د.عبدالحكيم العلوي: دور المنظمة البحرية في التخفيف من آثار تغير المناخ والحماية من التلوث
خبير الإنفاذ البيئي الدولي - منظمة الجمارك العالمية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة
الشحن البحري مسئول عما يزيد عن 80% من التجارة العالمية وتحمل حوالي 50.000 سفينة أكثر من 10 مليار طن من البضائع
يعتبر الشحن أحد المهام الرئيسية التي تتم في المحيطات، حيث يتولى توصيل ما يزيد عن 80% من التجارة العالمية، ونقل ركاب العبارات إلى وجهاتهم، وحمل ملايين السياح من خلال الرحلات البحرية. وهناك أكثر من 50.000 سفينة عابرة للبحار تحمل علي متنها أكثر من 10 مليار طن من البضائع الحيوية والمطلوبة، تشمل السلع والوقود والمواد الخام والبضائع الاستهلاكية.
ونظراً لأن المنظمة البحرية الدولية (IMO) هي إحدي الهيئات التابعة للأمم المتحدة، ويقع على عاتقها مسؤولة وضع واعتماد إجراءات لتحسين سلامة وأمن الشحن الدولي، والحيلولة دون حدوث تلوث من السفن، فإنها تقوم بدور حيوي في تلبية الأهداف الواردة في هدف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (SDG) رقم 14: وهو المحافظة بشكل مستدام على المحيطات والبحار والموارد البحرية لتحقيق التنمية المستدامة.
لقد تواكبت الزيادة في عدد وحجم السفن، وكذلك حجم الشحنات التي تم نقلها خلال العقود الخمسة الماضية، مع عمل المنظمة البحرية الدولية، وذلك من خلال الدول الأعضاء البالغ عددها 172 دولة، لإنشاء إطار عمل قانوني وفني، والذي أصبح الشحن من خلاله أكثر نظافة وأكثر أمناً بشكل متصاعد.
اتفاقية عام 1948
تأسست المنظمة البحرية الدولية بموجب اتفاقية عام 1948، وركزت في البداية على السلامة والملاحة البحرية. ثم في حقبة الستينات، أصبح العالم أكثر دراية بحالات انسكاب النفط في المحيطات والبحار من خلال الحوادث، أو كنتيجة لممارسات التشغيل الرديئة، ونتيجة لأحداث التلوث النفطي الرئيسية، مثل كارثة السفينة توري كانيون (Torrey Canyon) قبالة الساحل الجنوبي الغربي للمملكة المتحدة في عام 1967، فقد بدأت المنظمة البحرية الدولية في تنفيذ برنامج عمل طموح يتعلق بمنع التلوث البحري والاستجابة له، وكذلك بجوانب المسؤولية والتعويض. وكان من النتائج الرئيسية التصديق على الاتفاقية الدولية لمنع التلوث الناجم عن السفن في عام 1973، المعروفة عالمياً باسم اتفاقية ماربول (MARPOL).
المواد السائلة الضارة
ومنذ البداية، لم يقتصر عمل الاتفاقية على التلوث الناجم عن السفن فقط (الوارد في الملحق الأول)، بل تناول أيضاً المواد السائلة الضارة، مثل المواد الكيميائية، التي تُحمل بكميات ضخمة (الملحق الثاني)؛ والمواد الضارة التي تُحمل في طرود مغلفة (الملحق الثالث)؛ وتصريف مياه المجاري في البحر (الملحق الرابع)؛ والتخلص من القمامة الناتجة عن السفن في البحر (الملحق الخامس). وبموجب الملحق الخامس، ينطبق الحظر العام على تصريف جميع أنواع القمامة من السفن، بينما يخضع التخلص من المواد البلاستيكية لحظر كامل قابل للتطبيق عالمياً.
وفي عام 1997، أضافت المنظمة البحرية الدولية (IMO) مرفقاً سادساً للاتفاقية الدولية لمنع التلوث الناجم عن السفن ، وهو يتناول التلوث الجوي الناجم عن السفن. ومن ثم يتناول المرفق السادس تلوث الهواء الناجم عن الكبريت والانبعاثات الضارة الأخرى، مثل أكاسيد النيتروجين ومواد الجسيمات. وفي عام 2011، أصبحت المنظمة البحرية الدولية (IMO) أول هيئة رقابية دولية في قطاع النقل تقوم باعتماد متطلبات ملزمة لكفاءة استخدام الطاقة، تنطبق على جميع السفن عالمياً، بصرف النظر عن نمط التجارة أو دولة العلم، وتهدف إلى الحد من انبعاثات غازات الدفيئة في أنشطة الشحن الدولي.
المواد المستنفدة للأوزون،
كما تضمن المرفق السادس للاتفاقية أيضاً اللوائح المتعلقة بالمواد المستنفدة للأوزون، والمركبات العضوية المتطايرة، ومحارق السفن، ومرافق الاستقبال، ونوعية نفط الوقود. كل هذه الإجراءات كان لها أثر ملموس ومفيد على البيئة الجوية، وكذلك على صحة الإنسان بالنسبة للأشخاص المقيمين في المدن القريبة من الموانئ، والمجتمعات الساحلية، أو بالقرب منها.
وبموجب المرفق السادس من اتفاقية ماربول فقد تم تحديد مناطق التحكم في الانبعاثات (ECA) لأكسيد الكبريت وأكسيد النيتروجين، بنسبة 0.10 بالمئة من الكتلة على أساس (كتلة/ كتلة) على الكبريت في زيت الوقود. وفي خطوة تشير إلى التزام المنظمة البحرية الدولية (IMO) الواضح بضمان وفاء عمليات الشحن بالالتزامات البيئية لديها، تم تخفيض الحد العالمي للكبريت خارج مناطق التحكم في الانبعاثات إلى 0.50 بالمئة (كتلة/ كتلة)، بعد أن كانت 3.5 بالمئة (كتلة/ كتلة)، وذلك بدءاً من 1 يناير 2020.
اتفاقية ماربول
واليوم، فإن اتفاقية ماربول بعد أن خضعت للتوسيع والتنقيح والتحديث، لا تزال أهم معاهدة دولية، وأكثرها شمولاً، تتناول منع التلوث البحري والتلوث الجوي الناتج عن السفن لأسباب تشغيلية أو عرضية. ومن خلال توفير أساس متين للتناقص الكبير والمستمر في التلوث الصادر عن السفن، لا تزال الاتفاقية ملائمة للهدف منها حتى اليوم.
كذلك أدركت اتفاقية ماربول أيضاً الحاجة إلى متطلبات أكثر صرامة لإدارة ما يسمى بالمناطق الخاصة وحمايتها، وذلك بسبب بيئتها وحركة المرور البحري فيها. وبالتالي فقد قامت بتحديد إجمالي 19 منطقة خاصة، وهي تشمل البحار المغلقة أو شبه المغلقة، مثل مناطق البحر الأبيض المتوسط، وبحر البلطيق، والبحر الأسود، والبحر الأحمر، ومساحات أوسع بكثير من المحيطات مثل المياه الجنوبية لجنوب أفريقيا ، ومياه أوروبا الغربية. ويمثل هذا التقدير للمناطق الخاصة، واللوائح العالمية، دليلاً واضحاً على إدراك المنظمة البحرية الدولية (IMO) ، والتزامها الكامل، بالأهمية القصوى لحماية بحار ومحيطات العالم والحفاظ عليها باعتبارها نظم حيوية لدعم الحياة لجميع الشعوب.
حظر تصريف الفضلات الزيتية
وقد حظيت منطقة القطب الجنوبي بوضع “المنطقة الخاصة” منذ عام 1992، حيث تم حظر تصريف الفضلات الزيتية تماما في البحر والتخلص من القمامة من سطح السفن إلى البحر، وبالإضافة إلى ذلك، بدأ تفعيل الحظر الكامل على نقل أو استخدام زيوت الوقود الثقيلة في 1 أغسطس 2011، بموجب لائحة جديدة من الملحق الأول لاتفاقية ماربول. وتستفيد المياه القطبية أيضاً من الإجراءات الخاصة التابعة للقانون القطبي للمنظمة البحرية الدولية (IMO)، والذي دخل حيز التنفيذ في 1 يناير 2017، والخاص بالسفن العاملة في كل من مياه القطب الجنوبي والقطب الشمالي.
وبينما تستهدف اتفاقية ماربول عمليات التصريف العرضية والتشغيلية من أعمال السفن، فإن المنظمة البحرية الدولية(IMO) تتناول أيضاً التلوث البحري من المصادر البرية بشكل نشط، وإن كان ذلك بصورة غير مباشرة، من خلال اتفاقية لندن لمنع التلوث البحري الناجم عن إلقاء النفايات والمواد الأخرى، لعام 1972، والبروتوكول التابع لها والصادر في 1996. وينتهج البروتوكول أسلوباً وقائياً يحظر تصريف النفايات في البحر، فيما عدا بنود قليلة محددة على قائمة النفايات المسموح بها، مثل المواد المجرفة.
التخفيف من آثار تغير المناخ
يسهم نظام اتفاقية وبروتوكول لندن أيضاً في التخفيف من آثار تغير المناخ وذلك عن طريق تنظيم استخلاص الكربون واحتجازه في التشكيلات الجيولوجية تحت سطح البحر، وتوفير اللوائح والإرشادات الخاصة بكيفية تقييم المقترحات المتعلقة بالهندسة الجيولوجية البحرية.
هذا وتبدأ عملية التصديق على كل هذه الإجراءات في المنظمة البحرية الدولية (IMO) بمنتديات هيكلية، تقوم فيها الدول الأعضاء بمناقشة الإجراءات الشاملة التي تهدف إلى تحقيق الشحن الآمن والمستدام بأقل قدر ممكن من التأثير السلبي على البيئة، ومن ثم الموافقة على هذه الإجراءات والتصديق عليها.
ويلي ذلك المسار الأساسي للتنفيذ. وتعمل المنظمة البحرية الدولية(IMO) مع العديد من أصحاب المصلحة والشركاء بهدف بناء القدرات والخبرات فيما بين الدول الأعضاء فيها، من أجل صياغة معايير المنظمة في تشريعاتها البحرية الوطنية، ومن ثم تنفيذ وتطبيق هذا التشريع بفعالية.
إن سجل أعمال المنظمة البحرية الدولية (IMO) في الحد من التلوث الناجم عن السفن، سواء في البحار والمحيطات أو في الغلاف الجوي، غني عن الشرح. وتلتزم المنظمة التزاما تاماً بالعمل من خلال الدول الأعضاء فيها، ومع شركائها، على مواصلة وضع مجموعة من اللوائح العالمية والمحافظة عليها وتنفيذها، لضمان الاستخدام المستدام للمحيطات.





