دفعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وأزمة إمدادات الطاقة الناجمة عن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، حكومات في أوروبا وآسيا إلى تسريع خطط التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، في محاولة لتقليل الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري وتعزيز أمن الطاقة.
وبعد مرور ستة أشهر على اندلاع الحرب، تتجه دول من كوريا الجنوبية وتايلاند إلى الاتحاد الأوروبي نحو زيادة التمويل المخصص لمشروعات الطاقة المتجددة، في وقت أدى فيه اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز إلى اختناق ما يقرب من خُمس شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
وتشير التطورات إلى أن أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب قد تمنح تحول الطاقة العالمي دفعة جديدة، حتى مع استمرار بعض الدول في زيادة الاعتماد على الفحم لتأمين احتياجاتها من الكهرباء.
الطاقة المتجددة تتسارع.. والفحم يعود أيضًا
يشهد توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة نموًا متسارعًا حول العالم، وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تصبح الطاقة المتجددة أكبر مصدر للكهرباء عالميًا للمرة الأولى خلال عام 2026.
ومنذ اندلاع الحرب، أثبتت الطاقة الشمسية على أسطح المنازل جاذبيتها بصورة خاصة، نظرًا إلى سرعة تركيب أنظمتها وانخفاض تكلفتها مقارنة بالعديد من البدائل.
وفي الفلبين، دفعت الزيادة الكبيرة في أسعار الكهرباء، الناتجة عن ارتفاع تكلفة الوقود المستورد، الأسر والشركات إلى التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، بينما ساهم برنامج لدعم البطاريات في تنشيط سوق الطاقة الشمسية فوق أسطح المباني في أستراليا.
كما ارتفع الطلب الأوروبي على أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية منذ بداية الحرب، مع سعي المستهلكين إلى خفض فواتير الكهرباء وتقليل التعرض لتقلبات أسعار الوقود.
لكن التحول في مزيج الطاقة لا يسير في اتجاه واحد؛ إذ يشهد الفحم أيضًا زيادة في الاستخدام. ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز وعدم قدرة مصادر الطاقة المتجددة حتى الآن على ضمان إمدادات كهرباء مستقرة على مدار الساعة، يتوقع ارتفاع توليد الكهرباء من محطات الفحم.
ومع ذلك، تظل وتيرة نمو الطاقة المتجددة أكبر بكثير؛ إذ تتوقع وكالة الطاقة الدولية ارتفاع إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بنسبة 8.5% خلال العام الحالي، مقابل زيادة متوقعة بنسبة 1.4% في توليد الكهرباء من الفحم.
وفي الولايات المتحدة، التي يعارض رئيسها دونالد ترامب سياسات الطاقة الخضراء، ارتفع توليد الكهرباء من المصادر المتجددة بنسبة 10% خلال النصف الأول من العام مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
ارتفاع الانبعاثات رغم طفرة الطاقة النظيفة
ورغم الزيادة الكبيرة في إنتاج الطاقة المتجددة، لا تزال انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في طريقها إلى الارتفاع.
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية زيادة الانبعاثات العالمية من هذه الغازات بنسبة 1.1% خلال العام الحالي، لتصل إلى مستوى قياسي يبلغ 14.2 مليار طن.
وتشير التوقعات إلى أن إنتاج الكهرباء من الفحم قد ينخفض بنسبة 0.7% في عام 2027، بينما يرتفع توليد الكهرباء من الغاز بنسبة 1.5% مقارنة بمستويات العام الحالي.
ويؤكد ذلك أن تسريع خفض الانبعاثات لن يتحقق بمجرد زيادة إنتاج الطاقة المتجددة، بل يحتاج أيضًا إلى استثمارات ضخمة في شبكات الكهرباء وأنظمة تخزين الطاقة، بما يسمح بدمج كميات أكبر من الكهرباء المتجددة في الشبكات وضمان استقرار الإمدادات.
آسيا تتحمل الجزء الأكبر من صدمة الطاقة
كانت الاقتصادات الآسيوية الأكثر اعتمادًا على النفط والغاز المنقولين عبر مضيق هرمز الأكثر تعرضًا لصدمة اضطرابات الإمدادات.
وفي الصين، تسارعت وتيرة التوسع في الطاقة الشمسية بصورة كبيرة، إذ نما إنتاجها بأكثر من ثلاثة أمثال معدل نمو توليد الكهرباء من الفحم خلال الفترة بين مارس ويوليو.
وفي المقابل، اتجهت الهند وفيتنام وكوريا الجنوبية إلى زيادة استخدام الفحم لتعويض اضطرابات إمدادات الوقود.
وشهدت بعض الدول الأوروبية أيضًا زيادة في استهلاك الفحم، إلا أن وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن يستأنف توليد الكهرباء من الفحم في الاتحاد الأوروبي مساره التنازلي الممتد لعقد كامل خلال عام 2026.
وفي الشهر الماضي، أعلنت الحكومة الفيتنامية أنها تدرس إنشاء المزيد من محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم بهدف تأمين إمدادات الطاقة، رغم تعهدها خلال قمة الأمم المتحدة للمناخ عام 2021 بعدم بناء محطات فحم جديدة بعد عام 2030.
وتكشف هذه التطورات عن مفارقة واضحة في سوق الطاقة العالمية؛ فالأزمات الجيوسياسية يمكن أن تسرّع الاستثمار في الطاقة النظيفة، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع بعض الدول إلى العودة مؤقتًا إلى الوقود الأحفوري باعتباره مصدرًا سريعًا لتأمين الكهرباء.
السيارات الكهربائية تستفيد من ارتفاع أسعار النفط
يمثل قطاع النقل أكبر سوق لاستهلاك النفط عالميًا، إذ يُستخدم معظم الخام كوقود للسيارات والشاحنات والسفن والطائرات.
ولم تؤد الحرب إلى انهيار الطلب على النفط في قطاع النقل، لكنها تسببت في عكس الاتجاه الصعودي الذي كانت تتوقعه تقديرات سابقة.
وأدى ارتفاع أسعار الوقود، إلى جانب انخفاض السفر الجوي وتراجع استهلاك الصين وتسارع انتشار السيارات الكهربائية، إلى خفض الطلب على النفط المستخدم في النقل مقارنة بالتوقعات التي سبقت الحرب.
وتشير تقديرات جولدمان ساكس إلى أن الطلب المرتبط بالبنزين انخفض بنحو 20% عند ذروة اضطرابات الإمدادات في أبريل، بينما قدرت شركة “جلوبال لوجستكس كونسلتنج” الانخفاض بنحو 15%.
كما دفعت أسعار الوقود المرتفعة المزيد من السائقين إلى التحول نحو السيارات الكهربائية.
وتعد الصين أكبر منتج للسيارات الكهربائية في العالم، وقد تجاوزت قيمة صادراتها من هذه السيارات 10 مليارات دولار للمرة الأولى خلال العام الحالي.
وشكلت السيارات الكهربائية 63% من مبيعات التجزئة لسيارات الركاب في الصين خلال يونيو، ارتفاعًا من 53% في الشهر نفسه من العام السابق.
ويرى محللو بنك أوف أمريكا أن التحول نحو السيارات الكهربائية يفسر نحو ثلث الانخفاض في واردات الصين من النفط الخام منذ بداية العام.
كما شهدت مبيعات السيارات الكهربائية ارتفاعًا كبيرًا في أوروبا منذ اندلاع الحرب، في ظل الضغوط التي فرضتها أسعار النفط المرتفعة على المستهلكين.
إلى متى يستمر التحول؟
ما دام مضيق هرمز مغلقًا، فمن المرجح أن تظل أسعار النفط والغاز مرتفعة، وهو ما يعزز دوافع الدول للاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة المحلية الأرخص نسبيًا، وتقليل تعرض اقتصاداتها لتقلبات أسعار الوقود المستورد.
لكن استمرار هذا التحول بوتيرة متسارعة يظل أمرًا غير محسوم، إذ يعتمد على مجموعة واسعة من العوامل الاقتصادية والمالية والجيوسياسية.
وقال سفيري ألبفيك، نائب الرئيس ومدير توقعات تحول الطاقة في شركة “دي إن في”، إن تغيير مزيج الطاقة في أي دولة يتطلب استثمارات ضخمة، وإن ارتفاع أسعار الفائدة يجعل رأس المال الأولي اللازم لمشروعات الطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء أكثر تكلفة.
وأضاف أن الصراع الحالي قد يدعم التحول نحو خفض الانبعاثات على المدى الطويل، لكنه لن يكون مسارًا مستقيمًا بالضرورة.
وتواجه مشروعات الطاقة المتجددة تحديًا إضافيًا يتمثل في ارتفاع تكلفة التمويل، خصوصًا أن بناء محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وشبكات الكهرباء وأنظمة التخزين يحتاج إلى استثمارات كبيرة في البداية قبل تحقيق العوائد.
الغاز قد يستعيد بعض جاذبيته
تمتلك العديد من الأسواق الآسيوية الكبرى احتياطيات كبيرة من الغاز والفحم يمكنها توفير هامش أمان أمام اضطرابات إمدادات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، من المتوقع دخول كميات أكبر من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي إلى الأسواق العالمية بين عامي 2026 و2030.
وقال فيكتور ديل كاربيو نيرا، الباحث المشارك الأول في شركة “أورورا لأبحاث الطاقة”، إن زيادة إمدادات الغاز الطبيعي المسال قد تجعل الغاز أكثر قدرة على المنافسة من حيث السعر في الأسواق الآسيوية التي تعتمد على الاستيراد.
وقد يؤدي ذلك إلى تقليل الحافز لدى بعض الدول الآسيوية للتحول الدائم بعيدًا عن الغاز، إذا كان الدافع الأساسي لهذا التحول هو اضطرابات الإمدادات الناجمة عن الحرب الحالية.
أزمة هرمز تعيد تشكيل مستقبل الطاقة
وتكشف تداعيات الحرب عن تحول أوسع في حسابات أمن الطاقة العالمية، إذ أصبحت الدول أكثر إدراكًا لمخاطر الاعتماد المفرط على واردات النفط والغاز، خصوصًا عندما تمر نسبة كبيرة من الإمدادات عبر ممرات بحرية استراتيجية معرضة للاضطرابات.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن تمثل أزمة مضيق هرمز نقطة تحول لمصادر الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وأنظمة تخزين الكهرباء والسيارات الكهربائية، لأنها تمنح الدول إمكانية إنتاج جزء أكبر من احتياجاتها من الطاقة محليًا وتقليل تعرض اقتصاداتها لصدمات أسواق الوقود العالمية.
لكن المسار نحو التحول الأخضر سيظل معقدًا؛ فارتفاع أسعار الوقود قد يدفع الحكومات والمستهلكين إلى الاستثمار في الطاقة النظيفة، بينما قد تدفع الحاجة الفورية إلى تأمين الكهرباء بعض الدول إلى زيادة استخدام الفحم والغاز.
وبالتالي، فإن التأثير النهائي للحرب على تحول الطاقة العالمي لن يتحدد فقط بمستوى أسعار النفط والغاز، بل بقدرة الحكومات على تحويل صدمة الطاقة الحالية إلى استثمارات طويلة الأجل في الطاقة المتجددة، وشبكات الكهرباء، والتخزين، وكفاءة الطاقة، والنقل الكهربائي.
وفي حال نجحت هذه الدول في استغلال الأزمة لإعادة بناء أنظمتها على أساس مصادر محلية ونظيفة، فقد تتحول اضطرابات الطاقة الحالية من أزمة جيوسياسية إلى حافز تاريخي لتسريع التحول العالمي بعيدًا عن الوقود الأحفوري.
