وجهات نظر

د.عاطف معتمد:لماذا ننسى غزة!؟

أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة

العالم الافتراضي مثل العالم الواقعي، أو يكاد. قبل ثلاثة أشهر ركبت ميكروباص يدير فيه السائق الأهوج أغاني مهرجانات مزعجة.

طلبنا منه إيقاف هذا العبث، قال له راكب شاب بصوت العقل “عيب عليك تشغل أغاني راقصة وأهلنا في غزة بيموتوا كل ساعة”.

كان العالم الواقعي وقتها يشبه العالم الافتراضي في انشغاله بأمر الأشقاء في غزة.

لكن اليوم وبعد ما يقرب من 120 يوما من الحرب، فإن الاهتمام في العالمين الافتراضي والواقعي وصل إلى درجة ضعيفة للغاية.

لم نعد نكتب كل يوم عنها، أو نشارك أخبارها أو نتداول الصور والأخبار عما يحدث هناك.

لماذا ننسى غزة؟

هناك في نظري ستة أسباب كبيرة:

إطالة أمد الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة، وعامل الزمن في ثقافتنا العربية معروف جدا.

وقد قال أحدهم إن أعظم انتصارات العرب في أكتوبر 1973 لم تدم أكثر من أسبوعين.

– وفي الحراك السياسي الحديث لم تصمد ثورة يناير أكثر من أسبوعين قبل أن تتناولها يد التشتت.

إطالة أمد الحرب يتجاوز إذن قدرتنا على المتابعة والتضامن لأننا لم ننشأ على الصبر الطويل، ونريد دوما حلولا سريعة.

وبموازاة هذه الإطالة تحاصرنا صور الواقع الفائق على الشاشات الملونة بدماء وتشريد وتدمير بما يصدم العقل والعاطفة ليل نهار، بحيث يفقد المثير درجة إثارته ويصبح أقرب إلى الاعتياد او يتوقف عن المتابعة لأنه لا يستطيع أن يتحمل كل هذا مع عجزه عن فعل أي شيء.

– ضعف بنيان التضامن الفردي، لا توجد أحزاب أو نظم أو حركات سياسية ينضم لها المواطنون، كل يغامر ويجرب على طريقته.

وهذا بالطبع قد ينجح أسبوعا أو شهرا لكنه لا يصمد دوما، فلكل فرد مشاغل في خريطة حياته الذاتية التي تجذبه إلى الدائرة المركزية للنفس، وقد ينصرف أو يتعب أو يمل أو يصيبه إحباط غير الإحباط الذي يقابله في دائرته الحياتية.

– تبين أن خريطة التأثير لم تعد التظاهر والتفاعل بل أصوات على أرض الواقع وخطط عسكرية من دول تقع في الدائرة الثانية والثالثة للأحداث.

وهذا أمر لافت للانتباه يعيد توجيه البوصلة إلى وجهة جديدة، بعد اعتقاد خاطئ ظل مسيطرا لسنوات مفاده أن العالم الافتراضي والتدوينات ستغير العالم الواقعي.

وقد كتبت قبل خمس سنوات أن دور العالم الافتراضي في تغيير الأوضاع السياسية في العالم العربي قد انتهى إلى غير رجعة لأنه استهلك زمنه وغرضه، وأن المستقبل في الحراك السياسي لأدوات ووسائل أخرى.

– خطورة الأوضاع الاقتصادية والأمنية في عديد من الدول الإقليمية المحيطة بغزة. وهذه الأوضاع تستحوذ على وعي الناس فلا تترك لهم وقتا للتضامن مع غزة.

ولعلنا هنا نلاحظ أن كثيرا من التفاعلات التي كان يشاركها الناس في العالم الافتراضي كانت ممن لديهم فائض اقتصادي ووضع لا بأس به للبقاء على قيد الحياة.

-وقوع ارتباك حيال فهم حقيقة اللاعب الإقليمي الرئيس في الإقليم، ففي الظاهر يبدو المشهد أن إسرائيل تقوم بموجة إبادة جديدة ضد الفلسطينيين في غزة أمام صمت من الدول العربية المركزية.

لكن فيما وراء الصورة الظاهرة هناك إيران والقوى التابعة لها مثل حزب الله والحوثيين في اليمن، والصراع السني الشيعي في العراق، والانشطار الوطني في سوريا، وحالة السيولة في السعودية، والدور الذي تحاول الإمارات أن تلعبه بما يتجاوز قدراتها الديموغرافية.

– لابد لن أن نعترف أننا فشلنا أمام الذكاء الاصطناعي (عبر وكيله الإقليمي) من خلال ما مارسه الفيسبوك علينا من حجب وعدم إتاحة ومنع وصول التدوينات.

ولابد أن نعترف أيضا أن كثيرا منا له مصلحة أنانية فردية (تماما مثل كاتب هذه السطور) يزعجه غياب صفحته وكساد بضاعته، فيلجأ إلى الانصراف عن المسألة المعقدة التي تثير الحجب وطالت إلى أربعة أشهر، ويريد العودة إلى مسار حياته وتحدياته اليومية.

وقد نجح فيسبوك وفشلنا، وأوقعنا تحت رحمته فسمح لنكتة أو دعابة أو صورة شخصية بأن تتجاوز الآلاف بينما لا يصل مقال يتضامن مع غزة إلى بضع عشرات من القراء المتضامنين.

نقلا عن صفحة د. عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك 

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading