وجهات نظر

رائد الصعوب: الأردن.. نموذج في الزراعة المستدامة ومواجهة تحديات المناخ

الامين العام السابق للاتحاد العربي للأسمدة

يشهد الأردن، كغيره من دول المنطقة، تحديات بيئية ومناخية تؤثر بشكل مباشر على قطاعه الزراعي، أبرزها قلة الموارد المائية وتأخر الأمطار.

وخلال مقابلة إذاعية أجريت مع وزير الزراعة الأردني، المهندس خالد الحنيفات، على إذاعة حسنى، تناول الوزير القضايا التي تواجه الزراعة الأردنية، والخطط المستقبلية التي تسعى الحكومة لتنفيذها لضمان استدامة هذا القطاع الحيوي، وتعزيز الأمن الغذائي الوطني. وفيما يلي عرض تفصيلي لأبرز النقاط التي تم تناولها في المقابلة.

 التحديات المناخية وتأثير تأخر الأمطار على القطاع الزراعي

بدأت المقابلة بمناقشة تأثير تأخر الموسم المطري على الزراعة في الأردن، إذ أكد معالي الوزير أن الموسم الحالي شهد هطولًا أقل من المعدل المعتاد، مع تذبذب واضح في كميات الأمطار وعدم انتظام توزيعها، وهو ما يعكس تداعيات التغير المناخي.

وأشار الحنيفات إلى أن الأردن، رغم كونه واحدًا من أفقر الدول مائيًا، لديه مرونة وتكيف في التعامل مع هذه التحديات، إذ يتم التخطيط لإدارة الموارد المائية بالشكل الأمثل لضمان استمرار الإنتاج الزراعي.

ولعل الزراعة البعلية، التي تعتمد على الأمطار، هي الأكثر تأثرًا في ظل هذه الظروف، إذ توقع الوزير أن تعاني هذه الزراعات من انخفاض كبير في الإنتاج. ولكن رغم ذلك، أشار إلى أن الحكومة، من خلال التنسيق مع وزارة المياه والري، تضع خططًا لضمان استمرار الزراعة المروية من خلال السدود والحصاد المائي.

 الجهود الحكومية لتعزيز حصاد المياه والسدود الترابية

من بين الحلول التي يتم العمل عليها لمواجهة نقص المياه، أوضح الحنيفات أن الوزارة ركزت على مشاريع الحصاد المائي، حيث يتم العمل على تعزيز تخزين المياه من خلال السدود الترابية والحفائر.

ووفقًا له، فإن نسبة امتلاء السدود الترابية في المناطق الجنوبية والشرقية وصلت إلى 70%، وذلك بفضل تركز الهطولات المطرية الأخيرة في هذه المناطق، مما وفر مصدرًا هامًا لدعم المزارعين ومربي المواشي.

وتعمل الوزارة حاليًا على إنشاء 50 حفيرة وسدًا ترابيًا جديدًا سنويًا، مع استكمال مشاريع صيانة وتأهيل السدود القديمة. كما شهدت المملكة توسعًا ملحوظًا في حفر الآبار لجمع المياه، حيث ارتفع عددها من 300 بئر في عام 2021 إلى أكثر من 5000 بئر في عام 2025، وهو إنجاز يسهم في توفير مصادر مياه بديلة لمختلف القطاعات الزراعية.

أكد الوزير أن هذه الجهود لها تأثير كبير على مربي المواشي، الذين كانوا يضطرون لقطع مسافات طويلة لجلب المياه، بينما أصبح بإمكانهم الآن الوصول إلى مصادر مياه قريبة، مما يساعد في تقليل تكاليف الإنتاج وتحسين ظروف العمل في القطاع الزراعي.

تحقيق الاكتفاء الذاتي ودعم المزارعين

أحد المحاور المهمة التي تمت مناقشتها كان دور الحكومة في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الإنتاج المحلي، وأوضح الحنيفات أن نسبة الاكتفاء الذاتي من الخضار والمواد الأساسية في الأردن تصل إلى 61%، ما يدل على نجاح القطاع الزراعي في توفير المنتجات للمستهلكين رغم التحديات.

الإجراءات الحكومية لدعم المزارعين:

1. توفير التمويل اللازم للمزارعين:
• بلغ إجمالي القروض الزراعية المقدمة خلال السنوات الأخيرة 200 مليون دينار.
• تم تخصيص 60 مليون دينار كقروض بدون فائدة لدعم مشاريع محددة، مثل إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، والزراعة الذكية، والاستثمار في الإنتاج الحيواني.
2. إنشاء مجمعات صناعية زراعية:
• يتم العمل على إنشاء مراكز تعبئة وتبريد للمنتجات الزراعية، مثل المجمع المخطط له في الأغوار الشمالية، والذي سيساعد في حفظ الفائض من الحمضيات والخضار، مما يقلل الخسائر ويضمن استقرار الأسعار على مدار العام.
3. التوسع في التصنيع الغذائي:
• تم توقيع اتفاقيات لإنشاء 20 مصنعًا زراعيًا جديدًا، مما سيساعد في تحويل المنتجات الزراعية إلى سلع مصنعة قابلة للتصدير.
• الهدف من هذا التوسع هو حماية المزارعين من تقلبات الأسعار، وضمان الاستفادة القصوى من المحاصيل.

حل مشكلات التسويق الزراعي والحد من الكساد

من أبرز المشاكل التي يواجهها المزارعون في الأردن هي تقلبات الأسعار نتيجة عدم التوازن بين العرض والطلب، حيث أشار الحنيفات إلى أن بعض المحاصيل، مثل البندورة، شهدت كسادًا بسبب الإنتاج الزائد، مما دفع الوزارة للتدخل وتقديم دعم مباشر للمزارعين، حيث تم دعم الطن الواحد من البندورة بـ 550 دينارًا لمساعدتهم على تجاوز الأزمة.

خطط الحكومة لمعالجة هذه المشكلة:

• دعم الشحن الجوي بنسبة 50%، والشحن البحري بنسبة 25%، مما يساعد المزارعين في تصدير منتجاتهم للخارج بسهولة أكبر.
• إنشاء مخازن تبريد بسعة 10,000 طن لحفظ المنتجات الزراعية الزائدة، مثل الحمضيات، مما يمنع تدهور الأسعار في السوق المحلي.
• تشجيع الجمعيات التعاونية، حيث تم تقديم دعم يصل إلى 150 ألف دينار لبعض الجمعيات التعاونية الزراعية، مما يساعد في تنظيم عملية الإنتاج والتسويق.

الاستثمار في الزراعة واستقطاب المستثمرين

في سياق الحديث عن الاستثمارات الزراعية، أكد الحنيفات أن الحكومة فتحت الباب أمام المستثمرين المحليين والدوليين للاستثمار في المشاريع الزراعية، خاصة في المناطق ذات الموارد المائية المتاحة مثل وادي عربة، حيث يتم تقديم أراضٍ بأسعار رمزية للمستثمرين الجادين.

كما كشف عن تخصيص 63000 دونم في منطقتي السرحان والحماد للاستثمار في الزراعة التصديرية، وهو ما سيسهم في تعزيز الإنتاج الزراعي الموجه للأسواق الخارجية.

ولتعزيز هذا التوجه، أشار إلى أن الحكومة عملت على إلغاء ودمج أكثر من 1080 شرطًا وإجراءً إداريًا كان يشكل عقبة أمام المستثمرين، مما أدى إلى زيادة صادرات المنتجات الزراعية بقيمة 160 مليون دينار، وانخفاض المستوردات الزراعية بحوالي 400 مليون دينار، وهو ما انعكس إيجابيًا على الاقتصاد الوطني.

 الزراعة كأولوية وطنية لمستقبل مستدام

يظهر من خلال النقاشات مع وزير الزراعة أن الأردن لا يكتفي بمواجهة تحديات نقص المياه والتغير المناخي، بل يضع استراتيجيات بعيدة المدى لتعزيز الإنتاج المحلي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وجذب الاستثمارات، وتطوير القطاع الزراعي ليكون أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

ومن خلال التركيز على الاستدامة، والتصنيع الغذائي، والتوسع في مشاريع الحصاد المائي، وتحسين آليات التسويق الزراعي، تسير الحكومة الأردنية في اتجاه بناء قطاع زراعي أكثر استقرارًا ومرونة، ويبقى نجاح هذه الجهود مرهونًا بتعاون جميع الأطراف، سواء الحكومة، أو القطاع الخاص، أو المزارعين، لتحقيق رؤية زراعية مستدامة تخدم الأردن حاليًا ومستقبلًا.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading