تقنية جديدة تكشف هوية البلاستيك بالحرارة وتدعم الاقتصاد الدائري
كاميرا حرارية وذكاء اصطناعي لتسريع إعادة تدوير البلاستيك وخفض التلوث
في خطوة علمية قد تُحدث تحولًا كبيرًا في صناعة إعادة تدوير البلاستيك عالميًا، نجح فريق بحثي من جامعة بوفالو الأمريكية في تطوير تقنية مبتكرة تعتمد على ما يُعرف بـ«الباركود الحراري ثلاثي الأبعاد المؤقت»، وهي تقنية قادرة على التعرف السريع والدقيق على أنواع البلاستيك المختلفة أثناء مرورها على خطوط الفرز الصناعية، ما قد يسهم في رفع معدلات إعادة التدوير وتقليل كميات النفايات البلاستيكية المتجهة إلى المدافن والبيئة.
وتأتي هذه التقنية الجديدة استجابة لأحد أكبر التحديات التي تواجه صناعة إعادة التدوير، وهو صعوبة التمييز بين الأنواع المختلفة من البلاستيك بسرعة ودقة، خاصة في مراكز استعادة وفرز المخلفات التي تتعامل يوميًا مع كميات هائلة من النفايات.
تحدٍ عالمي في فرز البلاستيك
ورغم التطور الكبير في تقنيات إعادة التدوير، لا تزال معدلات إعادة تدوير البلاستيك منخفضة نسبيًا على مستوى العالم، ويرجع ذلك جزئيًا إلى محدودية الأنظمة الحالية المستخدمة في التعرف على أنواع البلاستيك المختلفة.
وتعتمد العديد من المنشآت على الفرز اليدوي أو على تقنيات متقدمة مثل التحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء أو أشعة رامان، إلا أن هذه الوسائل تواجه تحديات تتعلق بالدقة أو السرعة أو التكلفة، فضلًا عن صعوبة التعرف على بعض أنواع البلاستيك الداكنة أو السوداء.
كيف يعمل «الباركود الحراري»؟
اعتمد الباحثون على نطاق الأشعة تحت الحمراء المتوسطة، والذي يُعرف في الأوساط العلمية باسم «منطقة البصمة الجزيئية»، نظرًا لأن لكل مادة بلاستيكية نمطًا فريدًا من التفاعلات الجزيئية ضمن هذا النطاق.
وعند تسليط أطوال موجية محددة من الأشعة تحت الحمراء على قطعة البلاستيك، تمتص المادة الطاقة فتبدأ الروابط الجزيئية داخلها بالاهتزاز، ما يؤدي إلى توليد أنماط حرارية مؤقتة يمكن التقاطها بواسطة كاميرا حرارية عالية الدقة.
وتُترجم هذه الأنماط الحرارية إلى ما يشبه «باركودًا حراريًا» ثلاثي الأبعاد يمثل الهوية الجزيئية الخاصة بكل نوع من البلاستيك، بما يسمح بالتعرف عليه بسرعة ومن مسافة مناسبة دون الحاجة إلى ملامسته.
التعرف على أكثر أنواع البلاستيك شيوعًا

وخلال التجارب، نجح النظام في التمييز بين ستة من أكثر أنواع البلاستيك استخدامًا وانتشارًا في الأسواق العالمية، وهي:
- البولي إيثيلين تيرفثالات(PET)
- البولي بروبيلين(PP)
- البولي ستايرين(PS)
- البولي إيثيلين عالي الكثافة(HDPE)
- البولي إيثيلين منخفض الكثافة(LDPE)
- البولي فينيل كلوريد(PVC)
كما أظهرت النتائج قدرة التقنية على التعرف على البلاستيك الأسود، الذي يمثل أحد أكبر التحديات أمام أنظمة الفرز التقليدية بسبب احتوائه على مركبات كربونية تعيق عمليات الكشف البصري المعتادة.
خطوة نحو الاقتصاد الدائري
ويؤكد الباحثون، أن الهدف الأساسي من الابتكار هو تحسين جودة البلاستيك المفروز وتقليل نسب التلوث بين الأنواع المختلفة، الأمر الذي يرفع من القيمة الاقتصادية للمواد المعاد تدويرها ويعزز فرص استخدامها مجددًا في الصناعة.
وتشير التقديرات إلى أن إعادة تدوير طن واحد فقط من البلاستيك يمكن أن توفر نحو 5.7 ميجاوات من الكهرباء، وأكثر من 2500 لتر من النفط، إضافة إلى تقليل المساحات المخصصة لدفن النفايات.
ما زالت في مرحلة التطوير
ورغم النتائج الواعدة، يؤكد الفريق العلمي أن التقنية لم تصل بعد إلى مرحلة التطبيق التجاري الكامل، حيث يعمل الباحثون حاليًا على تطوير مكونات أسرع وأكثر كفاءة تسمح بفرز البلاستيك على السيور الناقلة عالية السرعة المستخدمة في المصانع.
كما يجري العمل على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الأنماط الحرارية بصورة لحظية، إلى جانب تطوير مصادر ضوئية أقل تكلفة وأكثر قدرة على توليد أطوال موجية متعددة في الوقت نفسه.
مستقبل أكثر استدامة
ويرى الباحثون أن نجاح تقنية «الباركود الحراري المؤقت» يمثل خطوة مهمة نحو بناء منظومة أكثر كفاءة لإدارة المخلفات البلاستيكية، وقد يفتح الباب أمام جيل جديد من تقنيات إعادة التدوير الذكية القادرة على زيادة معدلات الاستفادة من البلاستيك وتقليل آثاره البيئية المتراكمة.
ومع استمرار تطوير النظام وتحسين أدائه الصناعي، يمكن أن تصبح هذه التقنية أداة محورية في دعم الاقتصاد الدائري العالمي وتحويل النفايات البلاستيكية من عبء بيئي متزايد إلى مورد اقتصادي مستدام.





