وجهات نظر

د.عبدالمنعم صدقي: هل تحتوي الأسماك المستزرعة على هرمونات؟ الحقيقة الكاملة

أستاذ بمركز البحوث الزراعية

أصبح الاستزراع السمكي في السنوات الأخيرة أحد أهم الحلول الاستراتيجية لمواجهة الفجوة الغذائية العالمية، وتوفير البروتين الحيواني بأسعار مناسبة وكفاءة إنتاجية مرتفعة.

ومع تزايد الطلب العالمي على الأسماك نتيجة النمو السكاني وارتفاع الوعي الغذائي، توسعت نظم الاستزراع السمكي بشكل كبير حتى أصبحت تمثل نسبة ضخمة من الإنتاج السمكي العالمي.

ورغم ذلك، لا يزال هذا القطاع يواجه كثيرًا من التشكيك المجتمعي، حيث يتم أحيانًا الخلط بين المزارع السمكية الحديثة التي تعمل وفق معايير علمية دقيقة، وبعض الممارسات العشوائية غير الخاضعة للرقابة.

والحقيقة أن الأسماك المستزرعة، عند إنتاجها في بيئة صحية وتحت إشراف فني وبيطري سليم، تُعد من أكثر مصادر البروتين أمانًا وفائدةً للصحة العامة.

كيف تُنتج الأسماك المستزرعة بشكل آمن؟

ومن أكثر القضايا إثارةً للجدل في هذا القطاع الحديث عن “استخدام الهرمونات” في الأسماك المستزرعة، وهي قضية كثيرًا ما تُطرح بصورة مبالغ فيها أو غير دقيقة علميًا.

ففي بعض أنواع الاستزراع، خاصة إنتاج البلطي أحادي الجنس (Monosex Tilapia)، يتم استخدام معاملات هرمونية داخل المفرخات السمكية خلال المراحل العمرية المبكرة جدًا للزريعة، بهدف توجيه التمايز الجنسي والحصول على نسبة أعلى من الذكور، نظرًا لأن الذكور تمتلك معدلات نمو أسرع وكفاءة تحويل غذائي أفضل مقارنة بالإناث، مما يرفع الكفاءة الإنتاجية ويقلل الفاقد الاقتصادي.

إلا أن هذه المعاملات لا تتم خلال مرحلة التسمين أو قبل التسويق، بل تقتصر على فترة محدودة جدًا في بداية العمر، ثم تتوقف تمامًا بعد ذلك.

والأهم من ذلك أن الدورة الإنتاجية للأسماك تستمر غالبًا لمدة تصل إلى ستة أشهر أو أكثر قبل الحصاد والتسويق، وهي مدة كافية جدًا من الناحية الفسيولوجية والدوائية لتحلل وانسحاب أي آثار محتملة لهذه المعاملات الهرمونية من جسم السمكة.

لذلك فإن تصوير الأسماك المستزرعة على أنها “محملة بالهرمونات” عند وصولها إلى المستهلك يُعد طرحًا غير دقيق علميًا، لأن القضية ترتبط بطريقة الاستخدام والالتزام بالمعايير الفنية والرقابية، وليس بوجود خطر دائم في المنتج النهائي ذاته.

أعلاف متوازنة ومدروسة علميًا

وتعتمد نظم الاستزراع الحديثة على أعلاف متوازنة ومدروسة علميًا، تحتوي على نسب دقيقة من البروتينات والطاقة والدهون والفيتامينات والمعادن، بما يضمن تحقيق النمو الصحي والكفاءة الإنتاجية دون التأثير السلبي على جودة المنتج النهائي.

كما يتم دعم هذه الأعلاف حاليًا بمركبات وظيفية حديثة مثل البروبيوتك (Probiotics)، والبريبايوتك (Prebiotics)، والفيتوبيوتك (Phytobiotics)، بالإضافة إلى مضادات الأكسدة الطبيعية، بهدف تحسين صحة الجهاز الهضمي للأسماك، وتقوية المناعة الطبيعية، وتقليل الاعتماد على المضادات الحيوية التقليدية.

وقد أثبتت هذه الإضافات قدرتها على تحسين الأداء الإنتاجي وتقليل معدلات الإصابة بالأمراض مع الحفاظ على سلامة المنتج وجودته الصحية.

ورغم هذا التطور، فإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الاستزراع السمكي ذاته، بل في سوء الممارسات الإنتاجية التي قد تحدث في بعض الأنظمة غير المنظمة.

فعند استخدام مخلفات حيوانية غير معالجة أو أعلاف منخفضة الجودة ومخزنة بصورة سيئة، قد تتعرض الأعلاف للتلوث بالسموم الفطرية (Mycotoxins)، وهي مركبات قد تؤثر سلبًا على صحة الأسماك وجودة المنتج النهائي.

كذلك فإن الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية دون الالتزام بفترات السحب البيطرية قد يؤدي إلى بقاء متبقيات دوائية داخل أنسجة الأسماك، بالإضافة إلى المساهمة في مشكلة مقاومة المضادات الحيوية.

جودة المياه حجر الأساس

كما تمثل جودة المياه حجر الأساس في نجاح وأمان الاستزراع السمكي. فالمزارع التي تعتمد على مياه نظيفة ونظم مراقبة دقيقة للأكسجين والأمونيا ودرجة الحموضة تنتج أسماكًا ذات جودة صحية مرتفعة.

بل إن بعض الدراسات تشير إلى أن الأسماك المستزرعة في بيئات خاضعة للرقابة قد تكون أكثر أمانًا من بعض الأسماك البحرية المعرضة لتلوث البحار المفتوحة بالمعادن الثقيلة والملوثات الصناعية.

وفي المقابل، فإن استخدام مياه صرف غير معالجة أو بيئات ملوثة يؤدي إلى مخاطر صحية حقيقية، وهنا يصبح الخلل ناتجًا عن غياب الرقابة وسوء الإدارة، وليس عن مفهوم الاستزراع السمكي نفسه.

أحد أهم الحلول لتوفير البروتين الحيواني

ومن منظور الأمن الغذائي، يمثل الاستزراع السمكي أحد أهم الحلول المستقبلية لتوفير البروتين الحيواني عالي الجودة، خاصة في الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

لذلك فإن التخويف المطلق من الأسماك المستزرعة أو الدعوة إلى منعها بصورة عامة يتجاهل الحقائق العلمية والإنتاجية، وقد يؤدي إلى تعميق الفجوة البروتينية وحرمان المجتمع من مصدر غذائي مهم وغني بالأحماض الأمينية الأساسية والأحماض الدهنية المفيدة.

ولهذا فإن التقييم العلمي المنصف يجب أن يركز على جودة منظومة الإنتاج والرقابة الصحية، لا على إطلاق أحكام عامة تفتقر إلى الدقة العلمية.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading