د.عبدالمنعم صدقى: الغذاء تحت تأثير السوشيال ميديا.. هل نظلم البيض والألبان؟
أستاذ بمركز البحوث الزراعية
يتعرض البيض ومنتجات الألبان في السنوات الأخيرة إلى موجات متكررة من الانتقادات والتحذيرات الغذائية، حتى أصبح البعض يتعامل معها باعتبارها أغذية “مسببة للالتهاب” أو “ضارة بالقلب” أو “مرهقة للجهاز الهضمي”، رغم أن هذه المنتجات تمثلتاريخياً وعلمياً ركائز أساسية في التغذية العلاجية والوقائية.
والمشكلة الحقيقية هنا لا تكمن في وجود حالات فردية تستدعي التقييد أو المنع، بل في تعميم الاستثناءات المرضية الخاصة على عموم الناس دون تمييز علمي دقيق بين الحساسية المرضية المؤكدة وبين المبالغات الغذائية المنتشرة عبر وسائل التواصل والإعلام غير المتخصص.
فالبيض يُعد في علم التغذية المعيار الذهبي للبروتينات، ولذلك يُطلق عليه “البروتين المرجعي” (Reference Protein)، نظراً لامتلاكه أعلى قيمة حيوية (Biological Value)، أي أن الجسم يستطيع هضم وامتصاص والاستفادة من بروتينه بكفاءة تقترب من الكمال مقارنة بمعظم المصادر الغذائية الأخرى.
ويحتوي البيض على جميع الأحماض الأمينية الأساسية بنسب متوازنة تدعم بناء العضلات والأنسجة والإنزيمات والهرمونات، وهو ما يجعله غذاءً محورياً في تغذية الأطفال والرياضيين والمرضى وكبار السن.
ولا تقتصر أهمية البيض على البروتين فقط، بل يُعد من أغنى المصادر الغذائية بالكولين (Choline)، وهو عنصر بالغ الأهمية لصحة الدماغ والجهاز العصبي، حيث يدخل في تكوين النواقل العصبية والأغشية الخلوية، كما يلعب دوراً مهماً في دعم وظائف الكبد والذاكرة والتركيز.
وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن نقص الكولين قد يرتبط باضطرابات عصبية واستقلابية، ما يجعل البيض غذاءً وظيفياً مهماً وليس مجرد مصدر بروتين تقليدي.
جودة النظام الغذائي الكامل
أما فيما يتعلق بقضية الكوليسترول، فقد ساهمت مفاهيم غذائية قديمة في ترسيخ الخوف من البيض لسنوات طويلة، إلا أن الدراسات الحديثة أوضحت أن الكوليسترول الغذائي الموجود في البيض لا ينعكس بصورة مباشرة أو خطيرة على كوليسترول الدم لدى أغلب الأفراد الأصحاء، لأن الجسم يمتلك آليات تنظيمية معقدة تتحكم في تصنيع الكوليسترول داخلياً.
ولذلك أصبح التركيز العلمي الحالي موجهاً بشكل أكبر نحو جودة النظام الغذائي الكامل ونوعية الدهون المستهلكة، بدلاً من شيطنة البيض كغذاء منفرد.
وباستثناء بعض الحالات الخاصة مثل فرط كوليسترول الدم الوراثي أو الحساسية المؤكدة، فإن الاعتدال في تناول البيض لا يمثل خطراً صحياً لدى معظم الناس.
تعميمات غير دقيقة
وفيما يخص منتجات الألبان، فإن الجدل حولها غالباً ما يعتمد على تعميمات غير دقيقة، خصوصاً فيما يتعلق بادعاء تسبب اللبن في “الالتهابات المزمنة”.
فالدراسات والتحليلات البحثية الحديثة (Meta-analysis) تشير إلى أن الحليب ومنتجاته، خاصة المتخمرة منها مثل الزبادي والكفير، قد تمتلك تأثيرات مضادة للالتهاب لدى الأفراد غير المصابين بحساسية تجاه بروتينات اللبن.
ويرجع ذلك إلى احتوائها على مركبات حيوية فعالة مثل الببتيدات النشطة حيوياً (Bioactive Peptides)، بالإضافة إلى البروبيوتيك الذي يساهم في دعم التوازن الميكروبي للأمعاء وتحسين صحة الجهاز الهضمي والمناعة.
كما تحتوي الألبان على مركبات ذات أهمية مناعية ووظيفية عالية، مثل اللاكتوفيرين (Lactoferrin)، وهو بروتين يمتلك خصائص مضادة للبكتيريا والفيروسات ويساهم في تنظيم الاستجابة المناعية.
إضافة إلى احتواء بعض منتجات الألبان على أحماض دهنية قصيرة السلسلة مثل حمض البيوتيريك (Butyric Acid)، الذي يُعد مصدراً مهماً للطاقة لخلايا القولون ويساهم في الحفاظ على سلامة الغشاء المخاطي للأمعاء وتقليل الالتهابات المعوية.
التوافر الحيوي
ومن أبرز النقاط التي كثيراً ما يتم تجاهلها أيضاً مسألة “التوافر الحيوي” (Bioavailability) للكالسيوم في الألبان. فالحليب ليس مجرد مصدر غني بالكالسيوم، بل يمتاز بأن هذا الكالسيوم يوجد في صورة يسهل امتصاصها والاستفادة منها حيوياً بفضل التوازن الطبيعي بين الكالسيوم والفسفور وفيتامين (د) وسكر اللاكتوز، وهو ما يجعل منتجات الألبان من أكثر المصادر كفاءة في دعم صحة العظام والأسنان.
ولذلك فإن منع الألبان بشكل كامل دون توفير بدائل غذائية مدعمة ومدروسة قد يؤدي على المدى الطويل إلى انخفاض الكثافة المعدنية للعظام وزيادة احتمالات الهشاشة، خاصة لدى الأطفال والنساء وكبار السن.
لا للمنع العشوائي أو التخويف غير المبرر
كذلك يجب التمييز علمياً بين حالات “عدم تحمل اللاكتوز” وبين “حساسية بروتين اللبن”، فالأولى ترتبط بنقص إنزيم هضم اللاكتوز ويمكن التعامل معها عبر اختيار منتجات منخفضة اللاكتوز أو متخمرة، بينما الثانية تمثل حالة مناعية خاصة تستدعي التقييد الطبي.
أما التعميم بمنع جميع منتجات الألبان دون تشخيص واضح، فإنه قد يحرم الجسم من أحد أهم المصادر الغذائية المتكاملة للبروتين والكالسيوم والمركبات الحيوية الداعمة للصحة.
لذلك فإن المنهج العلمي السليم لا يقوم على المنع العشوائي أو التخويف غير المبرر، بل على التقييم الفردي للحالة الصحية، وجودة المنتج الغذائي، والاعتدال في الاستهلاك. فالبيض ومنتجات الألبان، عند إنتاجها واستهلاكها بصورة سليمة ومتوازنة، تظل من أكثر الأغذية قيمةً وفائدةً في الأنظمة الغذائية الصحية الحديثة.





