د.عاطف معتمد: من سيدي بشر إلى عزبة محسن !
أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة
من الإسكندرية ولمسافة 500 كم حتى السلوم على حدود ليبيا عشرات المواقع التي تبدأ بلقب سيدي (من أول سيدي كرير مرورًا بسيدي عبد الرحمن ووصولًا إلى سيدي براني).
فيما وراء السلوم ولآلاف الكيلومترات الأخرى حتى المغرب مئات أخرى من مواقع تبدأ بسيدي: ساحل البحر المتوسط الجنوبي منذ العصر الإسلامي تحول إلى ساحل متدين للغاية، وقد كان كذلك طيلة عصوره وخاصة في العصر المسيحي.
في وسط ساحل الإسكندرية لدينا موقع شهير اسمه “سان استيفانو”.
يمكنك أن تعتبر “سان” هي المقابل المسيحي للكلمة العربية “سيدي”.
تشير المراجع المسيحية إلى أن اسطفان (اسطفانوس في الكنيسة المصرية) كان أول شهيد في المسيحية، عذبه الرومان وأصدروا عليه حكمًا بالموت رجمًا بالحجارة في عام 34 ميلادية (وهو بعد لم يكمل من العمر 29 عامًا).
في بضع مئات من الأمتار حين تتجه شرقا يقابلك مسجد “سيدي بشر” وهو موقع فريد عجيب.
يكاد يكون هو المسجد الوحيد المتربع فوق تل مرتفع يكشف البحر.
اصطنعت مساجد الإسكندرية الأخرى لنفسها طابقا سفليا كاملا وسلالم مرتفعة يصعد منها المصلون إلى طابق علوي للصلاة، في محاولة لتقليد طبيعة الإسكندرية القديمة الأصلية التي بنيت في الأساس فوق تلال مرتفعة.
هذا التقليد الاصطناعي تجده حاضرا مثلا في مسجد شهير مثل “القائد إبراهيم” غربا أو مسجد “المندرة” شرقا.
أما هنا فإن الموقع يستمد أهميته من توسطه الساحل مشرفا على البحر اللازوردي، فوق آخر تلال باقية من المدينة.
يمكنني اعتبار التل الذي أقيم عليه مسجد “سيدي بشر” درسا جغرافيا للأطفال.
فحين نصعد هذا التل الصغير وندخل المسجد نستقبل “القبلة” التي جاء منها اسم الوجة “القبلي” حيث الصعيد، أي إلى الجنوب، ومن خلفه مكة المكرمة الواقعة إلى الجنوب (الشرقي) من الإسكندرية، لكننا ونحن نستقبل القبلة يكون البحر من خلفنا حيث التعبير النموذجي لمفهوم “الوجه البحري” أي إلى الشمال.
لا أشك أن النحات الكبير محمود مختار استحضر هذه الثنائية حين شيد تمثالا للزعيم سعد زغلول في غرب المدينة فوضع أمام الزعيم وخلفه امرأتين جميلتين تعبران عن أن مصر كلها مع الزعيم: واحدة تطل على البحر بزي الفلاحات الحسناوات البهيات في الدلتا، وواحدة تطل نحو الجنوب بزي نساء الصعيد ذوات الحسن الجسور والقد الممشوق.
يرتفع مسجد سيدي بشر بنحو 10 أمتار عن شاطئ البحر. وتفسير ذلك بسيط للغاية، لقد قام حي سيدي بشر – الذي يؤلف اليوم غابة أسمنتية – قبل أكثر من 50 سنة على منطقة من الغرود الرملية القديمة التي كان البحر قد دفعها إلى الداخل.
كانت هذه الكثبان الرملية تعلو خط قديم من سلسلة من الحجر الجيري لساحل تاريخي للبحر المتوسط. ولأن هذه المنطقة كانت قبل 100 سنة غير مأهولة تماما بالسكان فقد أقام عليها الاستعمار البريطاني معسكرا شهيرا لاستقبال اللاجئين الروس الذين فروا من الثورة الشيوعية والحرب الأهلية وسقوط القيصر في أعقاب هزيمة روسيا في الحرب العالمية الأولى.
كانت إنجلترا تعادي روسيا البلشفية، وتقدم الدعم لأنصار القيصرية المعادين للثورة الشيوعية، ومن ثم نقلت عدة آلاف منهم عبر الأسطول الإنجليزي إلى مصر وأقامت لهم معسكرات لاجئين.
تخبرنا الوثائق التي حللها وفسرها العالمان الكبيران جينادي جارياتشكين وفلاديمير بيلياكوف أن النظام الصحي الإنجليزي في مصر كان بالغ الصرامة، ولأن المهاجرين الروس كانوا قد مروا بفترات صعبة من الحرب والهروب واللجوء والمجاعة وسفر شاق من موانئ البحر الأسود إلى بورسعيد والإسكندرية، فقد أقيمت لهم في البداية معسكرات حجر صحي.
كانت سيدي بشر منطقة نائية جافة رملية، في موقع بعيد عن الإسكندرية “الحقيقية” في الغرب: إسكندرية المنشية وبحري والفنار (القلعة) ورأس التين والجمرك.
لو صدقنا التغير المناخي المنذر بارتفاع السواحل وغرق المدن المنخفضة ومن بينها الإسكندرية فسيكون مسجد سيدي بشر هو آخر ما سيغرق في المدينة.
انهيت التجوال في سيدي بشر وقصدت التجوال التسكعي في جنوب المدينة.
بدأت بعبور شارع “محمد نجيب”، فكرت في الاسم مليا، هذا يعني أن الاسم جاء في فترة حديثة، فمحمد نجيب كان مغضوبا عليه ومحيت ذكراه ودوره في عهد عبد الناصر ولسنوات طويلة بعده، الأرجح لم يطلق هذا الاسم إلا في عقود قريبة، ربما في عهد حسني مبارك الذي شهد بداية رد الاعتبار لدور محمد نجيب.
ما إن تهبط مجددا مع شارع محمد نجيب إلا ويتقاطع مع طريق عرضي يحمل اسم “جمال عبد الناصر” فتكتمل ابتسامتك بالصراع السياسي الذي ترك أثره حتى على أسماء الشوارع.
دلالة أسماء الشوارع هنا لا تحمل أية روائح مما يطلق عليه الأدباء والمؤرخون مسمى الإسكندرية “الكوزمبوليتان”.
لا يوجد هنا أي شيء كوزمبوليتان من تنوع عرقي وإثني وديني ولوني، الذي ميز الإسكندرية في نهاية القرن 19 والنصف الأول من القرن العشرين.
فهذه المنطقة كانت في الحقيقة “غير معمورة” بالثقافة السكندرية، ولن تجد فيها أية قصور ولا أبنية تاريخية ولا متاحف ولا أية علامات على تاريخ عمراني سابق.
تأخذنا الأقدام إلى خط السكة الحديد للقطار الذي يتجه إلى شرق المدينة قاصدا أبو قير، ومن هناك يسافر الناس إلى إدكو ورشيد. يعتبر خط السكة الحديد فاصلا بين مستويين من نمو المدينة، فإلى الشمال الإسكندرية “المتوسطية” وإلى الجنوب الإسكندرية “الدلتاوية”.
نقطة الاتصال بين الإسكندريـ”تين” ميدان مزدحم وسوق شعبي يسمى “فيكتوريا” نسبة إلى المدرسة الشهيرة في هذا الموقع.
يمكن أن تميز طريقة نطق اسم المدرسة والميدان وفق الخلفيات التي يتحدث بها الناس، فالمتعلمون ينطقونها “فيكتوريا” بمعنى النصر، والأغلبية تنطقها “فاكتوريا” وكأنه اسم مصنع أو ورشة.
عبور السكة الحديد من فيكتوريا إلى الجنوب يمر بك عبر شارع وثيق الصلة بالوقائع الجمهورية يسمى “الجلاء”. يفضي بك الجلاء إلى شارع “جميلة بو حريد” المناضلة الجزائرية التي اتخذت رمزا لمقاومة الاحتلال الفرنسي للجزائر، وأخرج لها يوسف شاهين فيلما من تمثيل ماجدة وحصل به من موسكو على جائزة عظيمة في سينما مقاومة الاستعمار، دون أن يكون يوسف شاهين أو ماجدة قد رأوا أرض الجزائر، ولن يسافر يوسف شاهين إلى الجزائر إلا بعد سنوات من إنتاج ذلك الفيلم.
بدأت أتصفح الشوارع في الخط الواصل من فيكتوريا والجلاء وميدان السيوف و”أديب معقد” وصولا إلى الفلكي ومنه إلى العزب والنجوع الدلتاوية فعبرت “نجع خطاب” حتى وصلت عزبة “محسن”.
في عزبة محسن قابلت الشيخ رفعت بعد صلاة المغرب وسألته عن تاريخ تدفق السكان، ولأنه في مثل عمري، وولد هنا ويعرف التفاصيل فقد روى لي فصلا من ذكرياته عن وصول المهاجرين للعمل في المصانع التي افتتحت في الإسكندرية قبل 30 -40 سنة.
كانت المصانع بلا مساكن للعمال، اندفع العمال إلى الأرض الزراعية وقدموا عروضا مغرية للفلاحين في العزبة، وقع الفلاحون في الإغواء المالي الرهيب، باعوا الأرض للمهاجرين الوافدين من البحيرة وكفر الشيخ والمنوفية والقاهرة مما تسبب في ابتلاع الأرض الزراعية لصالح السكن والأبنية والغابات الخرسانية.
ضاعت عزبة محسن وأخواتها وخسرنا الأرض الزراعية ومصدر الغذاء وخسرنا المستقبل!
تعبت من التجوال !





Nice blog here Also your site loads up very fast What host are you using Can I get your affiliate link to your host I wish my site loaded up as quickly as yours lol