د.عاطف معتمد: المشاركون في التضحية بقطاع غزة !
أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة
بعد أكثر من شهر ونصف من بداية الأحداث في غزة تسير الأمور نحو تصفية إسرائيل القطاع وتدمير بنيته وتشريد أهله.
خلافا للبهجة الشعبية التي انتابت العالم العربي ببطولات المقاومة وحلم تحرير فلسطين يوم السابع من أكتوبر، يخيم اليوم حزن كبير بعد قتل وإصابة عشرات الآلاف من أبناء غزة.
في مثل هذه الأجواء تعود نظرية المؤامرة التي تقول إن هذه الأحداث كانت متوقعة وكان مرتبا لها بهدف الوصول إلى النتائج الحالية.
وقد كتبت في أول يومين من الأزمة مقالا قلت فيه إن هناك أصواتا نافرة تقول إن ما يحدث هو ترتيب شبه متفق عليه بين إسرائيل وحماس، أو في أضعف الأحوال أن إسرائيل كان لديها معلومات كافية ودقيقة عن هجوم حماس، وقد انتظرته إسرائيل يحدث، لكي تعصف بالقطاع عصفة قاتلة ساحقة ضمن خطة إقليمية ودولية.
لكن بدلا من الجدال في نظرية المؤامرة دعونا نرى المشاهد التي تراكمت منذ السابع من أكتوبر وأوصلتنا إلى النتيجة الحالية:
▪️ هجوم حماس على غلاف غزة استهدف جنود احتلال، واستهدف أيضا مدنين. تعد هذه هي النقطة التي استغلتها وسائل الإعلام العالمية المؤيدة لإسرائيل في السؤال الذي توجهه لأي مناصر للقضية: “ألا تعتبر حماس جماعة إرهابية؟”
ويستند السؤال في الغرب إلى أن حماس قتلت شبابا في حفلة رقص أو أسرت سيدات مسنات وأطفال، وأخذت صورا معهم.
ولم يستطع أحد أن يصمد أمام سؤال شيطنة حماس، حتى باسم يوسف الذي نجح في المقابلة الأولى استدرجه مقدم البرنامج في المرة الثانية وانتزع منه أمام الملايين عبارة “نعم حماس حركة إرهابية”
▪️ التدخل الروسي المشاغب في غزة لصرف الانتباه عن ملفها في أوكرانيا، وجاء ذلك عبر إيران وحزب الله.
واستقبلت موسكو زعماء حركة حماس بعد أسبوع من الأزمة والتقى وزير الخارجية لافروف بهم أمام الشاشات في إعلان عالمي بأنهم يناصرون حماس وهو ما أعطى إشعارا بأن روسيا تقف وراء المقاومة.
على الرغم من التناقض المنهجي لأن موسكو تعتبر حركة الإخوان جماعة إرهابية وتحظر نشاطها على الأراضي الروسية.
▪️ في العواصم الأوروبية تم السماح لتظاهرات شعبية بالتعبير عن نفسها ليس بالضرورة لنصرة أهل غزة ولكن للتنفيس عن مشاعر الأقليات والمهاجرين الذين بوسعهم حرق هذه البلاد على أهلها، حتى أن كلمات ماكرون الأسبوع الماضي ضد إسرائيل بشأن قتل الأطفال والنساء إنما جاءت لتبييض وجهه أمام المهاجرين وليس لها أي أثر قانوني أو دولي.
▪️ على مستوى النظم السياسية العربية، يبدو أنه كان هناك ارتياح لما يجرى ربما لتصفية قضايا ثأرية مع حماس (الصورة المسلحة للإخوان الذين شاركوا في الربيع العربي ويمكن أن يهددوا النظم الملكية والجمهورية العتيدة).
وترى النظم العربية الحالية أنه لو انتصرت حماس فسيكون ذلك انتصارا لإيران الشيعية التي تتغول في المنطقة عبر أذرعها الأخطبوطية في لبنان والعراق وسوريا واليمن.
▪️ التيارات المدنية في العالم العربي والمهاجمون للحركات الإسلامية، ممن يرون أن تعطيل النهضة الحضارية سببه الإسلام السياسي، ويرى هؤلاء أن ما حدث في غزة هو تدعيم لوجهة نظرهم بأن حماس “اختطفت القطاع”.
وقد ظهر مصطلح “الاختطاف” بعد أحداث 11 سبتمبر حينما صك البعض تعبير “اختطاف الإسلام” أي أن مجموعة إرهابية من خاطفي الطائرات اختطفت الإسلام الذي يضم ملايين البشر المسالمين الذين لا يوافقون على هذا السلوك.
في نظرية اختطاف حماس لقطاع غزة إيحاء بأن هناك تيارات أخرى في المجتمع الفلسطيني لا ترضى عن سياسة حماس وأنه من الممكن أن يعيش سكان القطاع في ظروف أفضل وحياة أكثر راحة إذا ما تولت سلطة أخرى إدارة القطاع، سلطة غير إسلامية وغير متعاونة مع حزب الله وإيران وروسيا.
▪️ لعبت آلة الإعلام الإسرائيلية والأمريكية نفس اللعبة التي تم ترويجها لغزو واحتلال بغداد قبل 20 سنة من أن صدام حسين لديه أسلحة وقدرات عسكرية خارقة.
في حالة قطاع غزة تم تصوير الأنفاق التي تحت الأرض كأنها قاعدة عسكرية لترسانة ضحمة يمكنها الصمود إلى ما لا نهاية أمام أعتى جهاز عسكري صهيوني.
وفي العالم العربي تم تصوير مشاهد رمزية – كالجندي الذي يشعل النار في مدرعة بولاعة سجائر أو الاشتباك من المسافة صفر – باعتبارها عودة إلى زمن المعجزات الخارقة التي تبشر بالنصر النهائي.
ورغم أنه لا أحد – من الأعداء قبل الأصدقاء – ينكر حقيقة أن هذه الأحداث والبطولات خارقة فعلا إلا أنها بطولات إعجازية على المستوى الفردي وليس على مستوى جيوش ومؤسسات ونظام إقليمي، وتم تصويرها بنفس نظرية نفخ العدو لخلق مبرر لتدميره والتهويل من خطره على دولة إسرائيل لدرجة التلويح باستخدام قنبلة نووية ضد القطاع.
وفي الختام، هذه ليست المرة الأولى – ولن تكون الأخيرة – التي يتم فيها التلاعب بالأمم الصغيرة لصالح مخططات أكبر: إقليمية ودولية.
هل كانت حماس تظن في النظم العربية تحركا فعليا في ظل خريطة العداء الإقليمي مع إيران وأذرعها؟ هل راهنوا على إشعال المنطقة ضمن منطق الفوضى الخلاقة؟ هل كانوا يعرفون أنهم يقدمون القطاع للتدمير والقتل، ويوقعون نخبتهم المسلحة في الأسر بهذه الطريقة؟
هل كان المقاومون يعرفون أنه يتم التلاعب بهم في هذه اللعبة الجهنمية؟ ويعرفون من يتلاعب بهم؟
هل كانوا يعرفون النتيجة التي وصلنا إليها اليوم؟ ولو كانوا يعرفون هل قرروا القيام بعملية فدائية يقدمون فيها أرواحهم وأرواح أهل القطاع؟ وحتى في هذه الحالة سيخرج البعض ليسألهم: وهل أخذتم موافقة أرواح سكان القطاع لتقديم هذا الفداء؟
قلت مؤخرا في خاطرة خفيفة إننا نعيش مرحلة الطفولة الحضارية المتأخرة.
وهذه ليست سبة أو إهانة، الطفولة المتأخرة مرض تاريخي سببه الاستعمار والتبعية، وهو يعطل الدخول إلى مرحلة “المراهقة” والمراهقة مرحلة صعبة جدا دخلتها بعض الدول العربية ولم تدخلها دول أخرى بعد.
بعد المراهقة – التي تصحب معها الحرب الأهلية والطائفية والتخوين والتصفية والتصنيف والإقصاء- تأتي مرحلة الشباب ثم بعدها مرحلة النضج، ثم دولة السلام والرفاه، قبل الشيخوخة والمرض وتحلل الموت…ثم تجدد الميلاد !
نقلا عن صفحة د. عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك





