حفريات المرجان تكشف عن 600 ألف عام من أسرار المناخ المخفية
من أعماق البحار إلى قلب المختبر.. المرجان يروي قصة تغير المناخ عبر العصور
تكمن قصة كوكبنا في أماكن غير متوقعة، ومن بينها حفريات المرجان التي تعمل ككبسولات زمنية دقيقة تسجل ارتفاع البحار وانخفاضها عبر العصور.
واليوم، تمكنت طالبة دكتوراه بجامعة سيدني من تحقيق اختراق علمي قد يفتح الباب أمام استعادة تلك السجلات القديمة بدقة غير مسبوقة.
نافذة جديدة على تاريخ المناخ
كارا ويليامز، الباحثة بالتعاون مع منظمة العلوم والتقنية النووية الأسترالية (ANSTO)، استخدمت تقنية التصوير المقطعي بالنيوترونات (NCT) لدراسة حفريات المرجان ثلاثيًّا.
تكشف هذه التقنية تفاصيل دقيقة في بنية المرجان دون إتلاف العينة، مما يتيح فهمًا أعمق لتاريخ المناخ على الأرض.
وقالت ويليامز: “تفتح هذه الطريقة الباب أمام استخراج معلومات مناخية من عينات مرجانية كانت تُعتبر غير صالحة للدراسة.”

المرجان.. سجل طبيعي للمحيطات القديمة
يبني المرجان هيكله من معدن الأراغونيت، الذي يتحول مع مرور الزمن إلى الكالسيت، وهو تحول طبيعي يُفقد العينة غالبًا بياناتها الكيميائية المهمة.
لكن فريق ويليامز استخدم التصوير بالنيوترونات في أداة DINGO التابعة لـ ANSTO لتحديد جيوب صغيرة من الأراجونيت الأصلي داخل الحفريات، وهي التي تحتفظ بإشارات كيميائية تكشف تغيرات مستوى سطح البحر وحرارة المحيطات قبل مئات الآلاف من السنين.
وأوضحت ويليامز: “من خلال رؤية الحفريات في أبعاد ثلاثية، نستطيع التمييز بين الأراغونيت الأصلي والكالسيت المتحول، ما يساعدنا على استعادة أفضل الإشارات المناخية الممكنة.”

قراءة الماضي عبر عيون النيوترونات
تعتمد التقنية على تمرير حزم من النيوترونات عبر العينات لتكوين صور داخلية دقيقة، على غرار الأشعة المقطعية الطبية، لكنها تكشف تفاصيل لا تستطيع الأشعة السينية رصدها.
وقد أظهرت الصور مناطق من الأراغونيت لم تمسها عوامل التعرية، مما يسمح بقراءة “صفحات” جديدة من تاريخ المحيطات كانت مجهولة.
يقول الأستاذ جودي ويبستر، المشرف على الدراسة وخبير تاريخ الشعاب المرجانية: “باستخدام النيوترونات، يمكننا الوصول إلى بيانات ظلت مخفية لملايين السنين، وفهم العتبات البيئية التي واجهتها الشعاب في الماضي.”

أعمار تمتد لـ 600 ألف عام
شملت الدراسة أربع عينات، بينها مرجان حديث من جزيرة “وان تري ريف”، وثلاث حفريات من بابوا غينيا الجديدة وأشمور ريف والحاجز المرجاني العظيم، أقدمها يعود إلى نحو 600 ألف عام.
نُشرت النتائج في دورية Geochemistry, Geophysics, Geosystems التابعة للاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي، ضمن تعاون علمي بين جامعة سيدني وANSTO.

من الماضي إلى المستقبل
لا تكشف هذه الحفريات عن تاريخ المناخ فحسب، بل تساعد على التنبؤ بكيفية تفاعل الشعاب المرجانية الحديثة مع الاحترار السريع وارتفاع منسوب البحار.
فالمعرفة المستخلصة من المرجان القديم قد تُسهم في تحسين النماذج المناخية ودعم خطط ترميم الشعاب المهددة اليوم.
تؤكد ويليامز أن هذه التقنية يمكن أن تحدث ثورة في دراسة المناخ القديم، إذ تسمح باستكشاف عينات هشة دون تدميرها، وربما تمتد تطبيقاتها إلى علم الآثار والجيولوجيا والمتحجرات.

وبفضل هذا البحث، أصبح للعلماء وسيلة جديدة لقراءة السجل المخفي في حفريات الأرض، وتذكير البشرية بأن صفحات التاريخ البيئي لا تزال تحمل دروسًا عن مستقبل الكوكب.







You’ve done a great job with this. I ended up learning something new without even realizing it—very smooth writing!