د.عاطف معتمد: رايِــثــو.. رحلة الأقدام والأقلام (1 من 3)
خلال الفترة من 2008 و2013 كنت مفتونا بسيناء، من منا لم يفتن بها؟
أعني أنني كنت مفتونا بالمشي على الأقدام: في دروبها ووديانها، وصعود ما تيسر لي من هضاب وجبال.
تبين لي بعد طول سفر وترحال أنه ليس لدينا سيناء واحدة بل ثلاث سيناوات:
- الشمالية: حيث البحر والرمل
- الوسطى حيث الهضبة القاحلة من دون زرع أو ماء
- الجنوبية حيث الجبال والوديان، وذراعان من البحر الأحمر: العقبة والسويس.
فيما يشبه المفاجأة تبين لي بعد رحلات الأقدام أن بعض الجغرافيين والرحالة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين اعتبروا أنه لا يصح أن نطلق مسمى “سيناء” إلا على سيناء الجنوبية !
لو أني قرأت هذه العبارة من دون زيارة وترحال، مكتفيا فقط بالخريطة المرفقة لأبديت اعتراضي النظري.
لكن حين تجول في “جنوب سيناء” تعرف أنها هي “سيناء حقا” وذلك لأربعة أسباب على الأقل:
– تلتقي هنا تواريخ جيولوجية سحيقة وأنواع صخرية من أجناس وأعمار مختلفة، بعضها أبيض كريمي باهت من حجر جيري، وبني بلوري من حجر رملي، مع صخور نارية صلبة ذات أًصل باطني من جوف الأرض سواء كانت جرانيت أحمر أو بركانيات سوداء، وما بين الأحمر والأسود كل ألوان الطيف الأخرى.
– خلافا للسهل والهضبة في الشمال والوسط تبدو أنت هنا حبة رمل لا وزن لها وسط دهاليز عملاقة من وديان وبطون الجبال.
ورغم أن الطبيعة هنا صامتة في الظاهر إلا أن بوسعك أن تشعر بأن الصخور تتكلم معك والوديان تنطق وتسر إليك ببعض أسرار. هنا مسارات وطرق تاريخية مر عليها الإنسان الأول منذ العصر الحجري.
– في جنوب سيناء يمكنك أن تمضي عمرك دون ملل. لو أتيح لك التحرك بحرية من دون قيود التصاريح الأمنية لتعرفت على أكثر مناطق أرض مصر تنوعا، وأكثر ربوعها ثراء بالنقوش التاريخية منذ عهد الحضارات القديمة عند قدماء المصريين ووصولا إلى نقوش الأنباط قبل أكثر من ألفي سنة ثم انتهاء بنقوش العصرين المسيحي والإسلامي، كل ذلك مدون على الصخرـ الرملي في المقام الأول.
– إذا كان الدين قد ظهر في مصر القديمة في وادي النيل، انطلاقا من ثنائية الطين والرمل، الخير والشر، الرب والشيطان، فإن سيناء ليست بيئة الصراعات الثنائية بقدر ما هي بيئة التجلي والإبهار وعظمة الخالق.
ودعنا من هنا نبدأ !
لقد ترعرع علم الجغرافيا في أوروبا في أحضان الكنيسة.
أوروبا التي تفصل الدين عن العلم اليوم كانت تقرر تدريس الجغرافيا في قلب الكنيسة.
كان تدريس الجغرافيا ليس حبا في العلم بقدر ما هو شرح روعة الطبيعة وتجلي عظمة الخالق في مشاهد الأرض.
كلما فهم المؤمن المسيحي كيف أبدع الرب في خلق الأرض وما ميز فيها من أنهار وجبال وسهول ووديان وبحار ومروج، وغابات وسهوب، كلما صار مؤمنا أكثر، محبوبا ومقدرا عند الرب.
في ظل هذه الأجواء تطورت “الجغرافيا المقدسة“.
تعني الجغرافيا المقدسة أن الأرض ليست متساوية جميعا، هناك بقاع منها مشت عليها أقدام الأنبياء والصالحين، وشهدت ملاحم الشعوب الدينية الأولى وتشع طاقة من نور وتجليات ومكاشفات.
سيناء وفلسطين كانت للمؤمن المسيحي هي أفضل نموذج لأن تمس يداه وقدماه الأرض التي سار عليها الأنبياء.
وإذا كانت فلسطين تعني السيد المسيح والمهد فإن سيناء هي الأكثر عمقا في وجدان اليهودي والمسيحي وفقا لنظرية أن هذه الأرض هي التي جال فيها شعب بني إسرائيل في خروجه من مصر.
ما يميز سيناء أن كل البحوث التي جرت فيها – اقتفاء لأثر النبي موسى وبني إسرائيل – لم تنته إلى أي شيء موثوق في صحته.
عدم العثور على أي دليل أمر محبط علميا، لكنه من الناحية الروحية يقدم نتيجة إيجابية للغاية.
وحتى أبين لك الأمر سأضرب لك مثلا بنموذج إسلامي.
في عام 2006 انضممت إلى رحلة علمية جغرافية نظمتها الجمعية الجغرافية السعودية للطريق الذي سار فيه الرسول وجيش المسلمين في غزوة بدر.
وقف بعض الأفاضل من الجغرافيين السعوديين ومعهم أساتذة متعاقدين من الأردن وسوريا وشرحوا لنا المواقع الجغرافية التي سارت فيها المعركة وأين هي “العدوة الدنيا” مقارنة بـ “العدوة القصوى” وغير ذلك من معالم أرض المعركة الشهيرة.
كانت رحلة رائعة امتدت ثلاثة أيام، ورغم أني سعدت للغاية بهذه الجهود التوثيقية من الناحية الجغرافية إلا أنه قد بقي في نفسي شيء!
اعتدت في الملاحم الدينية أن أرسم صورة في الخيال، ويبدو أن الخيال عندي أكبر من الواقع الملموس.
حين رأيت المعالم في مواقع معركة بدر وجدت الخيال متفوقا بعشرة أمثال عن الواقع.
هنا فهمت أهمية السحر الذي تتسم به سيناء في عدم وجود أية مواقع محددة في القصص الدينية والأساطير الكبرى في خروج بني إسرائيل من مصر.
في جنوب سيناء أنت تصدق النقوش والأدلة العلمية التي تقول إن قدماء المصريين كانت لهم هنا قلاع ومناجم ومخافر حراسة.
وتصدق وفقا للنقوش أن جنوب سيناء كانت ميدانا رحبا لعمليات التجارة النبطية، حتى أن سيناء كانت معبرا قبل ألفي سنة لتجارة جزيرة العرب وبلاد الشام مع وادي النيل وأفريقيا.
وتصدق أن هذه المواقع جذبت عددا من الرهبان للتنسك في جبالها ووديانها لاستحضار عظمة الرب.
ومن بين هذه المواقع الرائعة لإقامة دير وكنيسة ومجتمع رهبة تلك التي تسمى “رايـثو” والتي نحاول أن نتحدث عنها في كل مرة ثم نرجئ الدخول في الموضوع إلى المقال المقبل.
لا يأتي التأجيل والتسويف من تكاسل عن أداء الواجب، بقدر ما أن المسألة متشابكة ومتداخلة وتستدعي أفكارا من أوروبا وجزيرة العرب ومن وادي النيل وقلب سيناء.
وقد وضعت في عنوان هذا المقال عبارة (1 من 3) أي أننا كي نفهم قصة المجتمع المسيحي في “رايثو” نحتاج إلى اللقاء مرتين …بإذن الله !
نقلا عن صفحة د. عاطف معتمد الشخصية على فيس بوك






