د.ضحى عبد الحميد: مصر أمام فرصة تاريخية.. تحويل المزايا النسبية إلى تنمية مستدامة
الخبير الدولي في الاقتصاد التمويلي والاستثمار وأسواق المال
إصلاح السياسات وتمكين التمويل الأخضر.. مفتاح جذب الاستثمارات في مصر
تقف مصر اليوم أمام لحظة فارقة: تحديات اقتصادية وضغوط تمويلية من جهة، وفرص واعدة تدعمها مزايا موقع استراتيجي وموارد بشرية وشبكة بنية تحتية متطورة من جهة أخرى، وسط توترات إقليمية متصاعدة.
في السطور التالية، نستعرض مسارات عملية لتفعيل محركات النمو عبر الاستثمار المنتج في مصر، استنادًا إلى واقع السياسات الراهن، مع تقديم حزمة حلول قابلة للتنفيذ شرط توفر إرادة سياسية قوية.
أين تتعثر الاستثمارات؟
تتمثل أبرز نقاط التعثر في فجوة واضحة بين السياسات والتطبيق؛ فرغم مبادرات التشريعات والحوافز ومنح الرخصة الذهبية، لا يزال الأثر أقل من الطموح بسبب تشتت التنفيذ وتعدد الجهات وتضارب الاختصاصات.
يفاقم ذلك ضغوط الاقتصاد الكلي الناتجة عن الصراعات المحيطة، بما في ذلك التضخم المرتفع وتقلبات العملة وصعوبات النفاذ إلى التمويل، وهو ما يضغط على ثقة المستثمرين ويرفع تكلفة رأس المال.
كما أن المنظومة القانونية والإجرائية تحتاج إلى قدر أكبر من اليقين لجذب الاستثمارات الخارجية؛ فالتحديثات التشريعية تحققت، لكن استقرار القواعد وسرعة الفصل في المنازعات وكفاءة خدمات الاستثمار والشركات ما تزال في طور التحسن التدريجي.
وعلى صعيد سوق العمل، لا يزال غير مستغل بالكامل، مع معدل بطالة مرتفع نسبيًا، وصعوبة في استكشاف المهارات المطلوبة للقطاعات الإنتاجية، وانتشار واسع للاقتصاد غير الرسمي، وضعف مساهمة المرأة في النشاط الاقتصادي ومواقع صنع القرار.
أما البنية التحتية، فعلى الرغم من تقدمها الملموس وتنوع استثماراتها في الطرق والموانئ والطاقة والسياحة، فإن تعظيم عائدها يقتضي ربطًا أوثق بسلاسل القيمة والإنتاج والتصدير لالتقاط عوائد أسرع وأكبر.
ويأتي هذا كله في سياق دولي ضاغط؛ إذ تربط تقارير المؤسسات الدولية، ومنها تقرير صندوق النقد الأخير، بين تحسن الحوكمة ومناخ الاستثمار والسياسة المالية، وبين تدفقات التمويل الخارجي، مما يزيد الحاجة إلى تسريع الإصلاح وتنفيذ السياسات بكفاءة وتفاعل مع مجتمع الأعمال دون الإخلال بحقوق المواطنين.
ماذا علينا أن نفعل؟ توصيات عملية لتوظيف الطاقات الاقتصادية غير المستغلة
يقترح تفعيل باقة متكاملة من مسرعات مناخ الاستثمار، يمكن تلخيصها في خمسة محاور مترابطة:
-
إصلاح السياسات والمنظومة القانونية والمؤسسية:
مراجعة شاملة لاستراتيجية الاستثمار وربطها بالاستثمارات العامة والأجنبية، وتحسين حوافز توطين الأموال الساخنة، مع حل المعوقات بصورة تشاركية، وتعزيز سيادة القانون، وإعادة هيكلة شركات قطاع الأعمال العام، وتفعيل حماية الملكية الفكرية، وإنشاء منصات رقمية لخدمة المستثمرين. -
تمكين التمويل الأخضر وتنشيط الأسواق:
تعزيز الشمول المالي وتوفير أدوات ادخار واستثمار شعبية، وتنشيط سوق المال الأولي والثانوي، وتوسيع التمويل الأخضر، وخفض تكلفة التحويلات المالية، ودمج تحويلات المصريين في الخارج ضمن منظومة استثمارية مستدامة. -
تعظيم المزايا التنافسية والموارد البشرية:
استغلال مصر كمركز إقليمي لسلاسل القيمة، الترويج لرخص وكفاءة العمالة المصرية، إعادة تشغيل الأصول المتوقفة، الاستثمار في القوى العاملة الشابة، دمج القطاع غير الرسمي، وإعادة تدوير البطالة المقنعة في الجهاز الإداري للدولة. -
الإسراع الصناعي والزراعي واللوجستي:
اعتماد تكنولوجيات عالية الكفاءة في الصناعة، وتطبيق نظم أكوابونيكس وهيدروبونيكس في الزراعة، وتحديث أساطيل النقل والموانئ واللوجستيات، لتعزيز التصدير وخفض تكاليف الإنتاج وتسريع دورة الأعمال. -
الترويج الذكي وتوسيع الأسواق:
الاستثمار في اقتصاد المعرفة والأنشطة ذات القيمة المضافة العالية، إقامة مؤتمرات ترويجية داخلية وخارجية، تحديث دراسات السوق، وتوسيع الدوائر الجغرافية المستهدفة، مع التركيز على الأسواق الأفريقية وأمريكا اللاتينية وأستراليا وكندا.
الطريق إلى إقلاع اقتصادي مستدام يمر عبر تحويل المزايا القائمة إلى قدرات تنفيذية ذات أثر سريع وواسع ومجدي.
تمثل هذه الخريطة العملية مزيجًا متوازنًا بين إصلاحات مؤسسية وتمويلية وتنموية، واستثمار في التكنولوجيا والموارد البشرية، وتوسيع مدروس للأسواق.
إن التنفيذ المنضبط، وسيادة القانون، والربط الوثيق بين الاستراتيجية والاستثمار القطاعي كفيل بإطلاق طاقات مصر الكامنة، وتعزيز الثقة في مناخ الاستثمار، وجذب رؤوس الأموال، وتحقيق نقلة نوعية في معدلات النمو والتنمية والتشغيل، بما يتوافق مع رؤية مصر 2030 وما بعدها.





