د.رفعت جبر:حلم يتشكل على رمال صحراء أفريقيا: بريكس و رؤية مصر الاستراتيجية بين الهيمنة والتعاون
أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة
على رمال الصحراء القاحلة، بين شرق العوينات في مصر وليبيا وتشاد، لا يتم رسم طريق جديد فحسب، بل يتم نسج خيوط مستقبل قارة بأكملها. هذا الطريق، ومشروع القاهرة – كيب تاون العملاق، يمثلان حجر الزاوية في استراتيجية مصر لإعادة ترسيخ دورها كلاعب محوري في أفريقيا. لكن السؤال الأعمق الذي يطرحه هذا الحلم التنموي، هو: هل ستُبنى هذه العلاقات على أسس الهيمنة القديمة، أم ستكون نموذجًا جديدًا للتعاون والتكامل يكسر احتكار القوى التقليدية؟
التعاون هو المفتاح: رؤية مصر لدورها الأفريقي
مصطلح “الهيمنة” قد يكون قاسيًا لوصف الأهداف المصرية. فالنهج المصري في أفريقيا يميل بوضوح نحو “التعاون” و”التكامل” بدلًا من السيطرة. الهدف ليس السيطرة على الدول الأخرى، بل خلق مصالح مشتركة وشراكات تنموية تخدم جميع الأطراف. ويعود هذا النهج البراغماتي لعدة أسباب جوهرية:
المصالح المتبادلة: الطرق والمشاريع اللوجستية تفتح أسواقًا جديدة أمام المنتجات المصرية وتسهل الوصول إلى الموارد الأفريقية. في المقابل، تستفيد الدول الأفريقية الحبيسة (التي لا تطل على البحر) مثل تشاد من الوصول الحيوي إلى موانئ البحر الأحمر والمتوسط عبر مصر، ما يمثل شريان حياة اقتصادي.
التنمية المستدامة: مصر تروج لمشاريع البنية التحتية كأداة لتحقيق التنمية المستدامة في القارة، بما يتوافق مع أجندة 2063 للاتحاد الأفريقي التي تركز على التكامل والرخاء المشترك.
تجنب الحساسيات: السعي للهيمنة يثير دائمًا قلق الدول الأفريقية ويخلق توترات غير مرغوبة، في حين أن الشراكات المبنية على المنفعة المتبادلة تعزز الثقة والتعاون طويل الأمد، وهو ما تحتاجه القارة بشدة.
هل تكون “بريكس” مفتاح اللعبة وتحقيق الحلم؟
إن انضمام مصر إلى مجموعة بريكس (BRICS) يمثل عاملًا محوريًا في هذه الاستراتيجية، ويمكن اعتباره “مفتاح اللعبة” بالفعل. توفر هذه الكتلة الاقتصادية المتنامية الأدوات اللازمة لتحويل هذه الرؤية التنموية إلى واقع:
بالتأكيد. يمكن اعتبار انضمام مصر إلى مجموعة “بريكس” (BRICS) عاملاً مفصلياً ومفتاحاً للعبة في استراتيجيتها الأفريقية لتحقيق التكامل الأفريقي، خاصة فيما يتعلق بمشاريع الربط القاري وذلك عن طريق:
التمويل البديل للمشاريع العملاقة: يوفر بنك التنمية الجديد (NDB) التابع لبريكس مصدراً حيوياً لتمويل مشاريع البنية التحتية الضخمة (مثل طريق شرق العوينات والقاهرة-كيب تاون).
يُقدم هذا التمويل بديلاً للشروط التي قد تكون أكثر تقييداً أو إجحافاً من المؤسسات المالية الغربية التقليدية.
تعزيز السيادة الاقتصادية والتبادل التجاري: يُتيح التوجه نحو مجموعة بريكس إمكانية إجراء التبادلات التجارية بين مصر والدول الأفريقية الأخرى بالعملات المحلية (بعيداً عن الدولار الأمريكي).
هذا الإجراء يُخفف الضغط على العملة الصعبة ويُعزز الاستقرار والسيادة الاقتصادية للقاهرة وشركائها في القارة.
كسر الهيمنة وتشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب: يُعزز التكتل فكرة النظام العالمي متعدد الأقطاب، مما يمنح مصر والدول الأفريقية مساحة أكبر للاستقلال في قراراتها الاقتصادية والسياسية، بعيداً عن ضغوط القوى التقليدية.
كل ماتقدم من معلومات هى حقيقية و واقعية وتفتح بابًا واسعًا من الأمل أمام علاقات شراكة أكثر توازناً ومبنية على المنفعة المتبادلة من خلال، استفادة مصر من الخبرات الضخمة لدول بريكس الأخرى، خاصة الصين وروسيا والهند، في مجالات البنية التحتية العملاقة، التكنولوجيا، وتطوير المناطق اللوجستية المرتبطة بالطرق الجديدة.
باختصار، بريكس لا يمثل مجرد “شريك” جديد، بل هو الداعم المالي والسياسي الذي تحتاج إليه مصر لترجمة رؤيتها الاستراتيجية من “طموح إقليمي” إلى “تكامل قاري” فعلي.
توصيات للنجاح: تعزيز نموذج التكامل
لتحقيق أقصى استفادة من مشاريع الربط القاري وتعزيز دورها الأفريقي كشريك تنموي وليس مهيمنًا، يُنصح لمصر التركيز على النقاط التالية:
- تسهيل الإجراءات التجارية والعبور:تقليل البيروقراطية وتسهيل إجراءات العبور على الحدود من خلال النظام المعروف النافذة الوحيدة(Single Window systems) لإنهاء كل الاجراءات وذلك لضمان تدفق سلس للسلع والأفراد وزيادة جاذبية الطريق.
- الاستثمار في المناطق اللوجستية:إنشاء مناطق لوجستية وصناعية متكاملة على طول هذه الطرق لتعظيم الفائدة الاقتصادية للدول الشريكة، وتحويل الطرق من مجرد ممر إلى شريان إنتاجي.
- تكامل البنية التحتية متعددة الأنماط:ربط الطرق البرية بالسكك الحديدية والموانئ والمطارات المصرية لخلق شبكة نقل متكاملة لا تعتمد على النقل البري فقط.
- التعاون الأمني الإقليمي:العمل مع الدول الشريكة لتأمين الطرق من المخاطر المحتملة مثل الإرهاب والجريمة المنظمة، لضمان استدامة واستمرارية الحركة التجارية.
- الدبلوماسية الاقتصادية التنموية:استخدام الأدوات الدبلوماسية للترويج للمشاريع المصرية كشراكات تنموية تفتح آفاقًا جديدة للاستثمار في أفريقيا، مع التركيز على المنفعة المشتركة.
الخاتمة: من الهيمنة إلى التكامل
في عالم تتشابك فيه المصالح وتتزايد فيه التحديات المشتركة، أثبتت تجارب الماضي أن الهيمنة العسكرية والاقتصادية لم تعد كافية لضمان الاستقرار أو تحقيق التنمية المستدامة. إن ما تحتاجه أفريقيا اليوم هو شبكات شراكة قوية مبنية على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة.
إن انضمام مصر إلى مجموعة بريكس، وتوجهها نحو تعزيز البنية التحتية القارية بمشاريع مثل طريق شرق العوينات، هو بمثابة إعلان واضح بأنها تختار لغة “التكامل” كبديل للغة “الهيمنة”. فبنك التنمية الجديد يمثل بديلًا للتمويل المشروط، والطرق الجديدة تفتح أسواقًا للجميع. إن الحلم ليس في السيطرة على القارة، بل في تحريرها اقتصاديًا من قيود العولمة أحادية القطب.
فهل تنجح مصر ودول أفريقيا في تحقيق هذا الحلم، وتحويل “أحضان أفريقيا الحارة” إلى أحضان دافئة ودافعة نحو نموذج يحتذى به في عالم يسعى نحو نظام أكثر عدالة وتوازنًا؟ هذا ما ستجيب عليه السنوات القادمة، ولكن المؤشرات الأولية تشير إلى أن الطريق قد بدأ يرسم بخطوات ثابتة نحو شراكة مستدامة.





