وجهات نظر

د. طارق قابيل: الزراعة الذكية تواجه المتغيرات المناخية وتحديات الأمن الغذائي

أكاديمي، كاتب، ومترجم، ومحرر علمي، عضو هيئة التدريس -كلية العلوم -جامعة القاهرة

الأمن الغذائي قضية جادة للغاية تواجهها الإنسانية جمعاء؛ فهي تُعنى بكيفية توفير الغذاء لكتلة سكانية متزايدة في زمن من التغير المناخي، ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي، ازدياد عدد السكان في العالم إلى نحو 9.7 مليارات نسمة بحلول 2050، وزيادة الطلب على الغذاء بنسبة تصل إلى 60%.

ومؤخرا، تعرض القطاع الزراعي كغيره من القطاعات الأخرى إلى تراجع كبير في الإنتاج على خلفية تفشي فيروس كورونا، إذ تسببت قيود النقل اللوجستية ونقص العمالة والإغلاقات، في إلحاق أضرار كبيرة بالقطاع الزراعي بسبب القيود التي أدت إلى اضطراب سلاسل الغذاء في العالم، وتأخر المزارعين في جني محاصيلهم ونقل منتجاتهم الزراعية، كما تأثرت بعض المواسم الزراعية نتيجة توقف عمليات تحضير الأرض وتسميدها، الأمر الذي أدى إلى نقص في الإنتاج.

كما أفضت جائحة كورونا أيضا إلى ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية نتيجة الإنتاج الزراعي المنخفض وتعطيل سلاسل التوريد والإمداد العالمية، ونحن نستورد معظم احتياجاتنها الزراعية والغذائية من الخارج، وبصفة خاصة محاصيل إستراتيجية مثل القمح، ووجدنا أنفسنا مجبرين على الشراء بأسعار مرتفعة.

سلطت تداعيات الجائحة الضوء بشكل أكبر على أهمية استخدام التكنولوجيا في القطاع الزراعي، حيث يلعب هذا القطاع دوراً حيوياً في الاقتصاد خصوصاً في أوقات الأزمات، وفي ظل عدم قدرة أساليب الزراعة التقليدية على تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية ومواجهة الظروف والتحديات المناخية، أصبح لزاما علينا الاعتماد على الأنظمة الذكية والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، وتقنيات الثورة الصناعية الرابعة للمحافظة على الأراضي الصالحة للزراعة وترشيد استخدام الموارد الطبيعية. ويرى متخصصون ضرورة اللجوء إلى الزراعة الذكية لتدبير تلك الاحتياجات.

ومن المعروف أن الزراعة شهدت العديد من النقلات النوعية على مستوى العالم لزيادة الإنتاج الحيواني والنباتي مثل استخدام الدورة المنتظمة للمحاصيل، وإضافة التحسينات في الإدارة الزراعية أو “الثورة الخضراء”، واستنباط أصناف جديدة والاستخدام الواسع للأسمدة والمبيدات.

وأدى التقدم في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات إلى التحول المحوري في إدارة العمليات الزراعية والتحكم الآلي من خلال استخدام الروبوت والطائرات بدون طيار التي تستطيع التحليق بارتفاعات منخفضة وحمل كاميرات حرارية ومتعددة الأطياف ومستشعرات لمراقبة حالات مثل متابعة المحاصيل والري والتي تمكن صاحب القرار من اتخاذ القرار السليم وفى الوقت المناسب.

ومع ظهور مفهوم الذكاء الاصطناعي ونظم المعلومات الجغرافية أصبح اتخاذ القرارات أكثر دقة، مما يؤدى في النهاية إلى زيادة الإنتاجية وتحقيق أعلى ربحية وتقليل التلوث مع الحد من الاعتماد على العامل البشرى في العمليات الزراعية.

وحاليا تمر الزراعة بثورة رابعة ناجمة عن الاستخدام المتزايد بشكل كبير لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، واستخدام نظم الذكاء الاصطناعي.

مفهوم الزراعة الذكيّة

يشير مصطلح الزراعة الرقمية (Digital agriculture) والتي يطلق عليها الزراعة الذكية (Smart agriculture) إلى تصميم وتطوير واستخدام التقنيات الرقمية في قطاع الزراعة، وتشمل الزراعة الرقمية مجموعة من التقنيات، بما في ذلك أجهزة الاستشعار، والروبوتات، وأدوات الاتصال الرقمية، البلوك تشين، والقرارات الحسابية والأدوات التحليلية، والتقنيات القائمة على السحابة.

الزراعة الذكية، هي إحدى التقنيات والمفاهيم الجديدة في الزراعة، الهادفة إلى تطوير الأمن الغذائي الذاتي، ومواجهة المتغيرات المناخية، وتتطلَّب زيادة إنتاجية الزراعة وقدرتها على الصمود تحوُّلاً كبيراً في طريقة إدارة المياه والتربة والمغذِّيات وسائر الموارد الزراعية.

يمكن تعريف الزراعة الذكيّة بأنها نظام يعتمد على التكنولوجيا المتقدمة في الزراعة بطرق مستدامة ونظيفة، وترشيد استخدام الموارد الطبيعية لا سيما المياه، ومن أبرز سماتها اعتمادها على نظم إدارة وتحليل المعلومات لاتخاذ أفضل قرارات الإنتاج الممكنة، بأقل التكاليف، وكذلك أتمتة العمليات الزراعيّة كالري، ومكافحة الآفات، ومراقبة التربة، ومراقبة المحاصيل.

وتتميز المزارع الذكيّة بإمكانية حقيقية لتقديم إنتاج زراعي أكثر إنتاجية واستدامة استنادًا إلى نهج أكثر كفاءة في استخدام الموارد.

ويمكن إظهار الزراعة الذكية كمجموعة من النظم المتخصصة التي تعتمد على التقنيات الحديثة في جمع وتحليل البيانات البيئية المتعلقة بالإنتاج الزراعي داخل الحقل وخارجه، بهدف تسهيل اتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة المزرعة بناءً على معلومات دقيقة باستخدام معادلات رياضية وبرامج محاكاة رقمية بغرض زيادة العائد الاقتصادي مع ضمان استدامة الموارد الطبيعية.

استخدام الزراعة الذكية قائم على التقنيات الحديثة مثل الاستشعار عن بعد ونظم المعلومات الجغرافية وإنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات لمواجهة المشكلات الزراعية التي قد تحدث أو لتحقيق الأمن الغذائي من خلال رفع كفاءة الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية المتاحة ومتطلبات الإنتاج.

ويعتقد الخبراء أن استخدام مزيد من التكنولوجيا في القطاع الزراعي سيصب في مصلحة المزارعين، وسيساعدهم ذلك على مواجهة تحديات من قبيل توفير المياه والتعامل مع الآثار البيئية وصحة التربة بصورة أكثر كفاءة.

ويمكن استخدام التقنيات النووية في التتبُّع والتقدير الكمي لحركة وديناميات الكربون والمياه والمغذيات ضمن نظم إيكولوجية زراعية متنوعة من أجل تحسين ممارسات الزراعة الذكية.

لقد تم الترويج للتقنيات الرقمية كحل ثوري محتمل لتحسين أداء واستدامة أنظمة الإنتاج الزراعي، والتي تم تعريفها على أنها ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وبيئية، وبالتالي، تقود التقنيات الرقمية إلى قطاع أغذية زراعية أكثر كفاءة وشمولية واستدامة بيئية، ومن ثم زيادة الفوائد للمزارعين والمستهلكين والمجتمع ككل.

يحتاج المزارعون إلى المساعدة لتطوير ممارسات زراعية ذكية تكون قادرة على التكيُّف مع تغيُّر المناخ والتخفيف من حدَّة آثاره، ولكن تنطوي أيضاً على إمكانية زيادة الإنتاج الغذائي. ولا بدَّ من تحسين إدارة الموارد الطبيعية، مثل الأراضي والمياه والتربة والموارد الوراثية، حتى يكون من الممكن زيادة إنتاجية الزراعة وقدرتها على الصمود.

يعمل استخدام الطائرات بدون طيار في الزراعة الذكية على تسهيل مهام الإشراف على المزارع من خلال قدرتها على تغطية مئات الأفدنة في رحلة واحدة باستخدام الأشعة تحت الحمراء، والصور متعددة الأطياف وقدرتها على تجميع مجموعة متنوعة من المعلومات حول حالة الأرض والمحصول، واحتياجات الري، ونمو المحاصيل، وتشخيص مسببات الأمراض وتسميد كل قطعة أرض حسب خصائصها المحددة وتوقعات الطقس، وفى حالة الماشية، يمكنها تحديد عدد الحيوانات ووزنها وخصائصها الظاهرية، مما يساعد في القضاء على الجوع مستقبلا.

ويمكن زيادة الاعتماد على التكنولوجيا والرقمنة والحلول التقنية مثل الروبوتات وتكنولوجيا الطائرات بدون طيار التي تعمل على رصد المحاصيل وتقييمها، وتصوير الأراضي الزراعية ورسم الخرائط، وقياس مكونات الهواء، إضافة إلى رش المحاصيل بالمبيدات بشكل سريع وآمن، وإرسال البيانات بشكل فوري إلى برمجيات تقوم بتحليلها وتوجيه المزارعين إلى تنفيذ الإجراءات بشكل أفضل.

وينبغي أن يشمل ذلك ممارسات مثل الزراعة المراعية للمحافظة على الموارد، والتي يمكن أن تكفل العديد من الفوائد الإيجابية: الحد من تآكل التربة؛ وتحسين الاحتفاظ بالمياه في التربة وتوافر المغذيات فيها لفائدة المحاصيل؛ وزيادة تراكم المواد العضوية في التربة؛ وارتفاع إنتاجية المحاصيل والإنتاجية الحيوانية.

الزراعة الذكيّة وإنترنت الأشياء

تعتبر تكنولوجيا “إنترنت الأشياء” (IoT) من أبرز التقنيات المستخدمة في الزراعة الذكيّة، وهي ببساطة عملية ربط أي جهاز بجهاز آخر عبر الإنترنت، من الهواتف المحمولة إلى الأجهزة المنزلية والآلات المستخدمة في المصانع والحقول الزراعيّة، بحيث يمكن تشغيلها والتحكم بها وإرسال واستقبال البيانات منها عن طريق الإنترنت.

ومن أبرز تطبيقات إنترنت الأشياء في الزراعة الذكيّة ما يسمى بالزراعة الدقيقة، أي النهج المستخدم في إدارة المزارع والتحكم في المحاصيل من خلال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وأجهزة الاستشعار وأنظمة التحكم عن بعد، والآلات ذاتية التشغيل، بهدف الحصول على بيانات دقيقة، واستثمار هذه البيانات في توجيه الزراعة توجيهًا دقيقًا نحو إنتاج أكبر بتكلفة أقل، وإنتاج محاصيل ذات جودة عالية.

على سبيل المثال تتيح أجهزة الاستشعار عن بعد الموضوعة في الحقول للمزارعين الحصول على خرائط تفصيلية لكل من التضاريس والموارد في المنطقة، فضلًا عن قياس المتغيرات مثل الحموضة ودرجة حرارة التربة، والرطوبة، كما يمكنها أيضًا التنبؤ بأنماط الطقس لأيام وأسابيع قادمة.

تساعد الزراعة الدقيقة المعتمدة على إنترنت الأشياء على اتخاذ القرارات الأفضل لتحسين الإنتاج الزراعي، إضافة لذلك تلعب البيانات التي يتم جمعها وتحليلها، دورًا كبيرًا في رصد الآفات الزراعية، وتحديد كمية المبيدات المطلوبة بدقة تجنبًا للاستخدام المفرط في استعمالها، وكذلك تساعد عمليات جمع وتحليل البيانات في الاستخدام الرشيد لمياه الري.

وتحقق تقنيات إنترنت الأشياء فائدة كبرى لأصحاب الصوب الزجاجية، عن طريق مراقبة درجة الحرارة ومستويات الضوء والرطوبة والضغط الجوي، واستهلاك المياه داخل الصوبة الزجاجية من خلال بوابة إلكترونية تتيح للمزارعين استلام إشعارات عند حدوث أي تغيير في هذه المعلومات، كما يمكن التحكم عن بعد بأجهزة رفع أو خفض درجة الحرارة، والتحكم بمستوى الإضاءة وفتح وإغلاق النوافذ عن طريق الإنترنت.

المزارع الروبوتية

طرحت شركة آيرون أوكس الأمريكية بشكل فعلي منتجات زراعية أنتجها الروبوت المزارع “آنجوس” المسئول عن أهم العمليات في هذه المزرعة؛ ويستخدم هذا الروبوت ذراعًا بارعة تدخل في أحواض مائية كبيرة مزروعة بشتى أنواع النباتات القابلة للأكل.

ويتعرف برنامج تعلم الآلة الذي يشغل الروبوت على النباتات التي تظهر عليها علامات الآفات أو الأمراض ويزيلها قبل أن تنتشر في الحوض كله.

وتسعى الشركة لإنتاج منتجات زراعية في أماكن قريبة من المتاجر وضمن مساحات أصغر تحتاجها المزرعة الروبوتية قياسًا إلى المزرعة التقليدية، الأمر الذي يساعدها مستقبلًا على توفير منتجات صحية طازجة ذات جودة عالية تتاح للجميع بأسعار مناسبة.

الذكاء الاصطناعي في الزراعة

يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في الزراعة لإزالة الأعشاب والحشائش الضارة، إضافة إلى تقنين استخدام الأسمدة والمبيدات ورى المحاصيل حسب حاجة النبات فقط.

كما أن التطور الذى حدث مؤخرا للطائرات بدون طيار، مع تطوير الكاميرات خفيفة الوزن والقوية فائقة التعدد الطيفي التي يمكن استخدامها لحساب التطور في الكتلة الحيوية والحالة الصحية للمحاصيل .

مما يؤدى إلى سهولة الإدارة الذكية للمزارع، علاوة على ذلك تتوفر نماذج ذكية لمتخذي القرار تسمح للمزارعين بالتفريق بين النباتات المصابة بالآفات وغير المصابة بناء على بيانات الاستشعار عن بعد التي تستخدم أيضاً في إدارة قطيع الماشية بناء على إشارات أجهزة الاستشعار أو المحركات المتصلة بالماشية المراد متابعتها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading