حرائق الغابات في لبنان.. أزمة تتكرر سنويًا فما الأسباب؟
من أقل الدول جهوزية لمواجهة الحرائق.. المكافحة مكلفة جدًا والوقائة تفوق القدرات المالية.. والبلد فقدت مساحات كبيرة من الأشجار
بيروت– تحقيق: إسراء هادي
في شهر يونيو- حزيران الماضي إندلعت حرائق في في الضنية في شمال لبنان، وقضت على أجزاء من أكبر غابة صنوبر بري في الشرق الأوسط، هذه الواقعة ليست مستغربة، فحرائق الغابات باتت حدث سنوي متكرر في البلاد منذ عدّة أعوام، فما الأسباب وراء ضعف القدرة على التصدي لها بالرغم من تكررها؟
تجتاح الحرائق العديد من الدول حول العالم، لكن كما يقول هشام سلمان، منسّق برنامج الحفاظ على الطبيعة في “جمعية الثروة الحرجية والتنمية” (AFCD) فلبنان من أقل الدول جهوزية في مواجهة هذه المشكلة، ويتابع “عملية مكافحة الحرائق مكلفة جدًا، وتفوق قدرات لبنان المالية، وبالتالي إجراءات الوقاية والتحضير للأزمة متدنية”.
وبحسب موقع المجلس الوطني للبحوث العلمية، فإنّ الرعي الجائر وقطع الأخشاب لاستثمارها، والزحف العمراني على المناطق الريفية، والأنشطة البشرية من أبرز عوامل تكرار الحرائق، والمناطق الأكثر ضررًا هي تلك الواقعة على أطراف المدينتين الرئيستين بيروت وطرابلس.
مفتعلة ولا تعود لأسباب طبيعية
واتفق سلمان أنّ حرائق لبنان دائمًا ما تكون مفتعلة ولا تعود لأسباب طبيعية أو متعلّقة بالمناخ، وعلى البلديات والوزرات المعنية القيام بإجراءات عديدة للتخفيف من الحرائق، مثل تنظيف جوانب الطرقات، ومراقبة الأماكن المخصّصة لإشعال النار في الغابات وإنشاء طرق خاصة تستطيع من خلالها سيارات الدفاع المدني العبور إلى وسط الغابات، وإنشاء برك للمياه فيها.
وأشار إلى أن الخسائر الاقتصادية لهذه الحرائق مرتفعة، حيث فقدت الدولة مساحات كبيرة من الأشجار مثل: الصنوبر، اللزاب، السنديان، الأشجار المثمرة، الزيتون وغيرها، هذا بجانب نفوق العديد من الحيوانات التي تعيش ضمن الغابات، وخسارة الطيور إضافة لاحتراق التربة مع مكوناتها البيولوجية كالبكتيريا، مما يجعلها ضعيفة وغير متماسكة، كلها خسائر مادية ضخمة على الدولة والمزارعين، ومن المتوقع أن تصبح أكثر سوءاً بفعل تغيّر المناخ.

كما أنّ الكثير من الغابات المحترقة لا تستطيع تجديد نفسها بشكل طبيعي بعد الحريق، بالأخص أشجار الأرز والشوح واللزاب، أي تصبح خسارتها دائمة.
ويشير سلمان إلى أنّ “جمعية الثروة الحرجية والتنمية” تتواصل مع المنظمات الدولية لإعداد خططٍ محلية لإدارة حرائق الغابات على مستوى البلديات واتحاداتها، من خلال تشكيل لجانٍ محلية مدربة قادرة على نشر التوعية والاستعداد والاستجابة المنظمة، تمهيداً لإدراك كيفيّة التصرف مع الحرائق، وتجهيز المياه والآلات والمعدّات، والاستعانة بالموارد المحلية والخارجية، وتحديد مكامن الخطر في البلدات وإدارة الوقود فيها، إضافة إلى تعميم النشرات الصادرة حول وجود خطر حريق في منطقة ما.
جهود الإنذار المبكر
بهدف رصد وتتبع الحرائق والتنبيه بمخاطرها، أطلقت جامعة البلامند بلبنان مشروع يعمل على نشر خريطة أسبوعية على منصات التواصل الاجتماعي، تظهر الخريطة الأماكن المهددة بخطر إندلاع الحرائق، وتعمل كصافرة إنذار أولى للتنبيه من التهديد القادم.
يعمل المشروع منذ ستة أعوام بالتعاون مع وزارة البيئة، ليتيح بيانات محدثة عن مواقع إندلاع الحرائق للجهات المختلفة كلبلديات والجمعيات والإدارات، وبحسب مدير برنامج الأراضي والموارد الطبيعية في معهد الدراسات البيئية بجامعة البلمند، والمسؤول عن المشروع الدكتور جورج متري فقد جرى تحديد المناطق الأكثر خطورة في لبنان ومراقبتها بشكل أكبر، وهي تلك المناطق التي ترتفع درجة حرارتها بصورة تهدد بنشوب حرائق، ومنها: عكار، الضنية، البترون، جبيل كسروان، المتن، بعبدا، عاليه الشوف، صيدا جزين، صور، النبطية، حاصبيا وراشيا، ومرجعيون.
المناطق الأكثر خطورة ومراقبتها.. أرقام قياسية
ووفقًا لنظام فير لاب “firelab” الذي ابتكرته الجامعة لقياس خطر حرائق الغابات، فقد سجّلت الحرائق هذا العام في لبنان أرقاماً قياسية، مقارنة بالسنوات السابقة.
وخلال الأعوام الثلاثة الماضية شهد لبنان سلسلة حرائق كبيرة، بدأت منذ تشرين الأول 2019، وامتدت على كافة أراضيه من الشمال إلى الجنوب، وتسببت في احترق 3000 هكتار من الغابات والمساحات الخضراء، أوهو ما يعادل ثلاثة أضعاف المعدّل السنوي.

وفي عام 2020 احترق 7000 هكتار، أي سبع مرات أعلى من المعدل السنوي، وقال متري: “خسرت شمال عكار في موسم 2020 ـ 2021 حوالي 14 بالمئة من مساحة غاباتها”.

هذه الخسائر الضخمة هي ما دفعت د.متري وفريقه لتطوير هذا النظام للإنذار المبكر، ويأخذ النظام في الاعتبار عدة عوامل، ومنها: الأرصاد الجوية وسرعة الرياح والحرارة والرطوبة، خصائص وطبيعة الأرض، متانة المواقع، نوعية الغطاء النباتي وكثافته وقابليته للاشتعال، الأحراج الشجرية.
يقول متري: “هذه المعايير كلها تتفاوت بين موقع وآخر، مما يجعل بعض المناطق أكثر خطورة من غيرها، ففيما تواجه مناطق مخاطر متوسطة وخفيفة، توجه أخرى مخاطر ضخمة، على سبيل المثال، الحريق يتمدد بشكل أسرع وأخطر اذا كانت طبيعة تضاريس الأرض منحدرة”.
طبيعة الأرض المهددة بالحرائق
لذا يأخذ النموذج بعين الاعتبار طبيعة الأرض المهددة بالحرائق فكما يوضح متري الأرض العشبية معرّضة للاشتعال بصورة أسرع، لكنها تنبت عشبًا جديدًا خلال فترة قصيرة بعد الحريق “الأرض التي تتميّز بالكثافة الشجرية عرضة للضرر بعد وقوع الحريق ونمو الأشجار من جديد يستغرق وقت أطول، إذ أن الأشجار تحتاج إلى سنوات كي تنمو وتعوّض الخسارة، وترتفع الخسائر وتقل القدرة على تعويضها في أماكن تواجد الثروة الحيوانية”.
استدعى هذا الخطر إطلاق بيان من وزارة البيئة اللبنانية تحذّر فيه من معاودة ارتفاع مؤشر خطر اندلاع الحرائق خلال شهور الصيف الماضي، بالاعتماد على تقديرات نظام “مختبر الحرائق”.
وتقع المسؤولية الكبرى في التعامل مع خرائط اندلاع الحرائق في المناطق اللبنانية على عاتق البلديات والهيئات المحليّة، ومن ثمّ المواطنين الذين يجب أن يتمتّعوا ببعض المسؤولية.
الحرق ممنوع
يحظر قانون الغابات الصادر منذ عام 1949 على أي شخص حرق أي نوع من النباتات لمدة 4 أشهر في السنة، وهي الفترة ما بين 1 تموز/ يوليو وحتى 31 تشرين الأول / أكتوبر، ويشمل ذلك الأراضي الواقعة على بعد أقل من 500 متر من منطقة حرجي تحوي أشجار أومحاصيل زراعية أو ماشية.
كما تنص الاستراتيجية الوطنية للحماية من الحرائق التي أقرّت عام ٢٠٠٩ على تفعيل دور البلديات في المناطق الحرجية الحساسة، لزيادة جهوزيتها في المراقبة والتدخل السريع والتوصل إلى إخماد الحرائق خلال الدقائق العشرين الأولى تطبيقاً لمبدأ “كلما عُرف الحريق في بدايته سهل إطفاؤه”، وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب عبر متابعة المفارز القضائية المعنية للتحقيقات التي تباشرها المخافر في حوادث اندلاع الحرائق لمحاسبة مسببيها.
كل هذه الجهود تسابق الآثار المنتظرة للتغيرات المناخية والت ستزيد من ضراوة الحرائق، حيث قدرت وزارة البيئة بلبنان أن تغير المناخ سيسبب انخفاضًا بنسبة 14٪ في الناتج المحلي الإجمالي بالدولة بحلول عام 2040 ، وأن ينخفض أكثر إلى 32٪ بحلول عام 2080. وفيما يتعلق بسبل العيش ، من المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى زيادة درجات الحرارة وزيادة ندرة الموارد المائية.
أثار التطرف المناخي
كما أن المخاوف تتزايد من أثار التطرف المناخي في منطقة الشرق الأوسط مخاوف على سكان المنطقة ، خاصة مع ضعف البنى التحتية لأغلب دول المنطقة ومن بينها لبنان وعدم قدرتها على التعامل مع موجات الحرائق والفيضانات والجفاف المتطرف.
وأصدرت الأمم المتحدة في شهر يوليو الماضي تقريرًا عن البنية التحتية للمياه في لبنان ، والذي وصفته بأنه “على حافة الهاوية”،يعتمد الكثير من اللبنانيين على توصيل المياه من القطاع الخاص بسبب عدم كفاية المياه العامة. تتقاضى صهاريج المياه الآن حوالي 96 دولارًا مقابل 1000 لتر. هذا الرقم أعلى بستة أضعاف مما كان عليه في عام 2019 ، وفقًا للأمم المتحدة.
الأمر ذاته ينطبق على مكافحة الحرائق، حيث تفتقر الدولة لمعدات مكافحة الحريق المخصصة لمساعدة رجال الدفاع المدني.

= لائحة المصادر والمراجع:
1. https://arabicedition.nature.com/journal/2022/02/d41586-021-03496-
2. https://www.ifrc.org/ar/wildfires
3. http://www.legiliban.ul.edu.lb/LawView.aspx?opt=view&LawID=181678
4. https://www.arcgis.com/apps/dashboards/1a8440d9f1ce4f1bb3a3a890b698cb3e
5. https://www.arcgis.com/apps/dashboards/c04fd62df2414c6ead30c4acfdae7975
6. file:///C:/Users/acer/Downloads/WF20AR.pdf http://firelab.balamand.edu.lb/FireLabWeb/Content/PDF/Mf/Fire_Danger_ForeCast_Re
7. http://firelab.balamand.edu.lb/FireLabWeb/FireDanger
8. https://lebanon.un.org/ar/142648-tghywr-almnakh-fy-lbnan-thdydun-mdaf
9. https://www.un.org/ar/climatechange/why-2022-will-matter-climate-action-0
10. https://www.dw.com/ar/%D9%82%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D8%AE/t-18900595
11. https://www.aub.edu.lb/ifi/Documents/publications/infographics/2019-2020/20191220_october_forest_fires_arabic.pdf





