دراسة ضخمة تحسم الجدل.. لا علاقة بين زيادة المهاجرين غير النظاميين وارتفاع الجرائم العنيفة
دراسة تشمل 46 مليون شخص.. زيادة المهاجرين غير النظاميين لم ترفع الجرائم العنيفة
في وقت تتصدر فيه قضية الهجرة غير النظامية النقاش السياسي والاجتماعي في الولايات المتحدة، كشفت دراسة واسعة النطاق أن زيادة أعداد المهاجرين غير النظاميين في الأحياء الأمريكية لا ترتبط بارتفاع معدلات الجرائم العنيفة، بل ارتبطت في بعض الحالات بانخفاض جرائم الممتلكات والاعتداءات المشددة.
وحللت الدراسة، التي نُشرت في 10 أغسطس 2026 في Journal of Urban Affairs، بيانات نحو 11.5 ألف حي في أكثر من 100 مدينة أمريكية، بالاعتماد على بيانات تمتد بين عامي 2010 و2018.
وتقدم النتائج، وفق الباحثين، واحدة من أوسع عمليات تحليل العلاقة بين الهجرة غير النظامية والجريمة على مستوى الأحياء في الولايات المتحدة.
11.5 ألف حي تحت المجهر
اعتمد فريق البحث على الجمع بين تقديرات أعداد السكان غير النظاميين وإحصاءات الجريمة على المستوى المحلي.
وتقول شاريس كوبرين، عالمة الجريمة في جامعة كاليفورنيا بإيرفاين وأحد مؤلفي الدراسة، إن أهمية البحث تكمن في أنه يدرس العلاقة بين الهجرة والجريمة داخل الأحياء، وليس فقط على مستوى المدن أو الولايات.
وتشير الباحثة إلى أن الأحياء تمثل المساحات الأقرب إلى حياة السكان اليومية، ولذلك فإنها المكان الذي تتشكل فيه تصورات الناس بشأن الجريمة والهجرة.
ويرى أليكسيس بيكيرو، عالم الجريمة في جامعة ميامي، أن دراسات سابقة اعتمدت في الغالب على عينات محدودة من الأشخاص أو مناطق جغرافية بعينها، بينما تتميز الدراسة الجديدة باتساع نطاقها الوطني وتنوع المناطق التي شملتها.

لماذا يصعب معرفة أعداد المهاجرين غير النظاميين؟
تواجه دراسة هذه الفئة السكانية تحديًا أساسيًا، يتمثل في أن الأشخاص المقيمين بصورة غير نظامية لا يظهرون بالضرورة في قواعد البيانات الرسمية بصفتهم مهاجرين غير نظاميين.
ولهذا لجأ الباحثون إلى طريقة تقديرية لحساب أعدادهم.
وحصل الفريق البحثي على إمكانية الوصول إلى بيانات ديموغرافية غير متاحة للعامة لنحو 46 مليون شخص من خلال مركز أبحاث إحصائية فيدرالي أمريكي.
وقام الباحثون باستبعاد الأشخاص الذين تشير البيانات إلى أنهم مواطنون أمريكيون أو مولودون داخل الولايات المتحدة، إلى جانب فئات أخرى يُرجح أنها تمتلك وضعًا قانونيًا، مثل الأشخاص المسجلين في برامج التأمين الصحي العام، أو الملتحقين بالتعليم العالي، أو المتزوجين من مواطنين أمريكيين.
وبهذه الطريقة، تمكن الباحثون من بناء تقديرات لانتشار السكان غير النظاميين داخل الأحياء المختلفة.
تراجع نسبة المهاجرين غير النظاميين
أظهرت الحسابات أن المهاجرين غير النظاميين كانوا يمثلون في المتوسط نحو 5.6% من سكان الأحياء التي شملها التحليل عام 2010، وبحلول عام 2018، انخفضت النسبة إلى نحو 4.8%.
وتقول كوبرين إن تقديرات فريقها جاءت قريبة من تقديرات وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، وهو ما يمنحها درجة إضافية من الاتساق مع التقديرات الرسمية.
بعد ذلك، ربط الباحثون توزيع السكان غير النظاميين ببيانات الجرائم المسجلة، للبحث عن أي علاقة بين تغير أعدادهم ومستويات الجريمة.
انخفاض جرائم الممتلكات والاعتداءات
ركز الباحثون على مجموعة من الجرائم العنيفة، شملت جرائم القتل والسرقة والاعتداءات المشددة، إلى جانب جرائم الممتلكات، مثل السطو وسرقة السيارات.
وكانت النتيجة الأساسية واضحة: لم يجد الباحثون دليلًا على أن ارتفاع أعداد المهاجرين غير النظاميين يؤدي إلى زيادة عامة في الجرائم العنيفة.
بل على العكس، ارتبطت زيادة نسبة السكان غير النظاميين في الأحياء بانخفاض مستويات جرائم الممتلكات والاعتداءات المشددة.
لكن الصورة لم تكن موحدة بالنسبة إلى جميع أنواع الجرائم.
الاستثناء: زيادة جرائم السرقة
وجدت الدراسة أن جرائم السرقة اتجهت إلى الارتفاع في الأحياء التي شهدت زيادة في أعداد السكان غير النظاميين.
إلا أن الباحثين يحذرون من تفسير هذه النتيجة باعتبارها دليلًا على أن المهاجرين غير النظاميين يرتكبون المزيد من الجرائم.
وتطرح كوبرين تفسيرًا مختلفًا محتملًا، وهو أن المهاجرين أنفسهم قد يكونون ضحايا للسرقة وليسوا بالضرورة مرتكبين لها.
فالأشخاص المقيمون بصورة غير نظامية يكونون، في بعض الحالات، أكثر اعتمادًا على الحصول على أجور نقدية وأقل امتلاكًا للحسابات المصرفية مقارنة بغيرهم، الأمر الذي قد يجعلهم أكثر عرضة لاستهدافهم في جرائم السرقة.
لكن الباحثة تؤكد أن فريقها لم يمتلك البيانات الكافية لاختبار هذا التفسير بصورة كاملة.

الهجرة والجريمة تتراجعان معًا.. لكن هذا لا يعني وجود علاقة سببية
تكتسب نتائج الدراسة أهمية إضافية لأن فترة البحث نفسها شهدت انخفاضًا في كل من معدلات الجريمة والهجرة في الولايات المتحدة.
وقد يبدو من السهل تفسير الأمر بصورة مبسطة بالقول إن انخفاض الجريمة حدث بسبب انخفاض أعداد المهاجرين غير النظاميين.
لكن الباحثين يقولون إن هذا الاستنتاج لا تدعمه البيانات.
وتوضح كوبرين، أن تزامن انخفاض متغيرين لا يعني بالضرورة أن أحدهما تسبب في الآخر، مشيرة إلى أن الدراسة تقدم دليلًا يتحدى الفكرة القائلة إن انخفاض الجريمة كان نتيجة مباشرة لتراجع الهجرة.
وهذه نقطة مهمة في الدراسات الاجتماعية، إذ إن الارتباط الإحصائي بين ظاهرتين لا يثبت بالضرورة وجود علاقة سببية بينهما.
لماذا تختلف النتائج عن التصورات الشعبية؟
تأتي نتائج الدراسة في مواجهة تصور شائع لدى قطاعات من الجمهور، وهو أن زيادة أعداد المهاجرين غير النظاميين تؤدي إلى ارتفاع الجريمة.
لكن الباحثين يشيرون إلى أن الأدلة العلمية المتراكمة في الولايات المتحدة ودول أخرى لم تجد علاقة واضحة بين الهجرة وارتفاع الجرائم العنيفة.
ويقول بن بريندل، الباحث البارز في مشروع مرصد الهجرة بجامعة أكسفورد في بريطانيا، إن نتائج الدراسة تتوافق مع الصورة التي ظهرت أيضًا في أبحاث أجريت في المملكة المتحدة.
ويضيف أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في نقص الدراسات، وإنما في صعوبة تغيير التصورات العامة عندما تكون المواقف تجاه الهجرة مرتبطة بعوامل سياسية واجتماعية وإعلامية متعددة.
المهاجرون ليسوا بالضرورة مصدر الجريمة
أحد أهم جوانب الدراسة أنها تدفع إلى إعادة التفكير في الطريقة التي يتم بها تفسير العلاقة بين الهجرة والجريمة.
فارتفاع معدل جريمة معينة في حي يضم أعدادًا كبيرة من المهاجرين لا يعني تلقائيًا أن المهاجرين هم من يرتكبون تلك الجرائم.
وقد يكون بعضهم ضحايا للجريمة، أو قد تكون هناك عوامل أخرى في الحي نفسه تفسر ارتفاع معدلاتها.
ولهذا فإن تحليل العلاقة على مستوى الأحياء يمكن أن يكون أكثر فائدة من إطلاق أحكام عامة على مجموعة سكانية بأكملها.
ماذا تعني النتائج للسياسات المحلية؟
يرى الباحثون أن نتائج الدراسة قد تكون مفيدة في النقاشات المتعلقة بالسياسات المحلية الخاصة بالهجرة والأمن.
وتقول كوبرين إن الدراسة تركز على المستوى المحلي، ولذلك فإن نتائجها قد تحمل أهمية مباشرة لصانعي السياسات على مستوى المدن والأحياء.
أما بيكيرو فيرى أن قضية الهجرة لن تختفي من النقاش العام في الولايات المتحدة في المستقبل القريب، لكنه يأمل أن تساعد الأدلة العلمية في تحريك النقاش، ولو خطوة واحدة، بعيدًا عن التصورات غير المدعومة بالأدلة.
الدراسة لا تقول إن الهجرة «تمنع» الجريمة
ومن المهم التعامل مع نتائج الدراسة بدقة، فالبحث لا يقول إن المهاجرين غير النظاميين يخفضون الجريمة بالضرورة، ولا يثبت أن وجودهم يؤدي إلى انخفاض الجرائم.
ما خلص إليه الباحثون هو أنهم لم يجدوا دليلًا على أن زيادة أعدادهم تؤدي إلى ارتفاع عام في الجرائم العنيفة، بينما ظهرت ارتباطات بانخفاض بعض الجرائم، مثل جرائم الممتلكات والاعتداءات المشددة، وارتفاع جرائم السرقة.
كما أن الدراسة تغطي الفترة بين 2010 و2018، ولذلك لا ينبغي إسقاط نتائجها بصورة آلية على جميع الظروف السياسية والديموغرافية الحالية.
عندما تصطدم الصورة النمطية بالأرقام
في النهاية، تقدم الدراسة مثالًا على الدور الذي يمكن أن تلعبه البيانات واسعة النطاق في اختبار الأفكار الشائعة.
فبدلًا من السؤال عما إذا كان المهاجرون غير النظاميين «يبدون» أكثر ارتباطًا بالجريمة في بعض المناطق، حاول الباحثون قياس العلاقة بصورة منهجية عبر 11.5 ألف حي وأكثر من 100 مدينة.
والنتيجة الأساسية التي توصلوا إليها هي أن زيادة أعداد المهاجرين غير النظاميين لا تبدو مرتبطة بارتفاع الجرائم العنيفة في الأحياء الأمريكية.
وفي قضية شديدة الحساسية سياسيًا واجتماعيًا مثل الهجرة، تظل أهمية النتيجة في أنها تعيد النقاش إلى السؤال الأكثر أهمية: ماذا تقول البيانات فعلًا، بعيدًا عن الانطباعات والمخاوف والتصورات المسبقة؟





