تقديرات خاطئة؟ خبراء يشككون في قدرة واشنطن على حسم حرب إيران سريعًا
البنتاجون يستعد لحرب طويلة مع إيران قد تمتد حتى سبتمبر
كشف موقع بوليتيكو أن القيادة المركزية الأمريكية طلبت من وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) إرسال ضباط استخبارات إلى مقرها لدعم الحرب لمدة لا تقل عن 100 يوم، ومن المرجح أن تمتد حتى سبتمبر المقبل، وفقًا لإخطار حصل عليه الموقع.
وأشار الموقع الأمريكي إلى أن هذه أول دعوة معروفة من الإدارة لإرسال أفراد استخبارات إضافيين لدعم الحرب على إيران، وهو ما يُعد مؤشرًا على أن البنتاجون يخصص بالفعل تمويلًا لعمليات قد تمتد لفترة أطول بكثير من الجدول الزمني الأولي الذي حدده الرئيس دونالد ترمب للهجوم على إيران، والذي تبلغ مدته أربعة أسابيع.
وأوضح الموقع أن البنتاغون يسعى إلى إرسال مزيد من أنظمة الدفاع الجوي إلى الشرق الأوسط، خصوصًا الأنظمة الأصغر حجمًا والأقل تكلفة، بهدف التصدي للطائرات المسيّرة.
كما أشار إلى أن العديد من الأنظمة المضادة للمسيّرات التي يمكن للولايات المتحدة استخدامها لم تدخل القتال بعد، لأن القوات الأمريكية لم تواجه حتى الآن تهديدًا واسع النطاق من الطائرات المسيّرة، بحسب وصفه.
وأضاف الموقع أن الإسراع في طلب مزيد من الأفراد والموارد لدعم جهود الحرب، والتي غالبًا ما تُنظم قبل وقت طويل من بدء العمليات العسكرية، يعكس أن فريق ترمب لم يتوقع بشكل كامل التداعيات الواسعة للحرب التي شنها إلى جانب إسرائيل ضد إيران.

عملية مرتجلة
ونقل الموقع عن جيرالد فايرشتاين، الدبلوماسي الأمريكي السابق والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، قوله إن ما جرى كان “عملية مرتجلة تمامًا”، مضيفًا: “بدا وكأن أحدًا لم يفهم أو يصدق أن العمل العسكري وشيك، وكأنهم استيقظوا صباح السبت وقرروا بدء الحرب”.
وأشار بوليتيكو إلى تصاعد المخاوف من احتمال نفاد الذخيرة لدى الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط.
ونقل الموقع عن مسؤول أمريكي، طلب عدم الكشف عن هويته، أن البنتاغون يعمل أيضًا على إرسال مزيد من أنظمة الدفاع الجوي إلى المنطقة، ولا سيما الأنظمة المخصصة للتصدي للطائرات المسيّرة الأصغر حجمًا والأقل تكلفة، والتي عملت وزارة الدفاع على تطويرها خلال السنوات الماضية.
وأكد الموقع أن الضربة الإيرانية التي أودت بحياة جنود أمريكيين أثارت قلقًا كبيرًا لدى مخططي الحرب في واشنطن، إذ نُفذت بواسطة الطائرة المسيّرة الإيرانية “شاهد”، وهي طائرة منخفضة التكلفة نسبيًا وقادرة في كثير من الأحيان على التحليق دون أن ترصدها الرادارات.
وأوضح المسؤول أن الولايات المتحدة تستخدم صواريخ تصل تكلفتها إلى ملايين الدولارات لاعتراض هذه الطائرات المسيّرة الرخيصة نسبيًا، في حين تمتلك إيران آلافًا منها في ترسانتها العسكرية، وقد تمكنت العشرات منها بالفعل من اختراق أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية.
وأضاف أن العديد من الأنظمة المضادة للمسيّرات التي يمكن للولايات المتحدة استخدامها لم تُفعّل بعد في القتال، لأن القوات الأمريكية لم تواجه سابقًا تهديدًا واسع النطاق من هذا النوع من الطائرات.

فشل إجلاء الموظفين
وفيما يتعلق بعملية إجلاء الأمريكيين من الشرق الأوسط، قال الموقع إن الاستعداد المحدود لمساعدة الأمريكيين الراغبين في مغادرة المنطقة كان له تأثير كبير.
ففي حين بدأت سفارتا الولايات المتحدة في لبنان وإسرائيل إعادة بعض الموظفين وعائلاتهم خلال الأيام الأخيرة قبل الضربات، فإن معظم البعثات الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة لم تتخذ إجراءات مماثلة إلا بعد اندلاع الحرب.
ونقل الموقع عن مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأمريكية قوله: “لم يكن هناك أي مبرر لعدم إعداد خطط لإجلاء الموظفين في ظل استمرار هذه التطورات، خاصة أن وزارة الدفاع كانت على دراية بالردود العسكرية الإيرانية المحتملة. وكان بإمكانهم أيضًا البدء بإرسال تحذيرات مبكرة بشأن الوضع الأمني المتقلب”.
وأشار بوليتيكو إلى أن الديمقراطيين استغلوا ما وصفوه بفشل عملية الإجلاء لانتقاد إدارة ترمب بشدة، في تحول لافت في المواقف، إذ سبق للجمهوريين أن انتقدوا إدارة الرئيس السابق جو بايدن بسبب طريقة تعاملها مع إجلاء الأمريكيين خلال الانسحاب من أفغانستان عام 2021.

تساؤلات حول المخزون العسكري
تتواصل العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وسط جدل متصاعد في واشنطن بشأن قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب قد تطول، في ظل تساؤلات حول كفاية مخزونها من الأسلحة، خصوصًا منظومات الدفاع الجوي المتطورة.
وتزامن ذلك مع تقارير وتحليلات تحذر من أن الاستنزاف المتسارع للذخائر في أكثر من جبهة قد يضع الترسانة الأمريكية تحت ضغط غير مسبوق، في وقت تؤكد فيه الإدارة الأمريكية أن تفوقها العسكري قادر على حسم المعركة خلال أسابيع.
الإدارة الأمريكية تبدي قدرًا كبيرًا من الثقة في مسار العمليات العسكرية، وأن مسؤولين في وزارة الدفاع أكدوا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسيطران عمليًا على الأجواء الإيرانية.
ويأتي هذا الخطاب في إطار تبرير قرار الحرب، إذ يكرر البيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترمب لم يتخذ قرار ضرب إيران بشكل مفاجئ، بل بعد اقتناع بأن طهران تمثل خطرًا متناميًا على الولايات المتحدة في المستقبل القريب.
لكن التحدي العسكري الحقيقي الذي تواجهه القوات الأمريكية لا يتعلق بالسيطرة الجوية، بل بقدرة إيران على تشغيل منصات إطلاق الصواريخ المتنقلة التي يصعب اكتشافها أو تدميرها بسرعة.
وتؤكد القيادة العسكرية الأمريكية أن تدمير هذه المنصات أصبح أولوية العمليات الحالية، إذ ترى واشنطن أن القضاء عليها سيقوض قدرة إيران على مواصلة إطلاق الصواريخ بعيدة المدى ضد إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة.

هاجس استنزاف الذخيرة
رغم نفي قادة البنتاجون وجود أزمة في مخزون الذخائر، إذ أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين أن الولايات المتحدة تمتلك ما يكفي من القدرات العسكرية لمواصلة العمليات دون قيود، فإن مؤشرات ميدانية وسياسية توحي بأن قضية المخزون العسكري تمثل هاجسًا حقيقيًا داخل دوائر صنع القرار في واشنطن.
ويفسر ذلك التحركات المتسارعة لتعزيز إنتاج الصناعات الدفاعية.
ويعتزم الرئيس ترمب عقد اجتماع في البيت الأبيض مع كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات التصنيع العسكري لبحث سبل تسريع إنتاج الأسلحة المتطورة، وفي مقدمتها الصواريخ الدقيقة وصواريخ “توماهوك”.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة رويترز عن مصادر مطلعة أن الاجتماع المرتقب سيضم شركات كبرى مثل “لوكهيد مارتن” و”آر تي إكس” –الشركة الأم لشركة ريثيون– في إطار مساعٍ حكومية لرفع وتيرة الإنتاج وتعويض ما استُهلك من الذخائر خلال العمليات العسكرية الأخيرة.
ويرى مراقبون أن هذه الضغوط لا ترتبط بالحرب الحالية فقط، بل تعكس تراكمات إستراتيجية تعود إلى السنوات الماضية، خصوصًا بعد الدعم العسكري الضخم الذي قدمته الولايات المتحدة لأوكرانيا منذ اندلاع الحرب مع روسيا عام 2022.
كما استهلكت العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب الإسرائيلية على غزة جزءًا إضافيًا من الترسانة الأمريكية، بما في ذلك أنظمة مدفعية وصواريخ مضادة للدبابات وأنواع مختلفة من الذخائر المتقدمة.
ومع دخول واشنطن في مواجهة مباشرة مع إيران، يتزايد معدل استهلاك هذه المخزونات الإستراتيجية، وهو ما دفع بعض التقارير الإعلامية إلى التحذير من احتمال استنزافها إذا طال أمد الحرب.
وحذرت صحيفة “ذا تايمز” البريطانية من أن الحرب الحالية مكلفة للغاية حتى بالنسبة لميزانية الدفاع الأمريكية الضخمة التي تبلغ نحو تريليون دولار لعام 2026.
ورأت الصحيفة أن القلق الأكبر لدى المخططين العسكريين يتمثل في الحفاظ على مخزون كافٍ من الأسلحة المتطورة لخوض حرب قصيرة أو متوسطة المدى دون تعريض الاحتياطيات الإستراتيجية للخطر.

تقدير خاطئ للقدرات الإيرانية
وفي حين تؤكد الإدارة الأمريكية قدرتها على مواصلة الحرب، يرى بعض الخبراء أن المشكلة لا تتعلق بالقدرات الأمريكية وحدها، بل أيضًا بتقدير القوة العسكرية الإيرانية.
وأشار الحسيني إلى أن عددًا من المراقبين والإستراتيجيين خارج الإدارة يشككون في دقة القراءة الأمريكية للقدرات الإيرانية، ويرون أنها قد تكون أقل دقة مما تفترضه واشنطن.
ويعتقد هؤلاء أن الولايات المتحدة وإسرائيل ربما لم تدركا بشكل كامل حجم التطور الذي حققته إيران في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة أمد المواجهة.
من جانبها، تؤكد طهران أن حسابات واشنطن العسكرية خاطئة، وأن إيران استعدت منذ سنوات لحرب طويلة الأمد تعتمد على الاستنزاف وتغيير التكتيكات العسكرية.
وقال مستشار قائد الحرس الثوري الإيراني حميد رضا مقدم فر إن إيران، بخلاف الولايات المتحدة وإسرائيل، مهيأة لخوض مواجهة طويلة، مؤكدًا أن مرور الوقت قد يصب في مصلحة المكاسب العسكرية الإيرانية.
وأضاف أن العمليات الإيرانية كشفت –وفق قوله– عن نقاط ضعف في دفاعات الخصوم، مشيرًا إلى أن طهران تمكنت من استهداف مواقع عسكرية وقواعد جوية ورادارات إستراتيجية.
ومنذ صباح السبت، تشن إسرائيل والولايات المتحدة هجومًا عسكريًا على إيران أدى إلى مقتل المرشد علي خامنئي ومسؤولين أمنيين وعسكريين بارزين ومدنيين.
وترد إيران بإطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه إسرائيل وما تقول إنها قواعد أمريكية في دول خليجية، وقد أصاب بعضها منشآت مدنية بينها مطارات وموانئ ومبانٍ مختلفة.





