أخبارالاقتصاد الأخضرتغير المناخ

تغير المناخ.. تهديد جديد للأمن القومي العالمي.. أزمة عالمية تتفاقم بصمت

الاحتباس الحراري يفتح أبواب النزاعات.. عندما يصبح المناخ عدوًا استراتيجيًا

عندما يتحول الطقس إلى تهديد للأمن القومي

لم يعد تغير المناخ قضية بيئية فحسب، بل أصبح تهديدًا استراتيجيًا يطال الأمن القومي للدول ويعيد رسم خرائط النفوذ والموارد عالميًا.
فارتفاع درجات الحرارة، ونقص الغذاء والمياه، وتزايد موجات الهجرة، جميعها عوامل تؤدي إلى زعزعة استقرار المجتمعات، وتغذية النزاعات الداخلية والإقليمية، وخلق بؤر توتر جديدة قد تمتد آثارها لعقود قادمة.

الحرب على غزة تسببت في انبعاثات كربونية تتجاوز 100 دولة

المناخ كعامل مفاقم للصراعات

في تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي، يُشار إلى أن المناخ غير المستقر “يؤدي إلى ارتفاع مخاطر العنف الفردي والجماعي”.
فارتفاع الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة فقط يمكن أن يزيد العنف بين الأفراد بنسبة 2%، ويرفع احتمالات اندلاع الصراعات بين الجماعات بنسبة تتراوح بين 2.5% و5%.
هذه النسب، رغم بساطتها الظاهرية، تُترجم في الواقع إلى اضطرابات سياسية واجتماعية هائلة، خصوصًا في الدول التي تعاني أصلًا من هشاشة مؤسساتها الاقتصادية أو الأمنية.
ويقول عالم المناخ كيفن ترينبرث من “المركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي” إن ارتفاع درجة الحرارة بمقدار درجتين مئويتين سيؤدي إلى “تحولات جذرية في المناخ تجعل المحاصيل الزراعية المعتادة عاجزة عن النمو، وتزيد ندرة المياه، وتفاقم أزمة الغذاء”، ما يُنتج موجات من اللاجئين المناخيين الذين سيشكلون ضغطًا إضافيًا على الدول المستقبِلة ويؤججون النزاعات الإقليمية.

أزمات متعددة في سياق واحد

تغير المناخ لا يخلق أزمات جديدة بقدر ما يعيد تشكيل الأزمات القائمة ويضاعف آثارها.
فالمناخ المتطرف يُعمّق الانقسامات السياسية، ويُضعف قدرة الحكومات على إدارة مواردها.
ومع كل موجة جفاف أو فيضان أو إعصار، تزداد احتمالات انهيار البنى التحتية، وتتعطل سلاسل الإمداد، وتتراجع قدرة الجيوش على الحركة والإمداد اللوجستي في المناطق المتضررة.
يقول سكوت مور، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بنسلفانيا، إن تغير المناخ “يأخذ المشكلات التي كنا نقلق بشأنها أصلًا، مثل التطرف والإرهاب، ويُضخم من حجمها وخطورتها”، موضحًا أن “الضغوط المناخية على أنظمة الغذاء والمياه تؤدي إلى تفاقم التوترات داخل الدول وبينها”.

الولايات المتحدة أمام تهديد مركب

في الولايات المتحدة، يصف جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي السابق للرئيس جو بايدن، تغير المناخ بأنه “تهديد مركب للأمن القومي”، لأنه يجمع بين مخاطر الصراع والهجرة والأوبئة والفقر، ويؤثر في الوقت ذاته على قدرة الجيش الأميركي على العمل بفاعلية في مناطق النزاع حول العالم.
كما يرى سوليفان أن دور الولايات المتحدة في “قيادة الابتكار في مجالات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المستدامة” لم يعد خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لضمان استمرار التفوق الأميركي في ظل تنافس عالمي محموم على الموارد الخضراء والتقنيات المناخية.

الحرب الروسية
انبعاثات الجيوش

من الاعتراف المبكر إلى التراجع السياسي

رغم أن أول اعتراف رسمي بتأثير المناخ على الأمن القومي الأميركي جاء في عهد الرئيس جورج بوش الأب عام 1991، فإن الاهتمام المؤسسي الحقيقي بدأ عام 2008، حين أدرجت أجهزة الاستخبارات الأميركية المناخ ضمن قائمة التهديدات الأمنية.
غير أن تقرير “تقييم التهديدات السنوي لعام 2025” تجاهل لأول مرة منذ أكثر من عقد ذكر تغير المناخ، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل الكونغرس ومجتمع الاستخبارات.
وخلال جلسة استماع بمجلس الشيوخ، أوضحت تولسي غابارد، مديرة الاستخبارات الوطنية، أن التركيز في التقرير انصبّ على “التهديدات المباشرة والعاجلة”، في إشارة ضمنية إلى تقليص أهمية الملفات المناخية في السياسات الأمنية الجديدة.

إنكار الخطر وتبعاته

سياسات إدارة ترامب كانت الأوضح في اتجاهها المعاكس للعلم والواقع. فالإدارة السابقة خفّضت تمويل برامج البحث المناخي، وأغلقت بعض مكاتب الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID)، وقلّصت المساعدات الخارجية، وسحبت الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، في خطوة وُصفت بأنها “عزلة مناخية” غير مسبوقة.
ويرى مارك نيفيت، أستاذ القانون في جامعة إيموري، أن تجاهل البعد المناخي “يجعل منظومة الأمن القومي أقل مرونة وقدرة على التنبؤ بالمخاطر المستقبلية”، مؤكدًا أن “إنكار الواقع المناخي لا يلغي آثاره، بل يزيدها تعقيدًا”.

تهديد عالمي يتجاوز الحدود

يتفق الخبراء على أن التهديدات المناخية عابرة للحدود، ولا يمكن لأي دولة مواجهتها بمفردها. فالموجات الحرارية والجفاف والفيضانات تُحدث أزمات غذاء في مناطق، وتؤدي إلى نزوح جماعي في أخرى، بينما تؤثر على الأسواق والطاقة والتجارة في كل مكان.
ويشير باحثون في الأمن الدولي إلى أن “الاستقرار العالمي في القرن الحادي والعشرين سيُقاس بقدرة الدول على التكيف مع المناخ أكثر مما يُقاس بقدراتها العسكرية”، لأن الحروب القادمة قد تُشعلها المياه والغذاء، لا الأيديولوجيا.

نحو أمن قومي مستدام

يتجه العديد من الدول اليوم إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي ليشمل الأمن البيئي والمناخي، باعتبارهما جزءًا لا يتجزأ من استقرار الشعوب واقتصاداتها. فالأمن لم يعد يُقاس بعدد الصواريخ أو الجنود، بل بقدرة الدول على الصمود أمام الكوارث المناخية وضمان مواردها الحيوية.
وفي النهاية، يمكن القول إن تغير المناخ أصبح بمثابة “القوة الخفية” التي تعيد تشكيل النظام الدولي، وتحدد مسارات الاقتصاد والسياسة والتحالفات في العقود المقبلة. تجاهله لم يعد ممكنًا، ومعالجته لم تعد ترفًا، بل شرطًا للبقاء والاستقرار.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading