د.عبد المنعم صدقي: هل تُستخدم الهرمونات في الدواجن؟ الحقيقة الكاملة وراء الجدل
أستاذ بمركز البحوث الزراعية
يُعد قطاع الدواجن من أكثر القطاعات الغذائية التي تتعرض لحملات من الجدل والتخويف المجتمعي، خصوصًا فيما يتعلق بفكرة استخدام “الهرمونات” لتسريع النمو وزيادة الوزن.
وقد ترسخت هذه الفكرة في الوعي الشعبي حتى أصبحت لدى البعض حقيقة مسلّمًا بها، رغم أن الواقع العلمي والبيطري والفارماكولوجي يقدم صورة مختلفة تمامًا.
وفقًا للمعايير العلمية الحديثة، لا يُعد استخدام الهرمونات في صناعة الدواجن أمرًا عمليًا، لا من الناحية الاقتصادية ولا من الناحية الفسيولوجية.
فالهرمونات تحتاج إلى إعطاء متكرر بالحقن الفردي لكل طائر، وهو أمر شبه مستحيل في المزارع التجارية التي تضم آلاف أو ملايين الطيور، كما أن تكلفة هذه الهرمونات تفوق العائد الاقتصادي المتوقع من استخدامها.
إضافة إلى ذلك، فإن الاستجابة الفسيولوجية للهرمونات تحتاج إلى فترة زمنية أطول من العمر الإنتاجي القصير للدجاج اللاحم، والذي يتم تسويقه غالبًا خلال 30–35 يومًا فقط. ولذلك فإن الزيادة الملحوظة في معدلات النمو والأوزان الحالية تعود أساسًا إلى التقدم في برامج الانتخاب الوراثي (Genetic Selection).
حيث تم تطوير سلالات عالية الكفاءة في تحويل العلف إلى لحم، إلى جانب التحسن الكبير في علوم التغذية وتركيب الأعلاف والإدارة البيئية والصحية داخل المزارع، بمعنى آخر، فإن ما يراه المستهلك من نمو سريع هو نتاج عقود من التطور العلمي في الوراثة والتغذية، وليس نتيجة “حقن هرمونية” كما يُشاع.
التحدي الحقيقي في قطاع الدواجن
وفي المقابل، فإن التحدي الحقيقي في قطاع الدواجن لا يتعلق بالهرمونات بقدر ما يرتبط بسوء استخدام المضادات الحيوية.
فالمضادات تُستخدم أحيانًا لأغراض علاجية أو وقائية أو حتى كمنشطات نمو في بعض الأنظمة الإنتاجية التقليدية، وهنا تظهر المخاوف العلمية المرتبطة بوجود متبقيات دوائية (Drug Residues) في اللحوم عند عدم الالتزام بما يُعرف بـ“فترة السحب” (Withdrawal Period)، وهي المدة الزمنية بين آخر جرعة دوائية وذبح الطائر لضمان التخلص من بقايا الدواء.
كما أن الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية قد يسهم في ظهور مشكلة “مقاومة المضادات الحيوية” (Antimicrobial Resistance)، التي تُعد من أكبر التحديات الصحية العالمية في العصر الحديث.
بدائل غذائية وصحية أكثر أمانًا وفعالية
ورغم هذه التحديات، فإن صناعة الدواجن الحديثة شهدت تحولًا كبيرًا نحو تقليل الاعتماد على المضادات الحيوية، والاتجاه إلى استخدام بدائل غذائية وصحية أكثر أمانًا وفعالية، ومن أبرزها البروبيوتك (Probiotics)، والبريبايوتك (Prebiotics)، والفيتوبيوتك (Phytobiotics).
تعمل هذه المركبات على تحسين صحة الأمعاء ورفع كفاءة الجهاز المناعي وتحسين معامل التحويل الغذائي، كما تمتلك تأثيرات مضادة للميكروبات دون التسبب في متبقيات دوائية أو تعزيز مقاومة البكتيريا.
فالبروبيوتك تعتمد على إضافة بكتيريا نافعة تدعم التوازن الميكروبي داخل الجهاز الهضمي، بينما تعمل البريبايوتك كمحفز لنمو هذه البكتيريا المفيدة، أما الفيتوبيوتك فهي مستخلصات نباتية وزيوت عطرية طبيعية تمتلك خصائص مضادة للبكتيريا والأكسدة والالتهابات.
وقد أصبحت هذه البدائل تُستخدم على نطاق واسع في نظم الإنتاج الحديثة عالميًا، خاصة في ظل التشريعات الدولية التي تدعو إلى الحد من الاستخدام الروتيني للمضادات الحيوية في الإنتاج الحيواني.
ورغم هذه التحديات، فإن تعميم الخوف من الدواجن باعتبارها “غير صحية” يمثل مبالغة تفتقر إلى الدقة العلمية، لأن الأنظمة البيطرية الحديثة تعتمد على رقابة صارمة تشمل الأعلاف، وجودة المياه، وبرامج التحصين، وتحليل متبقيات الأدوية قبل طرح المنتج في الأسواق.
تطوير نظم إنتاج مستدامة وآمنة
كما يتجه العالم اليوم نحو تطوير نظم إنتاج مستدامة وآمنة تعتمد على التغذية الوظيفية، وتحسين المناعة الطبيعية للطائر، ورفع كفاءة الإدارة الصحية بدلًا من الاعتماد التقليدي على المضادات الحيوية.
ومن الناحية التغذوية، تُعد الدواجن من أهم مصادر البروتين عالي الجودة، إذ توفر بروتينًا كاملًا يحتوي على جميع الأحماض الأمينية الأساسية اللازمة لبناء العضلات ودعم المناعة.
كما تُصنف ضمن مصادر البروتين قليلة الدهون (Lean Protein)، خاصة عند إزالة الجلد، مما يجعلها خيارًا غذائيًا صحيًا مقارنة بالإفراط في تناول اللحوم الحمراء.
كذلك تمتاز لحوم الدواجن بسهولة الهضم وارتفاع القيمة الحيوية، ما يجعلها مكونًا رئيسيًا في الأنظمة الغذائية العلاجية والرياضية وأنظمة خفض الوزن.
لذلك فإن النقاش العلمي المنطقي يجب أن يركز على جودة منظومة الإنتاج وطرق التربية والإدارة الصحية، وليس على شيطنة الدواجن كغذاء. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في لحم الدجاج كمنتج غذائي، بل في أي ممارسات إنتاجية خاطئة قد تحدث في بعض النظم غير المنضبطة.
أما التعميم والتخويف غير المستند إلى أدلة علمية، فيؤدي إلى نشر مفاهيم غذائية مضللة قد تدفع إلى تجنب مصدر بروتيني أساسي للأمن الغذائي.





