“جزيرة قمامة” تتحول إلى موطن حي.. كيف غيّر البلاستيك خريطة الحياة في المحيط الهادئ
رقعة النفايات في المحيط الهادئ تحتضن عشرات الكائنات.. هل نزيلها أم نحافظ عليها؟
كشفت دراسة علمية حديثة أن Great Pacific Garbage Patch لم تعد مجرد تجمع ضخم للنفايات البلاستيكية، بل تحولت إلى موطن فعلي لعشرات الأنواع من الكائنات البحرية، ما يثير جدلًا متزايدًا حول جدوى وطرق تنظيفها.
وتقع هذه الرقعة داخل North Pacific Subtropical Gyre، وهو نظام من التيارات الدوّارة بين كاليفورنيا وهاواي يعمل على احتجاز النفايات بدلًا من تشتيتها، ما أدى إلى تراكم آلاف الأطنان من البلاستيك القادر على الطفو لسنوات طويلة.
نظام بيئي غير متوقع
وقد نُشرت الدراسة في دورية Nature Ecology & Evolution، ما يعكس أهميتها في الأوساط العلمية والبيئية.
لطالما اعتقد العلماء أن الكائنات الساحلية لا يمكنها البقاء في عرض المحيط لفترات طويلة، بسبب قسوة الظروف وغياب الأسطح الصلبة التي تحتاجها للعيش.
غير أن هذه الفرضية بدأت تتغير بعد Great East Japan Tsunami، حين جرفت الأمواج حطامًا بحريًا ضخمًا إلى المحيط، ووصل لاحقًا إلى سواحل أمريكا الشمالية محملًا بكائنات بحرية ظلت حية لسنوات.
هذا الاكتشاف دفع الباحثين للتساؤل: هل يمكن أن تستقر هذه الكائنات في عرض المحيط بشكل دائم؟

رحلات علمية تكشف الحقيقة
للإجابة، أجرى العلماء رحلات ميدانية إلى المنطقة، وجمعوا أكثر من 100 قطعة بلاستيكية عائمة، شملت زجاجات وشباكًا وحبالًا وصناديق.
وفي المختبر، تم تحليل هذه العينات، ليكتشف الباحثون وجود 46 نوعًا مختلفًا من اللافقاريات، من بينها البرنقيل وسرطانات البحر وشقائق النعمان.
واللافت أن نحو 80% من هذه الأنواع كانت كائنات ساحلية، وهو ما يؤكد قدرتها على التكيف مع بيئة المحيط المفتوح.

حياة مزدهرة فوق البلاستيك
أظهرت النتائج أن الحياة البحرية كانت موجودة على 98% من قطع البلاستيك التي تم جمعها، فيما ظهرت الأنواع المحيطية على أكثر من 94% منها، والأنواع الساحلية على أكثر من 70%.
وفي كثير من الحالات، عاشت هذه الكائنات معًا على نفس القطع، ما خلق ما يشبه “جزرًا عائمة” وسط المحيط.
كما حملت كل قطعة في المتوسط 4 إلى 5 أنواع مختلفة، مع كثافة أعلى على الشباك والحبال التي توفر بيئة مناسبة للاختباء والتكاثر.

دورات حياة مكتملة في عرض البحر
لم تقتصر الظاهرة على بقاء الكائنات، بل امتدت إلى تكاثرها. فقد رصد الباحثون إناثًا تحمل بيوضًا، إضافة إلى وجود أفراد صغيرة وكبيرة من نفس النوع على القطعة نفسها.
وهذا يشير إلى أن هذه الكائنات لا تعيش فقط مؤقتًا، بل تكمل دورة حياتها بالكامل فوق البلاستيك.

ظهور نظام “نيوبلاجك” جديد
تشير النتائج إلى نشوء مجتمع بيئي جديد يُعرف بـ“النيوبلاجك”، يجمع بين كائنات المحيط المفتوح وتلك الساحلية التي وجدت في البلاستيك بيئة بديلة.
وفي الماضي، كان غياب الأسطح الصلبة في عرض المحيط يحد من انتشار الكائنات الساحلية، لكن البلاستيك غيّر هذه المعادلة، موفرًا “موائل عائمة” دائمة.
تحديات بيئية معقدة
لا يقتصر خطر التلوث البلاستيكي على تشويه البيئة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل النظم البيئية البحرية، وتوسيع نطاق انتشار الأنواع عبر مسافات شاسعة.
وهنا يبرز التحدي: هل يجب إزالة هذه النفايات بالكامل، رغم أنها أصبحت موطنًا لكائنات حية؟ أم البحث عن حلول توازن بين حماية البيئة والحفاظ على هذه المجتمعات الجديدة؟

نحو فهم أعمق للمحيطات
تفتح هذه النتائج الباب أمام إعادة تقييم تأثير التلوث البلاستيكي، ليس فقط كأزمة بيئية، بل كعامل يغير قواعد الحياة في المحيطات.





