من الأطباء والمعلمين إلى المحامين.. لماذا أصبحت مواجهة تغير المناخ مسؤولية كل مهنة؟
خبراء: الالتزام المهني يفرض على الأطباء والمحامين والمعلمين مواجهة مخاطر تغير المناخ
لم تعد مواجهة تغير المناخ مسؤولية الحكومات والشركات والنشطاء وحدهم، بل أصبحت تفرض التزامات متزايدة على مختلف المهن، من الطب والتعليم إلى القانون والهندسة والمحاسبة.
ويستند البحث إلى تجارب توضح قدرة المهنيين على إحداث تغيير مناخي من داخل المؤسسات التي يعملون بها، من خلال التأثير في القرارات والسياسات وقواعد الممارسة المهنية، وليس فقط عبر المشاركة في الحملات العامة أو المطالبة بتحرك الحكومات.
ومن أبرز هذه التجارب ما حدث في هولندا عام 2021، عندما أطلق طبيب أسرة يُدعى تيبور بولمان عريضة على منتدى إلكتروني للأطباء العامين، طالب فيها صندوق التقاعد الخاص بالأطباء بالتوقف عن الاستثمار في قطاعي النفط والغاز.
وسرعان ما جمعت العريضة 1200 توقيع، وبعد ثلاث سنوات قرر الصندوق، الذي يدير أصولًا بقيمة 10 مليارات يورو، ما يعادل 8.4 مليار جنيه إسترليني، لصالح 25 ألف طبيب، بيع جميع استثماراته في الوقود الأحفوري.
وجاء هذا القرار نتيجة تحرك الأطباء أنفسهم، من خلال مجلس يضم أطباء عامين منتخبين من أعضاء الصندوق.
واستلهم الباحثان آرون تيري وماريو فين بحثهما الجديد من تجارب مماثلة، مشيرين إلى أن الدراسات المتعلقة بالجهات القادرة على التحرك لمواجهة تغير المناخ غالبًا ما تقسم المشهد إلى حكومات وأسواق وحركات مناصرة، بينما لا تحظى المهن المختلفة بالاهتمام الكافي باعتبارها قوة مستقلة قادرة على إحداث التغيير.
لماذا أصبحت المسؤولية المناخية جزءًا من الواجب المهني؟
رغم وجود توافق واسع على ضرورة التحرك لمواجهة تغير المناخ، فإن السياسات الحالية لا تزال تضع العالم على مسار يقود إلى ارتفاع درجات الحرارة بنحو 3 درجات مئوية تقريبًا.
ويرى الباحثان أن المسؤولية عن هذه الأزمة موزعة بين الحكومات والشركات والأفراد، بحيث يستطيع كل طرف الإشارة إلى طرف آخر باعتباره المسؤول عن اتخاذ الخطوة الأولى، وهي ظاهرة يسميها علماء النفس «تشتت المسؤولية».
وتظهر هذه الظاهرة في الحياة اليومية من خلال فكرة أن مواجهة تغير المناخ ليست من اختصاص الفرد أو المؤسسة المعنية.
لكن الباحثين يؤكدان أن تغير المناخ بات يهدد جوهر المهام التي تؤديها المهن المختلفة؛ فالطبيب مسؤول عن صحة مرضاه، والمحامي عن مصالح موكليه وسيادة القانون، والمهندس عن سلامة المنشآت، والمعلم عن تعليم الأطفال.
ومع تأثيرات المناخ المتزايدة على هذه المجالات، يصبح التعامل مع المخاطر المناخية جزءًا من أداء الواجب المهني بكفاءة.
ولا يقتصر تأثير المهنيين على تقديم الخدمات، بل يمتد إلى المؤسسات والقرارات التي تحدد استجابة المجتمع للأزمة المناخية.
فالأطباء يشاركون في تحديد العلاجات الموصوفة، كما يعملون ضمن الهيئات التي تضع الإرشادات الطبية، بينما يقدم المحامون المشورة للشركات التي تحتاج مشروعاتها إلى موافقات قانونية، ويعمل المهندسون وفق معايير تحددها المؤسسات المهنية والتنظيمية.
ويعمل كل هؤلاء داخل مؤسسات تحتاج إلى التغيير، وينتمون إلى مهن يمكنها إعادة صياغة قواعدها الخاصة.
ويشير الباحثان إلى أن العاملين في القطاع الصحي، على سبيل المثال، من بين أكثر الفئات التي تحظى بثقة الجمهور عند الحديث عن تغير المناخ، بغض النظر عن التوجهات السياسية للمستمعين.
كما يذكران أن الأطباء لعبوا دورًا مهمًا في تحويل التدخين من مجرد عادة إلى قضية صحية عامة، قبل أن تتبع ذلك تغييرات تشريعية.
وهو ما يوضح كيف يمكن للمهن أن تسهم في دفع التغيير السياسي، مع بقاء مسؤولية التحرك على عاتق الحكومات أيضًا.
لكن السلطة المهنية قد تعرقل التحرك المناخي في بعض الأحيان؛ فالتدريب المهني يرسخ معايير وأخلاقيات تضمن قدرة المرضى والعملاء على الاعتماد على جودة الخدمات، إلا أن المعايير والإجراءات التقليدية نفسها قد تجعل تغيير أساليب العمل الراسخة أمرًا صعبًا.
وبدون ضغوط تدفع نحو التغيير، قد يواصل المهنيون إدارة الأنظمة التي تسهم في إحداث الضرر البيئي، حتى وهم يؤدون مهامهم بكفاءة ويلتزمون بالقواعد المعمول بها.
ويشير المقال إلى أن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن قطاع الرعاية الصحية ارتفعت بنحو 25% منذ عام 2016.
كما تلتحق أعداد من خريجي كليات الحقوق الأمريكية الكبرى بقطاع النفط والغاز بمعدلات تفوق المتوسط الوطني، في مسار وصفته إحدى الحملات الطلابية بأنه «خط إمداد المحامين إلى الوقود الأحفوري».
وفي مجال التعليم، لا يتناول التدريب المهني، عندما يتطرق إلى تغير المناخ من الأساس، سوى علوم ارتفاع حرارة الكوكب في كثير من الأحيان، مع اهتمام محدود بالأسباب الاجتماعية والاقتصادية للأزمة.

ثلاث مراحل لتحويل المسؤولية المناخية إلى ممارسة مهنية
يحدد البحث ثلاث مراحل يمكن من خلالها دمج المسؤولية المناخية في الممارسة المهنية، وتحويل الوعي بالمشكلة إلى إجراءات وقواعد مؤسسية.
المرحلة الأولى: الاعتراف بتغير المناخ ضمن اختصاص كل مهنة
تبدأ عملية التغيير عندما تعترف المهنة بأن تغير المناخ يمثل تهديدًا مباشرًا للمجال الذي تعمل فيه، وأن التعامل معه يدخل ضمن مسؤولياتها الأساسية.
وقد تحقق ذلك بالفعل في القطاع الطبي، عندما دعت أكثر من 200 مجلة طبية، في بيان مشترك، إلى اعتبار تغير المناخ أكبر تهديد للصحة العامة على مستوى العالم.
وفي المجال القانوني، تظهر هذه الخطوة من خلال مبادرات مثل «المحامون مسؤولون» (Lawyers Are Responsible)، التي يرفض الموقعون عليها قبول أعمال تقوض هدف الحد من الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية، المتفق عليه في إطار الأمم المتحدة.
أما المعلمون، فيمكنهم إدراك تأثير تغير المناخ على قدرة الأطفال على التعلم؛ إذ تؤدي الفصول الدراسية شديدة الحرارة إلى تراجع التركيز، بينما تتسبب العواصف وحرائق الغابات في إغلاق المدارس وتعطيل العملية التعليمية.
المرحلة الثانية: تحويل الاعتراف إلى واجب مهني
لا يؤدي الاعتراف بالمخاطر المناخية تلقائيًا إلى اتخاذ إجراءات لمواجهتها، ولذلك يتعين تحويل هذا الإدراك إلى التزام واضح ضمن الواجبات المهنية.
ويقدم المجال القانوني أحد أبرز الأمثلة على ذلك؛ إذ توصي جمعية القانون في إنجلترا وويلز المحامين بضرورة تحذير عملائهم من المخاطر المرتبطة بتغير المناخ.
ويرى الباحثان أن تقديم المشورة القانونية التي تتجاهل هذه المخاطر أصبح أقل توافقًا مع معايير المشورة المهنية الكفؤة.
المرحلة الثالثة: إدراج المسؤولية المناخية في القواعد والمؤسسات
تتمثل المرحلة الثالثة في تحويل الواجب المناخي إلى جزء من القواعد والمؤسسات التي تتحكم فيها المهنة، بداية من مواثيق السلوك المهني ومعايير الاعتماد والتدريب، وصولًا إلى صناديق التقاعد.
وفي هذه المرحلة، يتحول اهتمام الأفراد إلى ممارسة مهنية جماعية، كما حدث في تجربة الأطباء الهولنديين، عندما نجح المجلس المنتخب من أعضاء صندوق التقاعد في جعل التخارج من استثمارات الوقود الأحفوري سياسة للصندوق.
وفي كندا، يعمل الكلية الملكية للأطباء والجراحين على إدراج مفهوم «صحة الكوكب» ضمن الإطار الذي يحدد كفاءة الطبيب الكندي.
ويقوم هذا المفهوم على أن صحة الإنسان ترتبط بصحة الكوكب والأنظمة البيئية التي تدعم الحياة.
أين تتعثر المهن في تنفيذ التزاماتها المناخية؟
يرى الباحثان أن معظم المهن لم تتجاوز بعد المرحلة الثالثة، رغم الاعتراف المتزايد بتأثير تغير المناخ على اختصاصاتها.
فعلى سبيل المثال، أعلنت الأوساط الطبية منذ سنوات أن تغير المناخ يمثل أكبر تهديد للصحة العامة، لكن مراجعة أجراها طلاب لـ188 كلية صحية في 21 دولة، ضمن مبادرة «بطاقة تقييم صحة الكوكب» لعام 2025، أظهرت أن عددًا كبيرًا من هذه المؤسسات لا يزال يقدم محتوى محدودًا عن القضية ضمن مناهجه التعليمية.
وفي المجال القانوني، لم تحسم معظم نقابات وجمعيات المحامين حتى الآن موقفها من التساؤل عما إذا كانت مساعدة الشركات على توسيع إنتاج الوقود الأحفوري تثير إشكالات أخلاقية تتعارض مع المسؤولية المهنية.
ولا تقتصر هذه التحديات على الطب والقانون والتعليم، بل تمتد إلى المهندسين والمحاسبين والمخططين العمرانيين والأخصائيين الاجتماعيين والعاملين في أجهزة الشرطة، إذ تعمل كل مهنة وفق مواثيق وقواعد تنظيمية ومتطلبات تدريب خاصة بها.
ويهدد تغير المناخ المجالات التي تسعى هذه المهن إلى حمايتها، بينما بدأت بعض المؤسسات بالفعل في إدراج المسؤولية المناخية ضمن قواعدها ومعاييرها.
وفي كندا، وضعت الحكومة هدفًا يقضي بأن يكون 70% من المهندسين والمخططين والمحاسبين ومهندسي تنسيق المواقع قادرين، بحلول عام 2027، على مساعدة عملائهم في التكيف مع تغير المناخ.
ويشمل التكيف الاستعداد لمواجهة موجات الحر والفيضانات وحرائق الغابات التي أصبحت واقعًا قائمًا، بصرف النظر عن مسار الانبعاثات المستقبلية.
وتعمل مبادرة «المهن المتقدمة لكفاءات التكيف» (Professions Advancing Adaptation Competencies) على إدراج هذه المهارات ضمن المعايير المهنية لكل تخصص.
ثلاثة أسئلة على المؤسسات المهنية الإجابة عنها
يدعو الباحثان العاملين المنتمين إلى المؤسسات والهيئات المهنية إلى طرح ثلاثة أسئلة أساسية على الجهات التي تنظم عملهم:
- هل يتضمن ميثاق السلوك المهني إشارة واضحة إلى تغير المناخ؟
- هل يشمل التدريب المطلوب للحفاظ على التأهيل المهني موضوعات تتعلق بتغير المناخ؟
- أين تستثمر المؤسسة أموال صندوق التقاعد الخاص بأعضائها؟
ويؤكد الباحثان أن الإجابة بـ«لا» عن السؤالين الأول والثاني، أو عدم معرفة الإجابة عن السؤال الثالث، تكشف عن جوانب يمكن للمهنة العمل على تغييرها.
ويخلص البحث إلى أن مواجهة تغير المناخ لا ينبغي أن تظل مسؤولية الحكومات والشركات والأفراد فقط، بل يجب أن تصبح جزءًا من قواعد الممارسة المهنية وأخلاقياتها، بما يسمح بتحويل تأثير الأطباء والمعلمين والمحامين والمهندسين وغيرهم إلى قوة مؤسسية تدفع نحو تحقيق الأهداف المناخية.





