في الأسابيع الأخيرة، صعّدت إدارة ترامب هجماتها على علم المناخ، بما في ذلك تعريض التقييم الوطني للمناخ للخطر، ووقف نشر البيانات المتعلقة بالكوارث المناخية والطقسية التي تتجاوز قيمتها مليارات الدولارات، ومنع الوكالات الفيدرالية من استخدام “التكلفة الاجتماعية للكربون” في صياغة السياسات.
وراء هذه الإجراءات تكمن استراتيجية واضحة: دفن الأدلة العلمية التي تبيّن الآثار الاقتصادية المدمرة لتغير المناخ، لعرقلة أي تحرك حقيقي لمعالجته.
لكن الواقع لا يمكن إنكاره؛ فتغير المناخ أصبح حاضرًا في حياتنا اليومية بطرق ملموسة، من حرائق الغابات والفيضانات، إلى ارتفاع تكاليف تأمين الممتلكات. ولمواجهة التكاليف الصحية والاقتصادية المتصاعدة، تحتاج البلاد إلى الانتقال السريع من الوقود الأحفوري إلى الطاقة النظيفة، والاستثمار في تعزيز المرونة المناخية – إلا أن إدارة ترامب مصمّمة على عكس ذلك تمامًا.
وهل من وسيلة أفضل لتسويق الوقود الأحفوري من إخفاء حقيقته المُكلِفة ونشر الأكاذيب والدعاية بدلًا من الشفافية؟
الحقائق المناخية تُزعج المُضلّلين
طوال أكثر من أربعة عقود، جمعت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) بيانات دقيقة عن الكوارث المناخية المتطرفة في الولايات المتحدة، والتي تتجاوز تكلفة الواحدة منها مليار دولار.
لكن في خطوة مثيرة للقلق، أعلنت الإدارة مؤخرًا أنها لن تُحدّث هذه البيانات بعد عام 2024، مشيرة إلى “أولويات متغيّرة ولوائح قانونية وهيكلية وظيفية جديدة”.
ورغم أن البيانات من عام 1980 حتى 2024 ستظل متاحة، فإن وقف التحديثات يُعد تراجعًا خطيرًا عن الشفافية، لا سيما أن هذه البيانات تُظهر أن تغير المناخ أصبح عبئًا ماليًا حقيقيًا.
تُظهر خريطة الكوارث لعام 2024 أن كل منطقة في البلاد تعرضت لأحداث مناخية كارثية، من حرائق الجنوب الغربي إلى الأعاصير المدمّرة على سواحل الخليج.
ورغم وجود عوامل أخرى، مثل التوسع العمراني، إلا أن التغير المناخي يُفاقم الآثار، ويزيد من تكاليف الأضرار بسبب ارتفاع قيمة العقارات والبنية التحتية.
العالم يشهد اليوم ظروفًا مناخية غير مسبوقة؛ فقد ارتفعت درجات الحرارة العالمية بمعدل 1.3 درجة مئوية مقارنة بمتوسط القرن العشرين، وبلغ متوسط حرارة عام 2024 أعلى مستوياته في التاريخ.
وشهدت الولايات المتحدة في هذا العام 27 كارثة مناخية بقيمة مليار دولار أو أكثر، تسببت في مقتل 568 شخصًا، وخسائر قُدّرت بـ182.7 مليار دولار.
وكان إعصار “هيلين” الأكثر فتكًا، إذ خلّف 219 ضحية وتسبب بأضرار تُقدّر بـ79.6 مليار دولار، نتيجة اشتداده بفعل حرارة مياه الخليج غير المسبوقة.
أشارت دراسات نسب المناخ إلى أن تغير المناخ زاد من كميات الأمطار الناتجة عن الإعصار بنسبة تصل إلى 50% في بعض المناطق.
كما ساهم في تعزيز الظروف التي تؤدي إلى تكثيف الأعاصير بسرعة، ورفع احتمالات هطول أمطار غزيرة.
الأرقام تتحدث: الكوارث تتزايد والتكاليف تتصاعد
منذ عام 1980، بلغ متوسط الكوارث المناخية السنوية 9 أحداث كبرى، لكنه تضاعف في السنوات الخمس الأخيرة (2020-2024) ليصل إلى 23 حدثًا سنويًا.
وقد ارتفعت تكاليف هذه الكوارث بشكل كبير حتى بعد تعديلها للتضخم، وهو ما يعكس حجم الأزمة.
إخفاء هذه البيانات لا يجعلنا أكثر أمانًا، بل يمنعنا من اتخاذ قرارات ذكية ومبنية على أدلة علمية للحد من الخسائر.
الحلول معروفة: خفض انبعاثات الغازات الدفيئة، الاستثمار في الطاقة النظيفة، تحسين كفاءة استخدام الطاقة، وزيادة المرونة المناخية.
الضحية: الحقيقة، والمستفيد: الملوّثون
في تصعيدٍ خطير ضد المنطق العلمي، ألغت إدارة ترامب استخدام “التكلفة الاجتماعية للكربون” في صنع السياسات، وهو مقياس اقتصادي يستخدم لتقدير الأضرار المالية لكل طن من الانبعاثات.
ويُعد هذا المقياس أداة أساسية لتوجيه السياسات البيئية والاقتصادية نحو الاستدامة.
بحسب تقديرات وكالة حماية البيئة الأمريكية، تبلغ هذه التكلفة 190 دولارًا لطن ثاني أكسيد الكربون عند استخدام معدل خصم 2%، وهي تقديرات خضعت لمراجعات علمية واقتصادية دقيقة.
إدارة ترامب تريد تجاهل هذه التكلفة بالكامل، وتتصرف كما لو أن تغير المناخ لا يُسبب خسائر، متجاهلة موجات الحر القاتلة، وتدمير المنازل، وتراجع المحاصيل، واضطراب الشركات.
المستفيد من هذا التلاعب؟ شركات الوقود الأحفوري التي ترفض تقليص أرباحها على حساب الكوكب.
قال عالم المناخ الدكتور روبرت كوب: “باعتبار التكلفة الاجتماعية للكربون صفرًا، فإن هذه السياسة تتجاهل بشكل تعسفي العلم والاقتصاد المرتبطين بتغير المناخ”.
تجاهل التقييم المناخي لا يغيّر الواقع
في هجومٍ آخر على المؤسسات العلمية، قامت إدارة ترامب بطرد موظفي برنامج أبحاث التغير المناخي، وحلّ فريق إعداد التقييم الوطني السادس للمناخ، رغم كونه تقريرًا معتمدًا من الكونغرس.
هذه التقارير لا تحدد السياسات، لكنها تقدم قاعدة علمية موثوقة لفهم آثار تغير المناخ المستقبلية.
غياب هذه التقارير يهدد قدرتنا كمجتمع على التخطيط والتكيّف، ويخدم فقط مصالح شركات النفط والغاز.
لذا، يجب على الكونجرس أن يضمن إعداد التقرير وفقًا للقانون وبنزاهة علمية.
ديمقراطية العلم في خطر
ما تقوم به إدارة ترامب لا يُعد مجرد جدل سياسي عابر، بل محاولة منهجية لتقويض العلم واستبداله بالدعاية، وهو نهج يُشبه ما تفعله الأنظمة الاستبدادية.
طمس الحقائق واستبدالها بروايات مزيّفة هو تهديد خطير للديمقراطية والفكر الحر.
يجب على جميع المدافعين عن الحقيقة والعلم الوقوف في وجه هذا التوجه، لحماية المؤسسات التي تضمن مستقبلًا قائمًا على المعرفة، لا المصالح الضيقة.
