د.سالي فودة: COP32 في إثيوبيا.. تحدي جديد لتحقيق العدالة المناخية والاقتصاد الأخضر
أستاذ مساعد الهندسة الحيوية- مركز البحوث الزراعية- استشاري تكنولوجيا تدوير المخلفات الزراعية
فوز إثيوبيا باستضافة مؤتمر المناخ العالمي (COP32) عام 2027 يمثل خطوة تاريخية لتعزيز صوت القارة الإفريقية في قضايا المناخ والعدالة البيئية، خاصة بعد خمس سنوات فقط من استضافة مصر قمة المناخ العالمية في شرم الشيخ 2022، لتؤكد الصوت الإفريقي في التحول العالمي وتحديد مستقبل الكوكب.
تأتي هذه الاستضافة في وقت تواجه فيه إفريقيا تحديات متزايدة في إدارة الموارد الطبيعية، وتحقيق التكيف مع تغيّر المناخ، والانتقال نحو اقتصاد دائري منخفض الانبعاثات.
ومن بين القطاعات القادرة على تحقيق نقلة نوعية في هذا المسار، يبرز قطاع إدارة النفايات الحيوية (Bio-waste Management)، وتحويلها إلى طاقة ومنتجات صديقة للبيئة مثل البيوتشار (Biochar) والزيت الحيوي (Bio-oil) والخل الخشبي (Wood Vinegar).
أولًا: الفرص الكبرى أمام إفريقيا وإثيوبيا في استضافة COP32
1. قيادة القارة في ملف العدالة المناخية
تمنح استضافة المؤتمر لإثيوبيا فرصة لتكون مركزًا لصياغة الأجندة الإفريقية للمناخ، ودفع الجهود نحو تمويل مشروعات التحول الأخضر، خاصة تلك التي تركز على إعادة تدوير المخلفات الزراعية والعضوية.
2. تحفيز الاستثمار في الاقتصاد الحيوي (Bioeconomy)
تمثل استضافة الحدث عامل جذب للاستثمارات الدولية في مجالات إنتاج البيوتشار والوقود الحيوي والأسمدة العضوية. ويمكن لإثيوبيا أن تتحول إلى محور إقليمي لتكنولوجيا تحويل النفايات إلى طاقة، بالشراكة مع دول تمتلك خبرة صناعية مثل مصر وجنوب إفريقيا.
3. نقل المعرفة والتكنولوجيا
يتيح المؤتمر فرصة لتبادل خبرات الدول المتقدمة في تكنولوجيا التحلل الحراري (Pyrolysis)، ومعالجة المخلفات، وتعزيز الاقتصاد الدائري. كما يمكن تأسيس مراكز تميز إقليمية لتدريب الشباب والباحثين الأفارقة على تصميم المفاعلات الحيوية الصغيرة والمتوسطة.
4. تعزيز البنية التحتية والوظائف الخضراء
من المتوقع أن تؤدي الاستضافة إلى تطوير شبكات طاقة مستدامة، وإنشاء مراكز أبحاث جديدة، وتوفير فرص عمل خضراء في الزراعة المستدامة وإدارة المخلفات.
ثانيًا: التحديات المحتملة
1. نقص التمويل الموجّه للنفايات الحيوية
رغم الاهتمام العالمي، ما تزال مشروعات النفايات الحيوية تعاني من ضعف التمويل بسبب طول دورة العائد وصعوبة تسويق المنتجات الثانوية.
2. محدودية البنية الصناعية
قلة المصانع المحلية القادرة على تجهيز النفايات أو تشغيل المفاعلات الحرارية تشكّل تحديًا أمام تطبيق مفهوم “من المخلف إلى المنتج”.
3. غياب التشريعات الداعمة
تعاني العديد من الدول الإفريقية من غياب الأطر القانونية التي تنظم إنتاج وتداول المنتجات الحيوية (مثل Biochar وBio-oil) وآليات قياس البصمة الكربونية الخاصة بها.
4. ضعف الوعي المجتمعي
ما زال المزارعون في الريف الإفريقي يفتقرون إلى المعرفة الكافية بقيمة المخلفات الزراعية كمصدر للطاقة والربح، مما يحد من تبني التقنيات الحديثة.
ثالثًا: التوصيات الاستراتيجية
1. إنشاء “مبادرة إفريقيا للنفايات الحيوية والطاقة النظيفة”
برعاية الاتحاد الإفريقي، يمكن إطلاق مبادرة قارية تهدف إلى تحويل 30٪ من النفايات الزراعية إلى منتجات حيوية بحلول عام 2030، مع دعم البحث العلمي وتدريب المهندسين الزراعيين على بناء المفاعلات منخفضة التكلفة.
2. دعم التمويل الأخضر للمشروعات الصغيرة
ينبغي تشجيع البنوك الإنمائية والمؤسسات المناخية على تقديم قروض ميسرة للمزارعين ورواد الأعمال المهتمين بتقنيات التحلل الحراري والتدوير.
3. تبنّي أدوات قياس البصمة الكربونية
ينبغي إلزام المشاريع الزراعية والصناعية في إفريقيا بتطبيق أنظمة تتبع الانبعاثات وإصدار شهادات “الكربون الإيجابي” لتسهيل التصدير إلى الأسواق الأوروبية.
4. تعزيز الشراكات البحثية والتطبيقية
من المهم توثيق التعاون بين معاهد البحوث الزراعية والهندسية في مصر وإثيوبيا ودول القارة لتطوير وحدات تجريبية لإنتاج الـBiochar وBio-oil وتطبيقها في الزراعة والمزارع السمكية.
5. تنظيم منصة “Technochar Africa”
إطلاق منصة قارية بإشراف خبراء متخصصين لتبادل الخبرات والمعرفة بين الباحثين والمستثمرين في مجال تحويل النفايات إلى طاقة ومنتجات حيوية.
الخاتمة
يشكّل مؤتمر COP32 في أديس أبابا نقطة تحول في مسار التنمية البيئية بإفريقيا إذا ما استُثمرت هذه الفرصة بذكاء.
إن تفعيل تكنولوجيا تحويل النفايات الحيوية إلى قيمة اقتصادية يمثل الجسر الحقيقي بين الاستدامة البيئية والعدالة المناخية والاقتصاد الدائري.
وتبقى المشاركة العلمية العربية – خصوصًا المصرية – بقيادة خبراء متخصصين، عنصرًا محوريًا في نقل المعرفة وتوطين الابتكار من أجل مستقبلٍ أخضرٍ عادلٍ للقارة السمراء.





