د.عاطف معتمد: من سلة غلال إلى شفقة زيلينسكي!
أستاذ الجغرافيا الطبيعية بكلية الآداب جامعة القاهرة
يعتقد البعض أن جغرافية مصر “استاتيكية” خالدة، وفي هذا خطأ كبير، خذ عندك مثلا التصريح الذي ظهر فيه أمس الرئيس الأوكراني فولاديمير زيلنيسكي وهو يناشد فلاديمير بوتين عدم غلق ممرات البحر الأسود أمام الميناء الأوكراني “أوديسا” لأن ذلك سيسبب جوعا وعجزا في دول تعتمد على القمح الأوكراني،
وضع زيلينسكي مصر على رأس قائمة الدول المتضررة، كانت مناشدة زيلينسكي – في ظاهرها – محملة بالشفقة على مصير هذه الدول.
تقول جغرافية مصر التاريخية، إن وطننا العظيم كان في عهود طويلة يسمى “سلة غلال الإمبراطورية الرومانية”.
لم تتوقف أهمية مصر كسلة غلال للعالم الأوروبي، فقد صارت كذلك للغزاة/ الفاتحين العرب، بل ووفقا لعدد من المؤرخين المصريين، استخدم محمد علي صادرات مصر من القمح سلاحا استراتيجيا للتعامل مع الدول الأوروبية.
وكان اختيار تصدير القمح إلى فرنسا بالتحديد هو الذي رجح كفة التعاون العسكري بينهما.
هل نستحق اليوم شفقة السيد زيلينكسي؟
عشرات الأسباب التي تجعل المرء لا ينام في هذا البلد مطمئنا، على رأسها:
– إهمال الأمن الزراعي وتراجع مكانته في الاقتصاد الوطني منذ عقود متوالية
– التساهل مع العدوان الإجرامي على الأرض الزراعية سواء من الأفراد المحتاجين للسكن أو من الدولة نفسها التي مدت شبكة من الطرق على أغلى الأراضي الزراعية لتسهيل حركة المرور، فاستحالت هذه الطرق إلى أقطاب جاذبة للنمو العمراني الذي دمر الأرض الزراعية.
– النمو السكاني دون مخرج من الوادي والدلتا، يختلف العلماء في مشكلة النمو السكاني، البعض يرى أننا لا يجب أن نقلق من النمو السكاني في دولة شاسعة المساحة، وأننا حولنا الفرصة الديموغرافية إلى أزمة كبرى كان يمكنها أن تصبح أملا للمستقبل، لكن ما أهمية النمو السكاني لملايين يلتهمون أرضهم الزراعية ويتقدمون بثبات نحو العوز الغذائي؟
– الأنظمة الغذائية والاعتماد على القمح في ظل فقر المائدة المصرية عند قطاع كبير من الفقراء.
– عدم مكاشفة الشعب بحقيقة نسبة استيراد الخبز مقارنة بما ننتجه.
– التقاعس عن اعتبار ملف الأمن الزراعي الأولوية رقم واحد في هرم الأمن القومي
-الحط من قيمة الفلاحين والتندر عليهم وسياق النكات بشأنهم، ورفع دور الأفندية والتشدق برقي البندر والمدينة مقارنة بسذاجة الريف والقرية.
جغرافية مصر ليس كما كانت
جغرافية مصر لا يمكن أن تفهم كما كانت قبل ألف سنة، ولا كما كانت في عهد محمد علي، ولا كما كانت قبل 10 سنوات.
هذه الجغرافية عرضة لديناميكيات بالغة الخطورة، وهي أبعد ما تكون عن الثبات والاستاتيكية.
والجغرافيا التي نقصدها هنا هي جغرافية “الأرض المحملة بالشعب”، ومسؤولية الإدارة والسياسة، ومدى فهم خريطة المخاطر الجيواستراتيجية دائمة التغير في الدوائر التي تحيط بنا من كل حدب وصوب: تلك الخريطة التي يتربص بها عدد ليس بقليل من الأصدقاء والأعداء على حد سواء، كما أننا لم نقصر أيضا في التربص بأنفسنا!
نقلا عن صفحة د.عاطف معتمد عبر الفيسبوك


