السكن قرب المغاسل يرتبط بزيادة خطر باركنسون.. دراسة على 19 مليون شخص
مادة كيميائية شائعة في التنظيف الجاف تثير القلق.. صلة محتملة بمرض باركنسون
كشفت دراسة أمريكية واسعة النطاق عن ارتباط محتمل بين السكن بالقرب من محال التنظيف الجاف وارتفاع احتمالات تشخيص مرض باركنسون، في نتيجة تفتح بابًا جديدًا للبحث في الدور الذي قد تلعبه الملوثات الكيميائية البيئية في الإصابة بالمرض.
وحلل الباحثون بيانات ما يقرب من 19 مليون شخص من كبار السن في الولايات المتحدة، ووجدوا أن الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من محال التنظيف الجاف كانوا أكثر عرضة للحصول على تشخيص جديد بمرض باركنسون مقارنة بمن يعيشون على مسافة أكبر منها.
وتراجعت هذه العلاقة تدريجيًا كلما زادت المسافة عن محال التنظيف الجاف، إلا أن الباحثين يؤكدون أن النتائج لا تثبت أن المواد الكيميائية المستخدمة في التنظيف الجاف تسبب مرض باركنسون بصورة مباشرة.
ونُشرت الدراسة في دورية npj Parkinson’s Disease.
مواد كيميائية يمكن أن تبقى لعقود
تعتمد عمليات التنظيف الجاف تقليديًا على مذيبات كيميائية قادرة على إذابة الدهون والبقع دون استخدام الماء، ومن بين المواد التي أثارت اهتمام العلماء ثلاثي كلورو الإيثيلين «TCE» ورباعي كلورو الإيثيلين «PCE».
ودخل TCE صناعة التنظيف الجاف خلال عشرينيات القرن الماضي، قبل أن يحل PCE محله على نطاق واسع في خمسينيات القرن الماضي، بعد ظهور مخاوف تتعلق بالآثار الصحية لـTCE.
وتكمن المشكلة في أن PCE يمكن أن يتحلل في باطن الأرض وينتج عنه TCE، ما يعني أن المادتين قد توجدان في التربة والمياه الجوفية أسفل مواقع محال التنظيف الجاف الحالية أو السابقة.
كما يمكن لهذه المواد الكيميائية أن تتحرك عبر التربة والمياه الجوفية، بينما تستطيع أبخرتها الوصول إلى المباني من خلال الشقوق أو الأنابيب.
وتُعرف هذه العملية باسم «تسلل الأبخرة»، وقد تستمر حتى بعد إغلاق النشاط التجاري، لأن التلوث الموجود تحت سطح الأرض يمكن أن يظل قابلًا للرصد لعقود.

لماذا ارتبطت هذه المواد بباركنسون؟
سبق أن ربطت دراسات بشرية وتجارب على الحيوانات التعرض لمادة TCE بمرض باركنسون، لكن وجود ارتباط إحصائي لا يعني بالضرورة وجود علاقة سببية.
وانطلقت الدراسة الجديدة من سؤال مختلف: هل يمكن أن تكون المسافة بين منزل الشخص وأقرب محل تنظيف جاف مؤشرًا تقريبيًا على تعرضه المحتمل للمواد الكيميائية المرتبطة بهذه الأنشطة؟
دراسة شملت نحو 19 مليون شخص
استخدم الباحثون سجلات برنامج «ميديكير» الصحي في الولايات المتحدة خلال الفترة من 2014 إلى 2018.
وحددوا 180,982 شخصًا تلقوا تشخيصًا جديدًا بمرض باركنسون بين عامي 2016 و2018، ثم قارنوا هذه المجموعة بـ18,848,268 شخصًا لم يكن لديهم تشخيص بالمرض واستوفوا شروط الأهلية نفسها.
وكان جميع المشاركين يبلغون 67 عامًا على الأقل ويعيشون على مسافة لا تتجاوز خمسة أميال من أحد محال التنظيف الجاف المدرجة في البيانات.
واعتمد الباحثون على موقع منزل كل مشارك قبل عامين من تشخيص المرض أو اختياره للمقارنة، ثم حددوا أقرب محل تنظيف جاف من بين 32,723 موقعًا تجاريًا مسجلًا في عام 2013.
عوامل أخرى دخلت في الحسابات
للتقليل من احتمال أن تكون عوامل أخرى هي المسؤولة عن العلاقة التي ظهرت في البيانات، أخذ الباحثون في الاعتبار مجموعة من المتغيرات، من بينها العمر والجنس والعرق واحتمالات التدخين واستخدام خدمات الرعاية الصحية ومتوسط دخل المنطقة وطبيعة الموقع، سواء كان حضريًا أو ريفيًا، إلى جانب التعرض للجسيمات الدقيقة الملوثة للهواء.
كما أعاد الفريق التحليل باستخدام الحالات التي سجلها أطباء متخصصون في الأعصاب فقط، للتأكد من أن النتيجة لا تعتمد بالكامل على طريقة تسجيل التشخيصات.
ومع ذلك، فإن هذه التعديلات لا تستطيع استبعاد جميع الاختلافات الممكنة بين الأحياء والمناطق السكنية.

ارتفاع الاحتمالات لدى الأقرب إلى المغاسل
كان الأشخاص الذين يعيشون على بعد 0.1 ميل أو نحو 500 قدم من محل تنظيف جاف أكثر عرضة بنسبة 14% للحصول على تشخيص بمرض باركنسون مقارنة بمن يعيشون على مسافة تتراوح بين أربعة وخمسة أميال.
ويشير الباحثون إلى أن هذه النسبة تعبر عن زيادة في «الاحتمالات» الإحصائية، وليس عن زيادة مباشرة في احتمال إصابة الفرد بالمرض.
وتشير البيانات إلى أن الزيادة المقدرة تراوحت تقريبًا بين 9% و19%.
وتراجعت العلاقة كلما زادت المسافة؛ فكانت الاحتمالات أعلى بنحو 11% لدى من يعيشون على بعد يتراوح بين 0.1 و0.25 ميل، وبنحو 5% لدى الأشخاص الذين يعيشون على بعد 0.75 إلى ميل واحد.
وعلى مسافة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أميال، لم تعد الزيادة في الاحتمالات واضحة إحصائيًا.
ويطلق الباحثون على هذا النمط اسم «علاقة الجرعة والاستجابة»، لأن قوة الارتباط كانت أكبر بالقرب من المصدر المحتمل للتعرض.
وعند قصر التحليل على الحالات التي سجلها أطباء الأعصاب، ظلت الاحتمالات أعلى بنحو 7% إلى 8% لدى الأشخاص الذين يعيشون بالقرب من محال التنظيف الجاف.
اختلاف في بعض أعراض المرض
فحص الباحثون أيضًا مجموعة من الأعراض أو التشخيصات التي ظهرت في السجلات الطبية قبل تشخيص باركنسون، وشملت الرعشة، ومشكلات المشي والحركة، والخرف أو التراجع المعرفي، والسقوط.
وقد يظهر الشخص نفسه في أكثر من مجموعة، وبين الأشخاص الذين يعيشون على مسافة لا تتجاوز 0.1 ميل من محل تنظيف جاف، ارتفعت الاحتمالات بنسبة 23% لمشكلات المشي، و25% للخرف، و19% للسقوط.
لكن الدراسة لم تجد ارتباطًا واضحًا بزيادة احتمالات الرعشة.
ويحذر الباحثون من تفسير هذه النتائج على أنها دليل على أن التعرض للمذيبات يحدد نوع الأعراض التي يعانيها مريض باركنسون، خصوصًا أن سجلات الفواتير الطبية قد لا تتضمن جميع الأعراض بصورة كاملة، كما قد لا يسجل الطبيب الرعشة بشكل منفصل عن تشخيص المرض.
مناطق أمريكية سجلت ارتباطًا أقوى
أظهرت خريطة على مستوى المقاطعات وجود ارتباط إيجابي في أجزاء واسعة من الولايات المتحدة المتصلة.
وبرزت تجمعات أكثر قوة في مناطق من دالاس-فورت وورث، وديترويت الكبرى، وجنوب إلينوي، والحدود بين تينيسي وكنتاكي، ووسط بنسلفانيا، وشمال وسط إنديانا، وجنوب كاليفورنيا، ومنطقة نيويورك ونيوجيرسي.
ولا يعرف الباحثون حتى الآن سبب الاختلاف بين هذه المناطق، فقد تتداخل عوامل مثل التلوث التاريخي، وخصائص التربة والصخور المحلية، والكثافة السكانية، وحالة الأنابيب والأساسات القديمة في تحديد مستوى التعرض الفعلي، لكن الدراسة لم تختبر هذه العوامل بصورة مباشرة.
الدراسة لا تثبت أن التنظيف الجاف يسبب باركنسون
من أهم قيود الدراسة أنها استخدمت المسافة بين المنزل ومحل التنظيف الجاف باعتبارها مؤشرًا بديلًا للتعرض المحتمل للمواد الكيميائية.
فالباحثون لم يقيسوا مستويات TCE أو PCE أو أي مذيبات أخرى داخل المنازل أو في الهواء أو التربة أو المياه الجوفية، كما لم يقيسوا تركيز هذه المواد في أجسام المشاركين.
كذلك، اعتمد تحديد مواقع محال التنظيف الجاف على قائمة تجارية واحدة، وقد تكون بعض المواقع المسجلة مجرد نقاط لاستلام وتسليم الملابس وليست مواقع تستخدم المذيبات فعليًا.
كما استخدم الباحثون عناوين السكن المسجلة قبل عامين من التشخيص، بينما يمكن أن تتطور التغيرات المرتبطة بمرض باركنسون على مدى زمني أطول بكثير.
عوامل أخرى قد تؤثر في التعرض
يمكن لعوامل عديدة أن تغير مستوى تعرض الشخص الفعلي للمذيبات، مثل الانتقال من منزل إلى آخر، وقضاء فترات طويلة خارج المنزل، وتصميم المبنى، ومكان العمل، والتهوية، ووجود مصادر أخرى للمواد الكيميائية.
كما قد تحتوي السجلات الطبية على أخطاء أو نقص في تسجيل التشخيصات والأعراض.
ولا يمكن بالضرورة تعميم النتائج على الفئات العمرية الأصغر، لأن المشاركين في الدراسة كانوا من كبار السن.
ومن الممكن أيضًا أن تكون هناك ظروف بيئية أو اجتماعية أخرى غير مقاسة في الأحياء نفسها ساهمت في ظهور العلاقة الإحصائية.
الحاجة إلى قياس التعرض الفعلي
قال براد راسيت، رئيس قسم طب الأعصاب ونائب الرئيس الأول في معهد بارو لطب الأعصاب، وهو الباحث الرئيسي البارز في الدراسة، إن النتائج تضيف إلى الأدلة المتزايدة التي تشير إلى أن التعرضات البيئية قد تؤدي دورًا مهمًا في مرض باركنسون.
وأكد أن تحديد هذه التعرضات يمثل خطوة مهمة لفهم كيفية تقليل عبء المرض مستقبلًا.
وتشير الدراسة في مجملها إلى وجود ارتباط بين السكن بالقرب من محال التنظيف الجاف وارتفاع احتمالات تشخيص مرض باركنسون، لكنها لا تثبت أن المذيبات المستخدمة في هذه الأنشطة هي السبب المباشر للمرض.
ولحسم هذه المسألة، يحتاج الباحثون إلى دراسات مستقبلية تقيس مستويات TCE وPCE وغيرها من الملوثات بصورة مباشرة في الهواء والتربة والمياه والمنازل، وتربطها بالتعرض الفردي وتطور المرض على مدى زمني طويل.





