزات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون أدى إلى انخفاض البروتين الكلي في الحبوب، وتغيرات في بروتينات الجلوتين المرتبطة بخصائص العجين، إلى جانب تراجع حجم الخبز الناتج من الدقيق.
والأكثر أهمية، أن الباحثين رصدوا أيضًا تغيرات في بروتينات أخرى مرتبطة بحساسية القمح، لكنهم لم يختبروا ما إذا كانت هذه التغيرات تؤثر فعليًا في أعراض الأشخاص الذين يعانون الحساسية أو الداء البطني.
الدراسة المنشورة في مجلة Food Chemistry حول تأثير ارتفاع ثاني أكسيد الكربون في بروتينات قمح الشتاء وخصائص الخَبز، تسلط الضوء على تحدٍ إضافي أمام الأمن الغذائي في عالم ترتفع فيه مستويات ثاني أكسيد شالكربون: كيف يمكن الحفاظ على إنتاج القمح، مع ضمان جودة البروتينات والخصائص اللازمة لصناعة الخبز؟
القمح خسر جزءًا من بروتينه.. والخبز أصبح أصغر

اختبر فريق بحثي بقيادة سابرينا جايستلِتز، الباحثة في معهد لايبنيز لبيولوجيا نظم الغذاء التابع للجامعة التقنية في ميونيخ، استجابة 10 أصناف من قمح الشتاء لتركيزات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون.
وزُرعت الأصناف في الهواء الطلق بالقرب من مدينة راينباخ الألمانية خلال موسم النمو لعام 2023. واستخدم الباحثون نظامًا لإطلاق ثاني أكسيد الكربون فوق جزء من الحقل، بينما نمت النباتات في جزء آخر تحت ظروف الهواء المعتادة.
وكان الهدف محاكاة تركيزات تقترب من المستويات المتوقعة في منتصف القرن الحالي، ثم مقارنة تركيب الحبوب وجودة الدقيق الناتج منها.
وأظهرت النتائج أن القمح الذي نما في ظروف ثاني أكسيد الكربون المرتفع احتوى على بروتين أقل بنحو 5% في المتوسط. وكان الانخفاض أكبر في مجموعة تضم 21 بروتينًا من بروتينات الجلوتين، إذ تراجع مجموعها بنحو 19%.
ولم تقتصر الاختلافات على التحليل الكيميائي للحبوب. فعندما استخدم الباحثون الدقيق في اختبارات الخَبز، كانت الأرغفة الناتجة أصغر حجمًا بنحو 4% مقارنة بالأرغفة المصنوعة من دقيق القمح الذي نما في الهواء المعتاد.
ويرتبط الجلوتين بقدرة العجين على تكوين شبكة مرنة تحتجز الغازات الناتجة خلال التخمير، ما يساعد الخبز على الارتفاع وتكوين بنيته الداخلية. لذلك، يمكن أن تؤثر التغيرات في كمية بروتينات الجلوتين وتركيبها في أداء العجين وخصائص الرغيف.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن كل أنواع الخبز ستصبح أصغر مستقبلًا؛ فالنتائج تخص أصناف القمح وظروف التجربة، كما أن جودة الخَبز تتأثر بعوامل أخرى، منها خصائص الدقيق وطريقة الطحن والتخمير والخبز.
بروتينات مرتبطة بالحساسية ارتفعت أيضًا
لم تتوقف التغيرات عند بروتينات الجلوتين. فقد وجد الباحثون أن متوسط تركيز مثبطات الأميلاز والتربسين، المعروفة اختصارًا باسم ATIs، ارتفع بنحو 6% في القمح الذي تعرض لتركيزات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون.
وتوجد هذه البروتينات في القمح، ويمكن أن تسهم بعض أنواعها في إثارة تفاعلات لدى أشخاص يعانون حساسية القمح. كما دُرست علاقتها ببعض حالات الحساسية غير المرتبطة بالداء البطني، لكن الآثار الصحية تختلف باختلاف الحالة والبروتين المعني، ولا يمكن استنتاجها من قياس التركيز وحده.
وارتفع تركيز أحد البروتينات النشطة ضمن هذه المجموعة بنحو 15%، بينما سجلت تسعة أصناف من أصل عشرة زيادة في مثبطات الأميلاز والتربسين عند نموها في ظروف ثاني أكسيد الكربون المرتفع.
ومع ذلك، لم يختبر الباحثون أشخاصًا يتناولون هذا القمح، ولم يقيسوا شدة الأعراض أو احتمال ظهور تفاعلات تحسسية. لذلك، لا تثبت الدراسة أن ارتفاع ثاني أكسيد الكربون سيجعل القمح أكثر تسببًا في الحساسية، بل تكشف تغيرًا في مكونات تستحق الدراسة الصحية بصورة مباشرة.
هل يصبح القمح أقل خطورة على مرضى الداء البطني؟
تكشف النتائج صورة أكثر تعقيدًا من مجرد زيادة بروتينات مرتبطة بالحساسية أو انخفاض الجلوتين.
فقد حلل الباحثون عشرة أجزاء بروتينية من الجلوتين ترتبط باستجابات مناعية لدى المصابين بالداء البطني، المعروف أيضًا باسم السيلياك. وأظهرت القياسات أن تسعة من هذه الأجزاء انخفضت في المتوسط في القمح الذي نما تحت تركيزات مرتفعة من ثاني أكسيد الكربون.
لكن هذا الانخفاض لا يعني أن القمح أصبح أكثر أمانًا لمرضى السيلياك.
فالمرض ينطوي على استجابة مناعية تجاه أجزاء محددة من الجلوتين، ويمكن أن يؤدي تناولها إلى إتلاف بطانة الأمعاء الدقيقة. ولم تقِس الدراسة جميع الأجزاء المعروفة بإمكان إثارة هذه الاستجابة، كما لم تختبر تأثير القمح على الخلايا المناعية أو على المرضى أنفسهم.
كذلك، فإن انخفاض بعض الأجزاء البروتينية لا يضمن انخفاض الخطر الإجمالي، خصوصًا عندما تتغير مكونات أخرى في الحبة في الوقت نفسه.
وقالت كاتارينا شيرف، التي تقود المجموعة البحثية، إن تحديد الأهمية البيولوجية والمناعية الفعلية لهذه الاختلافات يتطلب دراسات إضافية.
وبالتالي، لا تقدم النتائج أساسًا لتغيير النظام الغذائي لمرضى السيلياك أو الأشخاص الذين يعانون حساسية القمح، ولا تبرر اعتبار القمح المزروع تحت ثاني أكسيد الكربون المرتفع أكثر أمانًا أو أكثر خطورة دون أدلة سريرية.
اختلاف الأصناف قد يمنح المربين فرصة للتكيف
من النتائج المهمة أن الأصناف العشرة لم تستجب بالطريقة نفسها. فقد انخفض البروتين الكلي في تسعة أصناف، بينما سجل صنف واحد زيادة طفيفة.
كما أظهرت التحليلات أن الصنف المزروع نفسه كان عاملًا مؤثرًا بقوة في اختلاف مستويات الجلوتين ومثبطات الأميلاز والتربسين، بل فاق تأثير معاملة ثاني أكسيد الكربون في بعض المقارنات.
وهذا يعني أن ارتفاع ثاني أكسيد الكربون لا يؤدي بالضرورة إلى استجابة موحدة في جميع أنواع القمح، وأن الاختلافات الوراثية بين الأصناف يمكن أن تكون نقطة انطلاق لتطوير محاصيل تحافظ على جودة البروتين وأداء الخَبز في ظل تغير الظروف البيئية.
لكن اختيار الأصناف المناسبة لن يعتمد على مؤشر واحد. فالصنف الذي يحتفظ بمستويات جيدة من البروتين قد لا يقدم بالضرورة أفضل خصائص للعجين، كما أن انخفاض أحد البروتينات المرتبطة باستجابة مناعية لا يضمن انخفاض جميع الأجزاء ذات الصلة.
ولهذا يحتاج تطوير القمح المستقبلي إلى موازنة عدة أهداف: كمية المحصول، والقيمة الغذائية، وجودة الدقيق، وخصائص الخَبز، والتركيب البروتيني الذي قد يكون مهمًا لبعض الفئات الصحية.
لماذا لا تكفي تجربة واحدة لحسم مستقبل الخبز؟

رغم أهمية النتائج، فإن التجربة أُجريت في موقع واحد وخلال موسم زراعي واحد. كما اعتمدت على حلقة حقلية واحدة لزيادة ثاني أكسيد الكربون وأخرى للهواء المعتاد، وهو قيد مهم عند تعميم النتائج؛ إذ يصعب فصل أثر المعاملة عن الاختلافات الخاصة بالموقع بصورة كاملة من دون تكرار التجربة في مواقع ومواسم متعددة.
كذلك، فإن ظروف الحقول لا تتغير بسبب ثاني أكسيد الكربون وحده. فارتفاع درجات الحرارة والجفاف وتغير توافر المياه والعناصر الغذائية يمكن أن تؤثر في نمو القمح وتركيبه البروتيني، وقد تتفاعل هذه العوامل معًا بطرق لا تظهر في تجربة تركز على عامل واحد.
ومن ثم، يحتاج الباحثون إلى تكرار التجارب عبر بيئات ومواسم مختلفة، واختبار أصناف أكثر تنوعًا، ودراسة تأثير اجتماع ارتفاع ثاني أكسيد الكربون مع الحرارة والإجهاد المائي.
كما يتطلب تقييم الآثار الصحية إجراء دراسات مستقلة تتجاوز تحليل مكونات الحبوب إلى اختبار الاستجابات البيولوجية والمناعية المناسبة.
من تغير المناخ إلى جودة الغذاء

تضيف الدراسة بُعدًا جديدًا إلى النقاش حول تأثير تغير المناخ في الأمن الغذائي. فالتحدي لا يقتصر على كمية القمح التي يمكن إنتاجها، بل يشمل أيضًا تركيب الحبوب ومدى ملاءمتها لصناعة الأغذية التي يعتمد عليها ملايين البشر يوميًا.
وبالنسبة إلى المزارعين ومربي النباتات وصناعة المخابز، قد تصبح مراقبة جودة البروتين وخصائص الدقيق أكثر أهمية عند اختيار الأصناف وتقييم المحاصيل في ظروف مناخية متغيرة.
لكن النتائج لا تعني أن رغيف الخبز أصبح أقل أمانًا، ولا أن جميع أنواع القمح ستفقد البروتين أو تتغير بالطريقة نفسها. إنها إشارة علمية إلى أن ارتفاع ثاني أكسيد الكربون قد يؤثر في صفات غذائية وتصنيعية تتجاوز حجم المحصول.
الخلاصة: قد يغيّر تغير المناخ بعض الخصائص الداخلية للقمح قبل أن نلاحظ أثره في الرغيف على المائدة. وتتمثل الخطوة التالية في معرفة مدى ثبات هذه التغيرات عبر البيئات والأصناف، وما إذا كانت لها آثار غذائية أو صحية فعلية، حتى يمكن تطوير قمح قادر على الحفاظ على إنتاجيته وجودته معًا.



